روج موسى/مركز الأخبار

دخل الاحتلال التركي بعد التاسع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مرحلة جديدة في الشمال السوري عامة وعفرين خاصة، فقد تناولت وسائل إعلام محلية ودولية موضوع "الحملة الأمنية" التي أطلقتها مرتزقة الاحتلال التركي فيما يسمى بـ"الجيش الوطني" ضد بعض المرتزقة الآخرين المنقسمين بين بعضهم ومختلفين على واردت السرقات وعمليات النهب.

أعلن المرتزقة  الذين يسمون انفسهم "الجيش الوطني" في صبيحة التاسع عشر من الشهر الماضي عن فرض حظر تجوال في مدينة عفرين لما سمته وفق بيانها "بأنه عملية لاستهداف الفصائل التي تقوم بعمليات النهب والسرقة في المدينة"، متناسيةً تماماً بأن هذه الانتهاكات كانت تستمر على مدار 8 أشهر منذ احتلال عفرين وريفها في الثامن عشر من مارس/آذار الماضي.

الحظر الذي كان مفاجئاً على جميع أهالي مدينة عفرين دون نواحيها السبعة، تُبع بعد الإعلان عنه  فوراً إغلاق جميع الطرق المؤدية للمدينة وتعزيز الحواجز بمرتزقة الجيش الوطني والشرطة العسكرية، الأمر الذي ترافق بتجهيزات إعلامية تركية ضخمة مقارنة لما كانت عليه قبل، لإظهار هذه العملية بأن خطوة جادة من قبلهم على تحسين أوضاع المدنيين في داخل عفرين المدينة.

عملية أمنية أم عسكرية ؟

كانت ساعات معدودة عقب الإعلان عن حظر التجوال لكي تبدأ الاشتباكات العنيفة بين المرتزقة فيما بينهم مستخدمين كافة الأسلحة الثقيلة من المدافع والدبابات الألمانية، والشهادات التي حصلنا عليها من داخل المدينة تدل على أنه كانت عملية عسكرية دون أمنية لتصفية حسابات داخلية بين المحتل التركي ومرتزقته.

اشتباكات عنيفة، قصف مدفعي على المناطق السكنية بالمدينة، جثث في أزقة الشوارع، رصاص في داخل وأطراف المدينة، انعدام للحياة المدنية في المدينة، لا مشافي تستقبل المرضى إسعافياً ولا أفراناً تغذي الأهالي بقوت الخبز اليومي، هذه كانت حالة عفرين حين قام مرتزقة الاحتلال التركي بالتناحر في مدينة يعيشها أكثر من 100 ألف نسمة أغلبهم مستوطنين من الذين قامت تركيا بتوطينهم عقب اتفاقياتها مع روسيا.

لم يكن هناك نقاط رئيسية للاشتباكات في المدينة ذاك اليومين، كونه كانت المرتزقة منذ احتلالهم المدينة قد اتخذوا مقرات وقاموا بتوطين عوائلهم في منازل مهجري عفرين، أي بمعنى آخر المرتزقة متوزعة في أرجاء المدينة مقسمةً إياها إلى دويلات يمنع لعناصر الفصيل المغاير لدخول منطقة الآخر، لكن تبلورت الاشتباكات إعلامياً بين فصيلي الجيش الوطني والحمزات ضد فصيل شهداء الشرقية.

طائرات الاستطلاع التركية كانت في الأجواء، صوت أزيز محركاتها المزعج كان يذكر الأهالي الذين تواصل معهم بذكرياتهم في الربع الأول من العام الحالي في الأقبية تخوفاً من ضربات الطيران الحربي، المرتزقة كانوا يتناقلون عبر وسائل إعلامهم الرسائل مباشرةً بشكل مضخم، موصفةً حتى بعض الوسائل الإعلامية التابعة للاحتلال التركي فصيل الشرقية بالإرهابيين وهم نفس الفصيل الذين كانوا يعتبرون "ثائراً" لحد ذاك اليوم.

انتهت الاشتباكات التي ضخمتها وسائل الإعلام التركية وغذت الرأي العام الدولي بأنه كانت عملية أمنية لاستئصال لما سمته بـ"الإرهابيين" ولكن بقت هذه العملية الأمنية دون أي تعليق سياسي تركي عليها، فعملية اعتقال الإعلامي بلال سريول من قبل السلطان وتعذيبه وإطلاق سراحه فيما بعد كانت العنوان الرئيسي لبدء هذه الحملة متناسياً المئات من عمليات الخطف والنهب التي جرت.

ولكن على الطرف الآخر كان هناك دليل صارخ عن شيطنة هذه العملية، ألا وهي أن الفصيل الذي خطف بلال وعذبه هم مرتزقة سلطان مراد المشكل والمدعوم تركياً، لكن الحملة استهدفت شهداء الشرقية الذين كانوا قد افتعلوا اشتباكات مع جبهات النظام التي توجد فيها نقاط مراقبة روسية في ريف حلب الغربي في الفترة الماضية، وأغلب الفصائل المشاركة بهذه الحملة كانت تركمانية ومن ضمنها لواء سلطان مراد ولواء سليمان شاه.

انتهت الحملة في عفرين بخروج مرتزقة الشرقية من المدينة باتجاه جندريسه في القرى المتاخمة مع محافظة إدلب لكي يعيدوا تمركزهم في تلك المناطق، حيث نشرت العديد من مقاطع الفيديو التي تظهر مقاتلي الشرقية وهم مترادفين وراء بعضهم البعض وهم يخرجون من أحد المقرات.

نهب أثناء إلقاء القبض على الناهبين !!

أثناء حظر التجوال والاشتباكات عنيفة، كان العشرات من مقاتلي الجيش الوطني والفصائل المشاركة مشغولين بنهب منازل المدنيين الذين كانوا يقتحمونها دون حرمة بحجة بناء متاريس للاشتباكات، وأفادت خديجة والتي لم تشهر عن كنيتها تخوفاً من الوضع الأمني السيء بأن المرتزقة سرقوا من منزلها أثناء اقتحامه وإخراجهم ما يقدر بـ400 ألف ليرة سورية من صاغة لأطفالها وبعض معدات المنزل الكهربائية.

ويطبق أحد الأمثلة الشعبية على الحملة الأمنية التي أطلقها الاحتلال وهو "الحرامي يختبئ فوق المخفر"، فالفصائل المشاركة ضد شهداء الشرقية كانت الجيش الوطني والشرطة العسكرية ولواء سلطان مراد ولواء سليمان شاه، يشتهر الفصيلان الأخيران بأنهما أتراك أكثر من أن يكونوا سوريين، فأبو عمشة قائد لواء سليمان شاه قد فرض ضرائب تصل إلى 30 بالمئة على المزارعين في ناحية شيه بمحصول الزيتون، وهو من اغتصب إحدى النساء العربيات وهو الذي يقوم بمناسك الحج أثناء قيام فصيله باختطاف الأطفال وقطع أشجار الزيتون والاستيلاء على منازل المدنيين مثل بيت الكردي في قرية قرمطلق في ناحية شيه.

بينما السلطان مراد، فهو الفصيل الذي يمنع أهالي قرية بعرافا بناحية شرا من العودة لمنازلهم وذلك لتحويله القرية بأكملها مع أراضيها ومنازل المدنيين إلى قاعدة عسكرية ومصيف لعوائل مقاتليه فيما يعيش أهالي بعرافا مشردين بين القرى في عفرين ومخيمات التهجير القسري في مناطق الشهباء، وهو نفسه الفصيل الذي اعتقل وعذب العشرات من المدنيين خلال الفترة الماضية وأحد الفصائل الرئيسية في سرقة معامل حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا ونقلها إلى الأراضي التركية.

ولعل آخر فضيحة للجيش الوطني كانت فضيحة رئيس أركانهم هيثم العفيسي التي سُربت له صور وهو في وضعيات مخلة أخلاقياً في أحد بيوت الدعارة والتي صادفت نفس اليوم بدء الحملة في عفرين، فالجميع أشار بأصابع الاتهام للاستخبارات التركية التي تعمل في كل فترة على نشر كهذه لقادة الفصائل المرتزقة التي تدعمه لكي تدعم حجته بالبقاء في الداخل السوري.

كيف يستفيد العثمانلي؟

قانون الغاب السائد في المنطقة التي تحتلها تركيا منذ حوالي العامين، وعمليات الخطف والنهب والسلب اليومية من قبل المرتزقة والاحتلال التركي، كان له فائدة كبيرة على الحكومة التركية، فعمليات التغيير الديمغرافي مستمرة منذ ذاك الحين بسبب مضايقات للأهالي من قبل المرتزقة، الأمر الذي أدى لإخلاء المنطقة المحتلة في الشمال بنسب تصل إلى 60 بالمئة بينما ترتفع هذه النسبة في عفرين لتصل إلى 70 بالمئة، حيث فرت أكثر من 30 عائلة كردية أخرى من أهالي عفرين الأصليين عقب هذه العملية الأمنية نحو مناطق أخرى.

والفائدة الثانية هي بأن يبقى جميع مرتزقته في الداخل بحاجة له، أي أن يبقيهم دوماً في حالة احتياج للدعم اللوجستي، فالرواتب الشهرية التي تقدمها تركيا لمرتزقته لا تصل إلى 500 ليرة تركية أي أقل من 100 دولار أمريكي، مع العلم بأنه نهبت مليارات الدولارات من خيرات الأراضي السورية عبر هؤلاء المرتزقة خلال الأعوام الستة الماضية، فهي تجعلهم دوماً خاضعين لها وتشجع على عمليات السرقة والنهب بشكل غير مباشر.

بينما في الحسنة الثالثة التي تعود بالأمر الجيد إلى الحكومة التركية، فهي تحاول عبر المسرحيات التي تقدمها مثل هذه الحملات الأمنية وبعض المحاكم الجنائية "التركية" وحتى محاولتها في بعض الأحيان القليلة إلقاء القبض على مرتكبي الانتهاكات، تصب جميعها لإظهار قواتها في الداخل السوري كقوات سلام و"محررة" للأرض وليست محتلة، فبات جلياً في عفرين بأنهم كانوا يشجعون الفصائل على السرقة والنهب والخطف لكي يتجه المتضررون نحو القواعد التركية لكي يطالبوا بحقوقهم،

بهذه الطريقة تحاول تركيا طرح نفسها الأب الصالح في سوريا والمخلص للأهالي ومشاكلهم، مع العلم بأن قوات الجيش التركي هم بالدرجة الأولى أكبر المفسدين في الأرض السورية عبر قصفهم للمناطق الأثرية واقتلاع الأشجار وآخرها كانت فضيحة إلقاء القبض على الضباط الأتراك في بيت دعارة في مدينة عفرين قبل عدة أشهر، هذا إلى جانب قتل المئات من المدنيين أغلبهم أطفال ونساء خلال العملية الاحتلالية العسكرية.

وفي النقطة الرابعة، استطاعت تركيا مع بدء هذه الحملة بالتغطية على الانتهاكات الجارية في المنطقة على قدم  وساق، فمع اشتداد الاشتباكات بشكل عنيف في مركز مدينة عفرين، كان مرتزقة لواء سليمان شاه بقيادة أبو عمشة والذين يحتلون ناحية شيه وقراها بشكل كامل قد اختطفوا رجلين من أهالي ناحية شيه وطالبوا ذويهم بفدية 4 مليون ليرة سورية أي ما يقارب 8500 دولار أمريكي، فموضوع عفرين والانتهاكات اليومية التي تجري فيه ليست أحد الأخبار الرئيسية ولا حتى الفرعية للعديد من وسائل الإعلام الدولية لوجود سياسات إعلامية تهتم بمصلحة الحكومة قبل الشعب وهذا الأمر الواضح في سياسة العدالة والتنمية الإعلامية في مثل قضية المتاجرة بالخاشقجي واعتقال الإعلاميين والبرلمانيين في الداخل وإغلاق مؤسسات الإعلام المعارضة.

بعد انتهاء الحملة الأمنية.. الانتهاكات ماتزال مستمرة

الحملة التي زادت من خزينة المسروقات في جيوب الفصائل، لم تفد بتاتاً، فبعد مضي عدة أيام على انتهاء الحملة الأمنية بدأ مسلسل الانتهاكات العلنية بالتكرار مجدداً في عفرين وريفها، ففي قرية جوقة التابعة لمركز مدينة عفرين قامت مرتزقة فصيل الحمزات بالسيطرة على عشرات المنازل وحولتها لمقرات عسكرية وتوطين عوائلهم في منازل المهجرين والمغتربين عن القرية حسبما أفاده المصدر السوري لحقوق الإنسان.

هذا إلى جانب فرض أتاوات بمقدار 500 تنكة زيت على أهالي القرية، الذين يعرفون بسلامهم مع كل جيرتهم، ففي الخامس عشر من نوفمبر الماضي، اختطف فصيل لواء سليمان شاه بقيادة أبو عمشة "المشارك بالحملة الأمنية" 9 أشخاص (رجل و7 نساء وطفل) في ناحية شيه، وطالب المرتزقة أهالي المختطفين بدفع 25 ألف دولار مقابل إطلاق السراح عنهم.

فيما قام بعض المرتزقة الملثمين بمهاجمة أحد مكاتب الصرفة والحوالات بالقرب من دوار نوروز وسط مدينة عفرين، وسرقوا ما يقدر بحوالي بـ15 ألف دولار متنوعة بين الليرة التركية والسورية والدولار الأمريكي، مصيبين صاحب المكتب بجراح خطيرة نتيجة استهدافه بالرصاص الحي.

التوقيت مدروس وليس صدفة

التوقيت التركي وتحريكها لمرتزقتها لم يكن محض الصدفة بتاتاً، فمع قرب عقد آستانا جديد، وظهور تخبطات جديدة في العلاقة التكتيكية بين العثمانية والقيصرية الجديدة في المنطقة، ومحاولة تركيا إظهار جديتها في الاتفاق التركي الروسي عبر ضبط مرتزقتها أو بالأحرى الفصائل التي تريد روسيا ضبطها.

فوضع إدلب المتأزم في ظل تقدم النصرة والسيطرة على بعض النقاط والبلدات الجديدة ومع استمرار الاتفاق الروسي التركي، وضع الجانب التركي في موقف محرج أمام نظيره الروسي، فيرجح محللون بأن تكون هذه العملية هي رسالة تركية تحاول فيها طمأنة الروس بأنها جادة في محاربة الفصائل، فيما أشار بعض المراقبين الآخرين على النقيض بأنه قد تكون رسالة لروسيا بأن تركيا تسيطر على الفصائل بشكل كامل، الأمر الذي يمنح تركيا موقعاً جيداً في المفاوضات المختصة باللجنة الدستورية.

وتناول بكر صدقي أحد الكتاب الكرد السوريين خلال إحدى مقالاته عن الحملة الأمنية التركية في الشمال السوري بأنه قد "سبق لحزب الشعوب الديمقراطي، الممثل السياسي لكرد تركيا في البرلمان ـ أن أثار موضوع انتهاكات الفصائل المحسوبة على تركيا في منطقة عفرين، لكن الحكومة التركية تعاملت معه بازدراء، وأنكرت وقوعها جملة وتفصيلاً.

ترى هل يتعلق الأمر، بالنسبة لعفرين على الأقل، ببداية التحضير للانتخابات البلدية التي ستجرى في آذار/مارس 2019، لكن معركتها بدأت منذ الآن؟ والقصد هو محاولة الحكومة كسب قلب الناخب الكردي من أجل الفوز ببلديات مناطق جنوب شرق الأناضول ذات الكثافة السكانية الكردية. بل إن صوت الناخب الكردي مهم أيضاً في بعض المدن الكبرى غرب البلاد، كإسطنبول مثلاً.

ومعروف أن التنافس على أصوات الكرد يكون أساساً بين حزب الشعوب وحزب العدالة والتنمية الحاكم. كل الاحتمالات المذكورة، أو بعضها، قد تكون وراء العملية الأمنية في عفرين، وقيل أنها ستمتد أيضاً إلى جرابلس والباب وغيرها من بلدات وقرى منطقة درع الفرات. ولكن لا بد، من باب الطرافة، من ذكر بعض «تحليلات» صحف موالية للحكومة التركية، بلغ بها «تسييس» العملية الأمنية حد اتهام «شهداء الشرقية» بتلقي أموال من «دول خليجية» لاختلاق ما يربك الحكومة التركية، على خلفية التوتر السعودي ـ التركي بشأن جريمة قتل جمال خاشقجي!".

(آ ر)

ANHA