مرادا اكندا- جيناف حسن/قامشلو

كرم منير قواص؛ هرب جده من مجازر العثمانيين بحق الأرمن والسريان في تركيا عام 1918، واستقر جده في مدينة عامودا، امتهن مهنة والد جده جرجس الذي قٌتل في المجزرة (العطارة) ومازال حتى الآن يعمل بها. وفي عام 1972 قدم إلى مدينة قامشلو عمل مع والده منذُ الصغر في سوق اليهود أو ما يعرف بسوق عزرا في مدينة قامشلو.

هجر جد كرم منير قواص من تركيا إلى مدينة عامودا بعد سلسلة مذابح ومجازر تمت بحق الأرمن والسريان على يد السلطات العثمانية كمذابح الأرمن عام 1915 -1917، والتي تعرف أيضاً باسم المحرقة الأرمنية والمذبحة الأرمنية أو الجريمة الكبرى، والتي تمت عمداً وبشكل ممنهج بحق الأرمن من قبل الدولة العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، بالإضافة لمجزرة سيفو وتعرف كذلك بالمذابح الآشورية أو مذابح السريان، وهي عبارة عن سلسلة من العمليات الحربية التي شنتها قوات نظامية تابعة للدولة العثمانية بمساعدة مجموعات مسلحة شبه نظامية استهدفت مدنيين آشوريين وسريان وكلدان والإيزيديين أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى بدءً من عام 1914 إلى عام 1920. أدت لمقتل قرابة مليونين منهم كما نزح آخرون من مناطق سكناهم الأصلية بجنوب شرق تركيا إلى سوريا والدول المجاورة. 

ونتيجة للمجازر التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق الأرمن والسريان والإيزديين في تركيا تشتتت صفوفهم، هرب معظمهم إلى مدينة إقليم الجزيرة المحاذية للحدود المصطنعة بين باكور "شمال كردستان"، وروج آفا، كعامودا ودرباسية وقامشلو وبدأوا بالعمل ضمن مهنهم التي كانوا يتقنونها قبل المجزرة.

قدم السريان والأرمن على مراحل إلى مدينة قامشلو

يعمل كرم منير قواص منذ أكثر من 40 عام في سوق اليهود (سوق عزرا) بمدينة قامشلو في إقليم الجزيرة في مهنة العطارة (طب الأعشاب). وسُمي  السوق باسم (عزرا) نسبةً لرجل يهودي كان يدعى عزرا، أضطر للفرار من مدينة ماردين في باكور كردستان أثناء الإبادة الأرمنية على يد العثمانيين 24 نيسان/ أبريل 1915 إلى 1917. واستقر في مدينة قامشلو.

وفي عام 1945 قدم المئات من سريان ناحية مديات التابعة لولاية ماردين بباكور "شمال كردستان" إلى مدينة قامشلو هرباً من ظلم وبطش تركيا، واستقروا في سوق قامشلو والذي كان يدعى سوق اليهود، وامتهنوا أيضاً مهنة العطارة وطوروا بعض الأدوات كميزان الزيت الذي كان عبارة عن عصي بميزان ذو أطباق.

يوضح كرم منير قواص أسباب المجازر التي لحقت بالأرمن والسريان والإيزديين إلى أن تركيا كانت حليفة للألمان أثناء قيام المجازر بحق الأرمن والسريان في تركيا، وتحججت واتهمت الأرمن بوجود علاقات بين الأرمن والروس، لذلك ارتكب  العثمانيون هذه الإبادة بحق الأرمن في بادئ الأمر بعدها امتدت المجزرة ولحقت بالسريان أيضاً.

كرم قواص قال "أما بالنسبة لليهود الذين كانوا متواجدين في منطقة ماردين ومنهم ناحية نصيبين التابعة لولاية ماردين في باكور كردستان فهربوا أيضاً خوفاً من أن تلحق بهم المجازر إلى مدينة قامشلو الحالية ومن بينهم عزرا الذي سمي السوق باسمه".

وبيّن إلى أنهم كشعب سرياني وأرمني لا يكنوا الضغينة لأحد لأن السلطات العثمانيين هي التي ارتكبت المجزرة بحقهم والذين نفذوا الجريمة كانوا أدوات بيد العثمانيين. وقال "نسامح الجناة ولكن لا ننسى الإبادة التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحقنا".

تركيا الجديدة لا تختلف عن التركية العثمانية رغم التطور الحاصل في العالم

وحول مقاومة الأرمن والسريان للمجزرة التي لحقت بهم، بيّن كرم منير قواص بأنه وبحسب ما سرد له أجداده فإن الأرمن والسريان الذين كانوا مستقرين في جبل طور عابدين سلموا من المجزرة، بالإضافة إلى أن الأرمن الذين كانوا في مدينتي مديات وأزغق قاوموا العثمانيين ولم يسمحوا بوصول البطش التركي لسكان كلتا المدينتين.

وأوضح كرم منير قواص الذي ولد في مدينة عامودا وقدم  برفقة عائلته إلى مدينة قامشلو عام 1972 إلى أنه مازال يعمل في المهنة التي كان يعمل بها أجداده وهي العطارة، أي بيع السمن العربي، والزيت والزيتون، والصابون والعسل، وتركيب الأدوية والأعشاب.

مازال يتوارد في ذهن كرم قواص ممارسات السلطات العثمانيين بحق الأرمن والسريان والتي سمعها من أجداده، ويقول "تركيا الجديدة لا تختلف عن التركية العثمانية رغم التطور الحاصل في العالم".

وحول المجازر والإبادات التي مازالت تتم بحق الشعوب المتواجدة بـ تركيا في الوقت الراهن، رجح كرم إلى أن السبب الرئيسي في ذلك يعود للتخلف والتعصب الديني الذي تتبعه السلطات التركية الآن، وقال "تركيا مازالت تتبع تلك الطريق بحق شعوب المنطقة، وتتعامل مع الشعوب بحسب معتقداتهم الدينية والعرقية، ولا تتعامل معهم على أساس شعب له الحق.

مؤكداً "لكن بطرق أخرى، أي عن طريق جماعات وأشخاص لكي تخفي جرائهما عن الرأي العام العالمي نتيجة تطور الإعلام والذي يوثق كُل شيء".

وجاء كرم بمثال، "ما ذنب الشعب الإيزيدي الذي مازال يتعرض للمجازر والإبادات؟ أليس ذلك نتيجة التعصب والتخلف الديني"؟.

تركيا دولة أطماع وتهدف تشتيت شمل الشعوب

وحول الهجمات التي يشنها الاحتلال التركي على شعوب شمال سوريا، بيّن كرم منير قواص إلى أن تركيا هي دولة أطماع، لها أطماع جغرافية في سوريا، وفي ذات السياق تساءل "لماذا هاجمت عفرين؟ هاجمتها لنهب خيراتها وتشتيت أهلها واحتلال جغرافيتها. دعيني أجلب لك مثال مشابه، أثناء هجمات داعش على قرى خابور في إقليم الجزيرة ألم تكن لنفس الغرض، ألم تكن من أجل تشتيت الشعب السرياني وهدم نسيج المنطقة ونهبهم".

حول وضعه ووضع السريان الآن في إقليم الجزيرة، أوضح كرم قواص إلى أنهم الآن يعيشون بأمن واستقرار في مدينة قامشلو، وقال "نحن نتعامل مع البعض على أسس التعامل والمحبة وليس على أسس دينية وطائفية، الآن يعمل لدي شخص يدعى علي منذ 35 عام، وهو كردي ومسلم، هذه هي طريق العيش لدينا".

قواص أشار إلى أن الكرد والعرب والسريان والمسلمين جميعهم يعيشون الآن ضمن مدينة قامشلو مع بعضهم البعض، ليس على أساس ديني أو عرقي بل على أسس الأخوة والمحبة والتعامل الحسن.

وأوضح كرم إلى اختياره من قبل أصحاب المحلات في سوق عزرا كرئيس لاتحاد العطارين، وأوضح "هذا دليل على عدم وجود  أي تمييز لعنصر أو دين بين أبناء شعب المنطقة، وقال "تم اختياري نتيجة لخبرتي في مهنة العطارة وليس على أساس ديني أو عرقي".

كرم منير قواص لديه 3 فتيات وشاب، يعيش بسلام واطمئنان ضمن قامشلو، يرتاد إلى محله المتواضع والذي بني  من بين أوائل المحلات التي شُيدت في مدينة قامشلو، والمليء بالأعشاب وعلب  السمن والزيت والصابون، كل صباح. يعمل لديه شخص يدعى علي، مبتسمٌ دائماً، يعرف معظم أهالي مدينة قامشلو، يدلي النصائح لكل من يتبضع لديه.

(أ ب)

ANHA