شيندا أكرم / قامشلو

الشهادة تبرز معاني الحياة بوضوح، كل قطرة دم سالت من شهيد سقت نخيل الوطن فارتفع شامخاً، وكلّ روح شهيد كسّرت قيود الطواغيت، وكل يتيم غسل بدموعه جسد أبيه الموسّم بالدماء وكل أم ما زالت على الباب تنتظر اللقاء، وضعت أسس النصر وأظهرت قرب تحقق الحرية.

قصص الشهادة تبقى لتقال وتنتقل أجيالاً مع مرور الزمن، كما قصة الشقيقين الشهيدين أحمد وآهين اللذان ناضلا منذ باية ثورة روج آفا في جبهات القتال حتى نالا الشهادة وسطع نجمهما في سماء الوطن وأصبحا قدوة للأجيال القادمة.

ولد أحمد آزاد محمد الاسم الحركي بلنك عامودا في مدينة عامودا عام 1981، بينما ولد شقيقه آهين آزاد محمد الاسم الحركي آكري عامودا عام 1983، عاشا في كنف أسرة وطنية متوسطة الحال مهتمة بالقضية الكردية منذ أعوام الثمانينات، أحمد كان الابن الأكبر في أسرته وآهين الثالث بين ثمانية أفراد 5 شبان و3 شابات يقطنون في مدينة قامشلو.

لعائلة الشقيقين تاريخ نضالي حافل بالتضحيات، فبعد تعرف العائلة على حركة التحرر الكردستانية منذ بداية الثمانينيات، انضم 6 من أفرادها إلى صفوف حركة التحرر الكردستاني واستشهدوا أعوام الثمانينات والتسعينات إبان مقاومة جيش الاحتلال التركي.

يعود أصل العائلة إلى مدينة عامودا، لكن نتيجة الأحوال المادية الصعبة، نقل الوالد آزاد محمد أسرته إلى مدينة قامشلو للعمل هناك، لكن بعد ذلك لم يعش الوالد فترة طويلة ليفارق الحياة ويترك أطفاله صغاراً.

بعد وفاة والده، تخلى أحمد الابن الأكبر عن مدرسته وهو في الصف التاسع وكان من الأوائل في دراسته، ليدير عائلته بعد وفاة والده، عمل أحمد في بيع الخضار داخل الأسواق وغيرها من الأعمال العادية، لكن ما كان يجلبه أحمد لم يكفِ لإعالة العائلة، لذا اضطر آهين للتخلي عن المدرسة والالتحاق بأخيه في العمل سعياً لتدبر أمورهم المعيشية.

لم يعلم أحد أن أحمد وآهين شقيقان يعملان معاً، كانا يقولان لمن حولهما أنهما صديقان، كان الوضع صعباً لذا اضطرت العائلة للانتقال من مدينة قامشلو إلى العاصمة اللبنانية بيروت عام 2005 ليعمل الجميع هناك، تزوج الشقيقان سوية وعادا معاً بعد أعوام من العمل في لبنان عندما بدأت شرارة ثورة روج آفا وانضما إليها.

قبل انطلاق الثورة، كانا من اللذين وضعوا الأرضية لتشكيل وحدات حماية الشعب، حيث انضما إلى وحدات شبيبة كردستان  YXKومع تأسيس وحدات حماية الشعب انضما إليها وشاركا في العديد من الحملات ودائماً ما كانا في المقدمة إبان القتال في سري كانية، تل علو، شدادي، هول، تل تمر،تل حميس، منبج وآخر الحملات كانت تحرير مدينة الرقة التي استشهدا فيها في الثالث من آب/أغسطس من عام 2017.

النضال في أصعب الظروف

يقول الشقيق الأصغر هجار آزاد عن أخويه الشهيدين "لم أشعر بفضل وجودهم بأنني فقدت والدي لانهم كانو بمثابة أب وأخ لي، لم يكونا كباقي الشباب يعيشون حياة الرفاه، كانت لهم قواسم مشتركة في كل شيء وكأنهم توأمان، عندما بدأ الشعب بتنظيم نفسه وبناء قوة عسكرية باسم YXK قاما بشراء بارودتي صيد ليحميا مدخل ومخرج المدنية والخطوط الحدودية ويأخذاني معهما ليحميا المدينة من أي هجوم طارئ عندما كانت جبهة النصرة تهاجم سري كانية".

اختلطت دمعة الأم عائشة حسن مع ابتسامتها عندما تذكرت لحظات أحمد و آهين، وتقول "كانا في حركة دائمة، كانا مجتهدين في مدرستهما كل من تعرف عليهما تعلق بهما، كانا بمثابة أب لإخوتهم، أحبا أخوتهم البنات كثيراً، عملا وتزوجا وانضما معاً، حاولت مراراً أن أبعدهما عن بعض بحجة أنه لايجوز أن يكونا في جبهة واحدة كونهما متزوجين ولهما أطفال ولكن المشترك بينهما كان وطنيتهما وحبهما لأرضهم".

زوجة الشهيد آهين، هيفا عبد الرحمن تقول أن "آهين كان صديقاً محباً، عندما كان يأتي لزيارة العائلة كان يساعدني كثيراً، كنت أسأله كيف هو وضعهم في الجبهات، كان ينظر إلي بلهف ويقول "أية جبهات أنا أقف حارساً على الحاجز"، وذلك كي لا أخاف".

تتذكر هيفا إحدى ذكرياتها مع زوجها الشهيد آهين عندما كان يشارك في حملة تحرير مدينة منبج بينما كانت تحمل طفله الثالث، وتقول "قبل أن يذهب قال لي " هيفا الحياة لن تبق لنا، نحن ضيوف فيها لا نعلم متى سنفارقها لهذا توصيتي لك" عندما قال ذلك توسلت إليه أن لا ينطق بشيء لكنه قال ما في قلبه قبل أن يذهب "إن عدت من الحملة سنسمي اسم ولدنا آلان وإن لم أعد ستسمينه على اسمي آهين ليبقى اسمي معكِ وعلى لسانك دائماً".

تقول شيندا علاء الدين حسين زوجة الشهيد أحمد "كان الشهيد أحمد يطير من الفرح أثناء الذهاب إلى جبهات القتال، كنت أتردد أن أقول له لماذا تفرح بالذهاب إلى الجبهة ألا  تخاف علينا، لكنني لم أتجرأ أن أقول له كي لا تكسر فرحته".

الرقة آخر المعارك

مع بدء حملة تحرير مدينة الرقة، طلب الشقيقان من القيادة العليا لوحدات حماية الشعب المشاركة في الحملة، لكن القيادة لم توافق على طلب مشاركة الاثنين معاً لأنه يمنع مشاركة شقيقين في القتال، لذا كان يتوجب على واحد فقط المشاركة بناءً على رغبته.

طلب أحمد من شقيقه آهين العودة إلى نقطته، ليتوجه هو إلى الرقة، لكن آهين لم يقبل، ومضت أسابيع قليلة حتى قام الشقيقان بتغيير أسمائهم للالتفاف على القيادة والتمكن من المشاركة معاً الحملة، وبالفعل، حققا ما هدفا إليه.

تقول والدة الشهيدين أن العائلة كانت كلها جالسة ذات مساء وإذا بالشقيقين يتصلان بهم وتبادلوا أطراف الحديث، إذ قالا سوية لأمهما "أمي سامحيني، نحن فخورون بأنك أمنا ونحن اليوم في جبهات القتال نقاتل من أجل الانسانية، لا تنسي يوماً أننا نحبك كثيراً وإن استشهدنا كوني كل شيء بالنسبة لإخوتي وأماً لأطفالنا".

تقول الأم بأن دمعتها انسابت من عينيها وردت عليهم حينها "ما هذا الذي تقولانه، أنا فخورة بكم منذ أن كنتم صغاراً".

لم تمض ساعات على آخر اتصال حتى حل فجر اليوم التالي، وبدأت المرتزقة بشن هجوم على نقاط تمركز قوات سوريا الديمقراطية، كان الشقيقان يقاتلان في طليعة الجبهات سوية، ووصلا حينها إلى مرتبة الشهادة.

وفي 3/8/ 2017 شيع جثمان المقاتلين أحمد محمد آزاد الاسم الحركي بلنك عامودا وشقيقه آهين اسم الحركي أكري عامودا من قبل الآلاف من أهالي مدينة قامشلو، وفي المراسم جدد العهد بالسير على دربهم حتى تحقيق النصر.

(ج)

ANHA