جمعة محمد

وطبعاً، إذا ما قلنا أن صفقة تنتظر تلك المنطقة لتوضح معالم مستقبلها، لن نكون مخطئين في الغالب، لأننا سبق وقد شهدنا صفقات عدة على الجغرافية السورية أوصلتنا إلى ما نحن إليه الآن، حيث بات النظام السوري يسيطر على أوكار الجماعات التي عارضته وأخرى إرهابية استغلت الفوضى في البلاد لتنشط فيها.

ومن المجدي هنا أن نعود لنتذكر ما حدث في حلب قبل عامين، إذ كانت المناطق التي قد سيطر عليها المرتزقة داخل المدينة محاصرة في مثل هذا الوقت إلى أن خرجوا منها عقب صفقة عقدتها راعيتهم تركيا في الـ20 من كانون الأول 2016.

لكن، تلك السيطرة مهدت للنظام السوري أن يصفّي أجزاءً من الأراضي السورية من معارضيه والمرتزقة اللذين تحكمت بهم دول اقليمية، لأن ما حدث كانت صفقة جرت بين النظام والدول الراعية لتلك الجماعات، كانت تركيا اللاعب الرئيسي في الصفقة عندما باعت حلب مقابل احتلال جرابلس واعزاز والباب.

ثم تتالت الصفقات حتى أصبحت لا تعد، وأخيراً تمكن النظام من إفراغ العاصمة دمشق ومحيطها مطلع العام الجاري عندما عقد صفقة مع الجانب التركي الذي احتل مقابل ذلك مدينة عفرين وقراها. كل تلك الصفقات كانت ترعى في أستانة بإشراف تركي-روسي-إيراني، إذ قسمت المناطق في بادئ الأمر على شكل مناطق خفض تصعيد، استغلها النظام لدحر داعش من مناطقه، ثم التفت إليها الواحدة تلوى الأخرى.

طبعاً، سلسلة الصفقات هذه التي أوصلت الحديث إلى إدلب، لأن جميع المرتزقة تم تجميعهم في إدلب وباتت الأنظار تلقائياً تدور حولها، تخولنا للقول أننا على اعتاب مشاهدة مسلسل صفقة جديدة، ستكون راعيتها تركيا التي تملك بكفها جماعاتها المرتزقة، وروسيا التي تتذرع بشرعية عودة النظام للسيطرة على كامل البلاد.

لكن ما هي الصفقة؟ هذا السؤال الأهم...

النظام السوري لم يخفِ رغبته في استعادة إدلب، الرئيس السوري بشار الأسد قال قبل 3 أيام أن "إدلب ستعود لكنف الدولة السورية"، لافتاً إلى أن اتفاق المنطقة المنزوعة السلاح "إجراء مؤقت". هذه التصريحات التي ترددت مؤخراً على لسان مسؤولين سوريين آخرين أيضاً، تكشف أن النظام السوري وتتقدمه روسيا يريدان إعادة السيطرة على إدلب.

لن نتحدث كثيراً عن الفائدة التي ستعود بها السيطرة على إدلب للنظام والروس والإيرانيين. بل سنركز على الخطوات التي سيتم اتباعها للسيطرة عليها.

روسيا أعلنت مراراً رغبتها إخراج "الإرهابيين" من إدلب، وتركيا تحاول الفصل فيما بينهم وبين من تزعم أنهم "معارضة معتدلة"، وبعد الفصل، ماذا سيكون مصير "الإرهابيين"، لم يتحدث أحد عن هذا.

لم تكن تركيا لتتنازل للنظام ورسيا وتتفق على المنطقة المنزوعة السلاح دون مقابل، وما نتوقعه أن ذلك المقابل ارتبط بمستقبل النظام وقوات سوريا الديمقراطية، ومن الملفت أن مسألة إدلب صعدت إلى الواجهة بعد أيام من المباحثات فيما بين النظام ومجلس سوريا الديمقراطية الممثل السياسي لقوات سوريا الديمقراطية.

حتى عندما عقدت تركيا صفقة حلب، كانت مقابل الوقوف في وجه محاولة ربط مقاطعات كوباني والجزيرة مع عفرين، وفقما زعم الأتراك، وصفقة الغوطة وريف دمشق كانت مقابل عفرين، كل الصفقات عقدتها تركيا لخدمة حربها ضد الكرد، لذا لن يكون مستبعداً أن تكون صفقة إدلب أيضاً في ذلك السياق.

المؤشرات تقول أن تركيا تنازلت في إدلب لصالح النظام، في مقابل أن يتوقف الأخير عن مباحثاته، ولأن التوقف بحد ذاته لن يفلح، فهم يخططون لحيلة يسعون عبرها إجبار مجلس سوريا الديمقراطية لتقديم تنازلت أكبر، أي بشكل تكون فيه مناطق شمال شرق سوريا تحت نفوذ أكبر للنظام.

وكانت أحداث قامشلو، محاولة من هذا القبيل، إذ افتعلت بعض الأطراف، تركيا أحدها، هذه البلبلة لخلق شرخ بين النظام ومسد، وعندما تكون مسد هي الملامة ستجد نفسها مجبرة على تقديم التنازلات، وفق تقديراتهم، كما أن اشتباكاً وقع في منبج على إحدى المعابر فيما بين النظام ومجلس منبج العسكري في قرية التايهة كان محاولة مشابهة.

والآن باتت المباحثات جامدة. لكن ما تزال الجماعات الإرهابية متواجدة في إدلب، أردوغان اتهم في مناسبة قبل أشهر أن عناصر داعش نقلوا من الرقة إلى سيناء المصرية، التي تشهد توترات حالياً، لكن رأى محللون تصريح أردوغان بأنه لتغطية مساهماته في دعم الإرهاب في مصر وليبيا، وقال بعضهم أن أردوغان الذي ينقل الإرهابيين يريد التمويه عن نفسه.

روسيا حذرت العراق من أن هنالك مساعٍ لنقل الإرهابيين إلى أراضيها، نائب وزير الخارجية الروسي، أوليغ سيرومولتوف قال هذا الكلام يوم أمس، فهل هنالك خطة لنقل الإرهابيين إلى العراق؟ أم إلى أفغانستان، كما تحدثت وسائل إعلام قبل أسبوعين.

أم أن الخطة الحالية تكمن في نقلهم إلى مناطق مجاورة مثل عفرين أو الباب واعزاز وجرابلس، ربما لاستخدامهم ضد ق س د.

 خطة النقل هذه لا مفر منها، لأن الإرهابيين الذين ولدتهم تركيا يجب إخراجهم أو تصفيتهم، تركيا المشرفة، وبالطبع فهي تخدم روسيا والنظام السوري، والمقابل هو الحد من نفوذ الكرد، وإن لزم الأمر، ليس من الغريب أن تسلم تركيا إدلب للنظام مقابل ذلك، وقد تكون هذه هي الصفقة المقبلة.

تركيا لا تريد أن تخسر علاقاتها مع النظام وحلفائه، لأنها تعتبرها الطريق المؤدي لمقعد في المفاوضات على مستقبل سوريا، لذا سنتوقع أن تجتهد لفعل ما يرضي الجانب الروسي، الجانب التركي وضع كل ثقله في محاولة لإقناع مسلحيه للخروج وتطبيق ما تتفق تركيا عليه مع روسيا. من يرفض المحاولات التركية من الإرهابيين يتم تصفيته، والأمور تسير لبلورة مستقبل إدلب وفقما يرضي الجانب الروسي والسوري وتقدم تركيا كل التنازلات في سبيل محاربة الإرادة الكردية في الشمال السوري.

في كل الحالات، كشفت تركيا عن نفسها النقاب أخيراً وبشكل علني، الآن بات نظام الرئيس رجب طيب أردوغان يتعامل بشكل صريح مع الإرهابيين من النصرة والقاعدة، وبات مصيرهم يعتمد على قرار تركي .

كل هذه الأمور يمكن أن تلقي بظلالها على العلاقة فيما بين تركيا وأمريكا، نظراً لأن السياسات التركية في سوريا لطالما كانت تعارض الرؤى الأمريكية، وهو ما ساهم في تدهورها مؤخراً، إذاً فإن المتوقع أننا سنشهد استمراراً لأزمة العلاقات التركية الأمريكية أيضاً.

(ن ح)

ANHA