تركيا تحشد والنظام يتأهب وروسيا تصعّد.. الأوضاع في إدلب إلى أين؟

غادر التفاعل مع تهديدات الرئيس التركي بمهاجمة قوات النظام في إدلب مربع التحركات الإعلامية، وتجاوز ذلك إلى أفعال على الأرض، إذ يحشد الجيش التركي ومرتزقته في إدلب عسكرياً، فيما تتأهب قوات النظام السوري، أما روسيا، فقد صعّدت من لهجتها مع تركيا، أمام كل هذه المعطيات، يقدّر مراقبون أن الأوضاع تتجه نحو الحسم في منطقة إدلب.

من جديد، هدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، ببدء عملية عسكرية ضد قوات النظام في إدلب، مُعلناً خلال كلمته التي ألقاها أمام الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية،  أن: "الاستعدادات العسكرية لعملية واسعة انتهت، وأنا أوجه الآن آخر تحذير للقوات السورية بالانسحاب إلى خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب".

تهديد أردوغان، جاء بعد أن قال: إن المباحثات بين أنقرة وموسكو حول إدلب لم تنجح، غير أنه لم يمضِ  كثير من الوقت على كلمة أردوغان، قبل أن يردّ الكرملين الروسي عليها، محذراً تركيا، من أن التحرك عسكرياً ضد النظام، سيكون أسوأ سيناريو.

حمل يوم الأربعاء، وفق تقدير مراقبين، حسماً للتهديدات التركية المتواصلة منذ أسابيع، وبدا أن قرار تحركها العسكري على الأرض محتمل أكثر من أي وقتٍ آخر، وهو ما دل عليه تحشيدها العسكري في مناطق إدلب وتعزيز جهوزية المرتزقة ، أمام تأهب مماثل من قوات النظام وحلفائها.

وفي غضون تقديم تقديرٍ لـما سيشهده الميدان في إدلب بعد هذه التهديدات، يستلزم ذلك تركيزاً بسيطاً على ذرائع التدخل التركي في سوريا.

اتفاق أضنة.. كذبة أردوغان التي يُبرر بها عدوانه على سوريا

يستند الرئيس التركي في كل تصريحاته حول التدخل العسكري التركي في سوريا والعدوان المستمر، سواء العسكري أو الدعم غير المحدود للمرتزقة في سوريا منذ بدء الأزمة، على أساس اتفاق أضنة الذي جرى توقيعه عام 1998برعاية مصرية وإيرانية.

لكن واعتماداً على بنود الاتفاق، لا تمنح تركيا أي مبرر لتدخلٍ مثل الذي تجريه الآن، إذ عوضاً عن أن التدخل أصلاً يستلزم  موافقة من الطرفين – سوريا – تركيا،  وهو ما لا تهتم إليه تركيا، يسمح الاتفاق للجيش التركي بالدخول فقط، حتى عمق 5 كيلومترات، وبعد تهديدٍ حقيقي لأمنها القومي، وذلك لحماية حدودها فقط، لا للتدخل المباشر في الأراضي السورية، وتمويل الجماعات المسلحة وإنشاء نفوذ عسكري لها في الأراضي السورية.

وفي أكثر من مرة، ردت وزارة خارجية النظام على مزاعم الرئيس التركي، بالقول: إن أنقرة انتهكت اتفاق أضنة "بدعم الجماعات الإرهابية منذ عام 2011 ولا تزال، عبر دعم الإرهاب وتمويله وتدريبه وتسهيل مروره إلى سوريا أو عبر احتلال أراض سورية".

هنا، يؤكد الدكتور الفلسطيني في القانون الدولي عبد الكريم شبير، لوكالة أنباء "هاوار": أن تركيا "لا تمتلك أي حق أو مسوغ قانوني، يتيح لها التدخل  أو ممارسة أي شكلٍ من أشكال التدخل في سوريا، وأن هذا التدخل هو هجوم واحتلال لأراضي دولة ذات سيادة، مخالف للقانون الدول".

ويقول: "يجب أن يجري التعامل مع الأراضي التي يشن عليها الجيش التركي هجومه، بأنها أراض محتلة ينطبق عليها القانون الدولي الإنساني، وأن أي تصرفات تركية على هذه الأرض المحتلة، هي باطلة وفق القانون الدولي وكل قوانين العالم، ويشكل جريمة حرب وانتهاكاً خطيراً للقانون الدولي واتفاقية روما، التي تعدّ أي احتلال أو تدخل بالقوة الغاشمة يشكل جريمة حرب، يجب محاسبة هذه الدولة عليها".

ويشير الدكتور إلى ضرورة: "تحمل المجتمع الدولي المسؤولية، ومنع التحركات التركية في سوريا، استناداً إلى قانون حقوق الإنسان والقانون الجنائي، الذي يجرم هذه الأفعال ويدعو الدول لردع مرتكبها".

التصعيد في إدلب.. الصدام العسكري الوشيك وتبدل النبرة التركية

بالعودة إلى تهديد أردوغان، يقدّر مراقبون أن فرص الصدام العسكري الواسع بين تركيا والنظام السوري، وارد ومحدود في الآن نفسه، إذ أن تركيا تدرك أنها ستخوض معركة خاسرة في إدلب، وذلك استناداً إلى عاملين، أولهما: " أن لقوات النظام الحق في تطهير البلدات من الجماعات المسلحة، والآخر، أن كل هذه العمليات تجري على أرضٍ سورية، وليست تركية".

فيما يرجح محللون سياسيون آخرون أن التهديدات التركية لا تتجاوز عتبة الكلام، وأن أردوغان لا يريد من خلفها إلا تحصيل تنازلات من دمشق وموسكو، أمام رغبته الصارمة في الاحتفاظ ببسط النفوذ العسكري والسياسي في إدلب  كورقة قوة في وجه النظام وموسكو.

وخلافاً لما حمله تهديد أردوغان،  قدم وزير الخارجية التركي اليوم تصريحاً بنبرة مختلفة وبعيدة تماماً عن التصعيد، قال وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إن هناك تقارباً مع روسيا في المحادثات حول سوريا.

في ذلك، استبعد المحلل والكاتب السياسي، محمد أبو مهدي، خلال حديثه لوكالة أنباء هاوار،  انزلاق الأوضاع في إدلب إلى تصعيد عسكري واسع، مع احتمال حدوث اشتباك محدود، كتسريعٍ لوتيرة المحادثات السياسية.

وقال:  "لم يعلن أي طرف تخليه أو تحلله من اتفاق سوتشي، لكن من الناحية العملية على الأرض، تركيا تخرق هذا الاتفاق أكثر من مرة، بدعم الجماعات المسلحة، وقصف مواقع للجيش السوري بنفسها أو عبر وكلائها، ما أدى في أحد الأيام إلى تكبيد الجيش خسارة كبيرة، ودفعه للتحرك والتقدم على محاور إدلب وريف حلب".

ويضيف: "التحركات السورية العسكرية على الأرض، تجري بالتأكيد بالتنسيق مع روسيا، وهذا الأمر يزعج أردوغان، وهو ما دفعه إلى إعادة حساباته، إذ سمعنا في أكثر من مرة وعلى لسان أكثر من مسؤول روسي، تحذيرات متكررة من خرق تركيا لاتفاق سوتشي، كان آخرها على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي أكد أن تركيا لا تلتزم باتفاق سوتشي وتدعم الجماعات المسلحة، وأن الجيش السوري لن يتراجع عن تحركاته الأخيرة، وما حققه على الأرض".

ويتابع: "اليوم حاول الأتراك من خلال وزير الخارجية، تلطيف الأجواء، عبر الحديث عن تعزيز التعاون مع روسيا وتقارب وجهات النظر، خلافاً لتهديدات الرئيس التركي بشن عملية عسكرية".

ويُقدّر أن: "يبدو أن تركيا تتخذ خطوة إلى الخلف وتبتعد عن تهديداتها، في المقابل الجيش السوري يستمر في التقدم، وبدا أن هناك إدراكاً تركياً بأن التصعيد وشن عملية عسكرية ستكبد تركيا خسائر كبيرة، ولن تجني منها المكاسب التي تتوقعها".

ANHA