مركز الأخبار

كشفت دراسة لـ مركز ناشونال انترست (CFTNI) الذي يعتبر خلية تفكير سياسية عامة في واشنطن، عن أوجه القصور في تجربة الجيش الروسي بسوريا، مما يثبت أن مشاركتها في الحرب يمثل تجربة تعليمية قيّمة.

وبحسب الدراسة فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن في أواخر العام الماضي، أن روسيا قد أنجزت مهمتها في سوريا وستبدأ في سحب قواتها. ومع ذلك، وفي موقف يذكر بتجارب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، يبدو أن روسيا مضطرة للاحتفاظ بوجود عسكري في البلد الممزق في المستقبل المنظور.

وتألف فريق البحث في مركز (CFTNI) كل من بول جيه سوندرز، المدير التنفيذي للمركز، والعقيد المتقاعد روبرت هاملتون أستاذ مشارك في الدراسات الأوراسية في الكلية الحربية للجيش الأمريكي، ومايكل كوفمان، كبير الباحثين في مركز التحليلات البحرية. وأشرف على المناقشة جيل بارندولار، مدير دراسات الشرق الأوسط في CFTNI.

وتتناول الدراسة "تدخل روسيا في سوريا "، وتقول "لم تتأقلم روسيا فقط مع وجودها في سوريا، بل إنها طورت أيضًا أسهمًا كبيرة هناك".

ويبدأ بول سوندرز الدراسة من خلال تحديد أهداف روسيا الاستراتيجية قبل التدخل، ويقول إنها كانت "لمنع سقوط حكومة النظام" ولمكافحة الإرهاب من خلال محاربة "الإرهابيين" هناك في سوريا وليس في روسيا. وكانت "المنفعة الجانبية" لموسكو تسعى إلى محاولة "فرض نوع من الحوار السياسي الولايات المتحدة" في أعقاب عزل روسيا عن الغرب بعد ضم جزيرة القرم". واستمر سوندرز "أعتقد أن الحكومة الروسية والجيش الروسي طوروا بعض المصالح الإضافية هناك بما في ذلك تأمين تواجد عسكري مكثف بمجرد أن تدخلت روسيا في سوريا بشكل كبير".

وأكد سوندرز أن تحقيق نظام سياسي مستقر في سوريا سيكون صعباً للغاية بالنسبة لسوريا وروسيا وإيران دون مساعدة مالية خارجية كبيرة لإعادة الإعمار. وقال إنه من غير المرجح أن تقدم الحكومات الغربية مساعدات لنظام يقوده بشار الأسد وأن القليل من الحكومات الأخرى، إن وجدت، ستكون مستعدة لقبول مسؤولية مالية كبيرة بغض النظر عمن يدير سوريا. لذلك، فقد لاحظ أن الولايات المتحدة قد يكون لها تأثير أكبر على مستقبل سوريا السياسي مما هو مفترض في كثير من الأحيان. وأوضح سوندرز إن التعامل مع المسلحين الأجانب المتبقين سيكون أيضاً تحدياً كبيراً لأن الحكومات القليلة إن وجدت ستكون حريصة على عدم قبول عودتهم إلى الوطن.

فيما يقدم مايكل كوفمان لمحة عامة عن الحملة العسكرية في سوريا، من المنظور الروسي وقال "سوريا انقسمت فعلاً إلى ثلاث حروب. الأولى هي "حملة استرداد النظام"، والثانية هي "الصراع الوجودي بين تركيا والكرد"، والثالثة هي "حرب الاستنزاف المفتوحة بين إسرائيل وإيران"، وهذا هو الصراع الأخير الأكثر خطورة على روسيا لأنها "الحرب في الشرق الأوسط التي لم يأتوا إلى سوريا من أجلها" حيث "هناك مسؤولية ضخمة فمن شأن التصعيد في الصراع بين إيران وإسرائيل أن يجبر روسيا على إلغاء الوعود لأيّ من الطرفين أو كليهما، ويعرض موقفها للخطر بصفتها الجهة الوحيدة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران وإسرائيل".

كما ناقش كوفمان تأثير الصراع السوري على التكتيكات العسكرية الروسية والقدرات العملياتية. ووصف سوريا بأنها "الصراع التحويلي الرئيسي بالنسبة لروسيا والجيش الروسي". وأشار إلى أن الصراع "يقود قدراً كبيراً من الخبرة والابتكار، وبالنسبة إلى الجيش الروسي فهي الحرب السعيدة" التي أصبحت هي المسرح الأساسي للقوات الروسية لتحقيق خبرة قتالية عملياتية. ما يقرب من ثلثي الأصول الجوية التكتيكية الروسية تناوبت عبر سوريا. وقد اكتسب الضباط وضباط الأركان والجنود دروساً قيّمة في الحرب الحديثة وطوروا أفكاراً جديدة لتطبيقها في النزاعات في المستقبل.

ولاحظ كوفمان أن "التكتيكات مدفوعة بالتكنولوجيا والمستقبل"، وكان الابتكار التكتيكي الروسي محدودًا للغاية قبل تدخل موسكو في سوريا. وقارن أداء الطائرات التكتيكية في سوريا بالصراع الروسي - الجورجي عام 2008 بأنه "تحول بين الليل والنهار". لكنه حذر من أن روسيا أثبتت قدرتها على عرض القوة العسكرية كقوة عظمى، إلا أن جهودها في سوريا كانت إلى حد كبير، بالتزكية. علاوة على ذلك، لدى القوات المسلحة الروسية العديد من القضايا التنظيمية والتقنية لحلها. ويحتاج الجيش الروسي إلى ذخائر دقيقة، وذخيرة ذات مدى أطول، ومدفعية أكثر دقة. يجب على موسكو أيضاً حل التنافس بين الخدمات لتعزيز روح الحرب المشتركة المتماسكة. ومع ذلك، فقد كشفت تجربة الجيش الروسي في سوريا عن أوجه القصور هذه، مما يثبت أن الصراع يمثل تجربة تعليمية قيّمة. وقال كوفمان "هذا أحد الأسباب العديدة التي تجعل الجيش الروسي يحب سوريا ويريد البقاء في سوريا. لا يمكنهم الحصول على تطابق حقيقي لتكنولوجيتهم مع تكنولوجيا الولايات المتحدة بهذه الطريقة في أي مكان آخر".

أحد المجالات التي اختلف فيها كوفمان قليلاً عن سوندرز بحسب الدراسة، هو قدرة سوريا على استخراج المساعدات الخارجية لإعادة الإعمار. واقترح أن تتمكن سوريا من الاستفادة من تهديد تدفقات اللاجئين الكبيرة لاستخراج مساهمات لإعادة الإعمار من ألمانيا والاتحاد الأوروبي.

ومن جانبه قال الكولونيل المتقاعد روبرت هاميلتون، أول مدير للخلية الأمريكية لمنع الاشتباك مع القوات الروسية في سوريا في عام 2017 "إن الدافع في هذه العملية هو عدم الاشتباك على الأرض، ولا ينبغي الخلط بينه وبين عدم الاشتباك الجوي المستمر منذ تدخل روسيا في خريف عام 2015"، وأشار أن الاشتباك "كاد أن يحصل" في يونيو 2017، عندما أعطى الروس الولايات المتحدة إنذارًا مدته 48 ساعة للانسحاب من منطقة التنف الاستراتيجية. إن التنف التي تقع على الحدود الثلاثية مع الأردن والعراق، هي عقدة مهمة تربط إيران، عبر العراق، بحلفائها السوريين. ووصف هاميلتون مكالمة هاتفية من نوع "الخطيرة جداً" بين جنرالات روسيين وأمريكيين، إذ سارع الجنرال الروسي إلى تحديد الجدول الزمني للإنذار، مما يعني أن الضربة وشيكة. ورد القائد الأمريكي قائلاً "إذا كنت تهدد قواتي، فقد انتهت هذه المكالمة لأن عليّ أن أغلق الهاتف وأذهب إلى قائدي وأطلب منه الاستعداد للضربة والدفاع عن نفسه" ولحسن الحظ، كان الرد الروسي هو "دعونا نواصل الحديث".

وتشير الدراسة إلى أن إدارة التحالف (الروسي الإيراني السوري)، هي إدارة لا تتمتع فيها روسيا بخبرة كبيرة قبل سوريا، بمثابة اختبار مهم، خاصة بالنظر إلى المجموعة المتباينة من الشركاء الذين تعمل موسكو معهم. ولاحظ هاملتون أن "روسيا لم تتجاوز بعد النقطة التي تمكنها بأن تفعل ما تشاء دون إخبار شركاؤها". لأن الأهداف المختلفة والمتضاربة أحيانًا لشركاء روسيا في سوريا تطرح تحديات لا يمكن حلها بسهولة، وعلى سبيل المثال، من المشكوك فيه أن تتمكن روسيا من دعم رؤية إيران ومشروعها الممتد من طهران إلى بيروت دون إثارة صراع مع إسرائيل، وربما حتى مع الولايات المتحدة.

وتناول هاميلتون ما يعتبره التحدي الرئيسي لروسيا في سوريا وتساءل "كيف تستطيع  أن توازي ما بين تدمير خصمك عسكرياً وما بين تحقيق إنجاز سياسي في سوريا ؟" وقال "كما هو الحال مع الولايات المتحدة في العراق أو أفغانستان، لا يوجد خط مستقيم بين النجاح العسكري والنتائج السياسية المرغوبة".

ومركز ناشونال انترست الذي يعتبر خلية تفكير سياسية عامة في واشنطن العاصمة أسسه رئيس الولايات المتحدة السابق ريتشارد نيكسون يوم 20 يناير 1994 تحت اسم مركز نيكسون للسلام والحرية. وتغير اسم المجموعة عام 1998 إلى ذا نيكسون سنتر أو مركز نيكسون.

(م ش)