زراعة الزعفران الواعدة في سوريا تواجه تحديات الدعم والتسويق

تتوسع تجارب زراعة الزعفران في سوريا ولا سيما ضمن منطقة الغاب والمرتفعات بمحافظة حماة، وسط مؤشرات على ملاءمة البيئة المحلية لهذا المحصول، إلا أن محدودية الدعم والمعدات وضعف التسويق وغياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة تعيق انتقاله من التجارب الفردية إلى زراعة اقتصادية منظمة.

زراعة الزعفران الواعدة في سوريا تواجه تحديات الدعم والتسويق
الخميس 17 يلول, 2026   04:38
حماة

تشهد محافظة حماة، ولا سيما منطقة الغاب والمناطق المرتفعة التي تزيد على 400 متر عن سطح البحر، تجارب فردية محدودة لزراعة الزعفران، إلى جانب محافظات سورية أخرى في تجربة زراعية حديثة وناشئة تواجه جملة من المعوقات، أبرزها غياب الدعم المتخصص، وعدم توافر الآلات والمعدات، وضعف التسويق، وعدم إدراج المساحات المزروعة ضمن إحصاءات وخطط زراعية رسمية دقيقة.

وتشير مصادر زراعية وبحثية إلى أن بداية زراعة الزعفران في سوريا كانت من سهل الغاب بمحافظة حماة عام 2008، قبل انتقال التجربة إلى محافظات أخرى، فيما أظهرت الأبحاث الزراعية نجاح زراعته في حماة وحمص وريف دمشق وإدلب والسويداء ودرعا ومناطق ساحلية، ومحافظة الحسكة.

وتؤكد الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية أن التجارب السورية أظهرت ملاءمة الزعفران لعدد من البيئات المحلية.

ويقول المزارع يوسف محسن من منطقة المحروسة إنه بدأ مشروعه قبل نحو عامين، وتوسع تدريجياً حتى تجاوزت المساحات المزروعة 5 دونمات، موضحاً أنه عمل خلال هذه الفترة على إكثار البصيلات ومراقبة مدى ملاءمتها للظروف البيئية المحلية، قبل أن تتطور التجربة مع تراكم الخبرة في عمليات الزراعة والإنتاج.

ويؤكد محسن أن التجربة أثبتت نجاحها، لكنها لا تزال تفتقر إلى أبسط مقومات التوسع، ولا سيما الدعم الفني والمادي، مشيراً إلى أن زراعة دونم واحد من الزعفران تحتاج إلى ما بين 175 و300 كيلوغرام من البصيلات، فيما يمكن للبصلة الواحدة، بحسب حجمها، أن تنتج عدداً من الأزهار يصل إلى 14 زهرة، ويتراوح إنتاج الدونم بين 1 و3 كيلوغرامات.

ويزرع الزعفران، بحسب المزارع، من منتصف آب حتى منتصف تشرين الثاني، في تربة طينية خفيفة أو كلسية جيدة الصرف، ويحتاج إلى رية تكميلية خفيفة، فيما يعتمد في التجربة المحلية على الأسمدة العضوية المتخمرة دون الأسمدة الكيميائية.

وتُقطف المياسم الحمراء يدوياً في الصباح الباكر قبل سطوع الشمس، ثم تُجفف على أقمشة بيضاء نظيفة داخل غرفة مظلمة ودافئة وجيدة التهوية لمدة 24 ساعة، وهي مرحلة تتطلب جهداً يدوياً كبيراً في ظل عدم توافر المعدات المتخصصة.

وتبرز صعوبة التجفيف كإحدى أبرز العقبات أمام المزارعين، إذ لا تزال العملية تتم يدوياً، ما يحد من القدرة على زيادة الإنتاج ويستنزف الوقت والجهد. كما يواجه المنتج ضعفاً في التسويق، وارتفاعاً في سعره، ومحدودية المعرفة باستخداماته محلياً، فضلاً عن غياب شهادات الجودة والمنشأ الحيوي التي يمكن أن تساعد في فتح أسواق خارجية.

ويضاف إلى ذلك عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة وشاملة عن المساحات المزروعة بالزعفران في حماة، كونها ما تزال زراعة ناشئة وتجريبية وغير مدرجة كمحصول رئيسي في الإحصاءات الزراعية السنوية.

ويقول أعضاء مديرية زراعة حماة أن زراعة الزعفران في منطقة الغاب والمناطق المرتفعة لا تزال محصورة في حقول محدودة لا تتجاوز 5 دونمات، أنشأها مزارعون ضمن تجارب فردية بدعم من منظمات محلية، مشيراً إلى عدم وجود إحصاءات واقعية ورسمية دقيقة تغطي إجمالي المساحات المزروعة، نظراً إلى حداثة التجربة وعدم إدراجها ضمن الخطط الزراعية.

ويأتي ذلك في وقت أظهرت فيه خطة وزارة الزراعة والهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، التي بدأ العمل بها عام 2018، مراحل للتوسع في زراعة الزعفران، تبدأ بإقامة الحقول التجريبية وإجراء الأبحاث، ثم نشر زراعة الكورمات وتدريب المهندسين والمزارعين، وصولاً إلى تأمين الكورمات وتقديم تسهيلات وقروض حسنة دون فوائد بهدف الوصول إلى الإنتاج التجاري الواسع.

وفي أحدث نشاط رسمي تناول الزعفران، نظم الاتحاد العام للفلاحين في سوريا في 21 نيسان الماضي ورشة بعنوان "التعاونيات المتخصصة ودورها في التنمية الاقتصادية – محصول الزعفران نموذجاً"، بمشاركة فلاحين وممثلي فروع الاتحاد وخبراء زراعيين، حيث ناقشت الورشة واقع التعاونيات والتحديات التي تواجهها، بما فيها التمويل ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب تطوير التسويق والتصنيع وتقليل دور الوسطاء.

وأكد نائب رئيس الاتحاد العام للفلاحين عبد الستار شحادة حينها، أهمية دعم الجهود التي تعزز وعي الفلاحين بالعمل الزراعي والتسويقي، فيما أشار مدير العلاقات العامة في الاتحاد بسام الحسين إلى أهمية الزعفران كمحصول عالي القيمة يمكن أن يدعم دخل الأسر الريفية، مشدداً على أهمية الشراكة مع القطاع الخاص في مجالات التسويق والتصنيع ورفع القيمة المضافة للمنتج.

كما أوضح رئيس اتحاد فلاحي حمص سامر عنقا أن نجاح التعاونيات يتطلب حوكمة واضحة لمواجهة التحديات المتعلقة بالتمويل ومستلزمات الإنتاج، وهو ما يعكس جانباً من التحديات التي تواجه الزراعات الجديدة ذات القيمة الاقتصادية العالية.

وأظهرت بيانات بحثية لمديرية حماة أن الزعفران السوري يمتلك مؤهلات تسويقية، إذ يتراوح سعر غرام المياسم بين 4 و6 دولارات، بينما يمكن أن يصل في بعض الأسواق المجاورة إلى 8–12 دولاراً وفي الأسواق الأوروبية إلى 10–15 دولاراً، في حين يمكن أن ينتج الدونم في السنة الثالثة بين 1 و2 كيلوغرام من المياسم، بحسب الخبير الزراعي غسان رستم.

وتواجه الزراعة في الوقت ذاته تحديات تتعلق بارتفاع تكلفة تأسيس الحقول، إذ يبلغ سعر الكورمة الواحدة نحو 4000 ليرة سورية، وقد تصل تكلفة زراعة 5000 كورمة في الدونم إلى نحو 20 مليون ليرة، بحسب الدكتورة ريم رستم من إدارة بحوث البستنة في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية.

كما أشارت إلى ضعف كفاءة قنوات التسويق وغياب التنظيم المؤسساتي والتعبئة وفق المعايير الدولية.

ويرى المزارعون أن الجهود الفردية لا تكفي لضمان توسع هذه الزراعة، مطالبين بتوفير معدات التجفيف والآلات اللازمة، وتقديم قروض ميسرة، وإدراج الزعفران ضمن الخطط الزراعية الرسمية، وإجراء إحصاءات دقيقة للمساحات والإنتاج، إلى جانب تنظيم عملية التسويق.

ويقترح المزارعون تعبئة الزعفران بأوزان صغيرة لا تتجاوز غراماً واحداً للتخفيف من أثر ارتفاع سعره وتشجيع استخدامه محلياً، وتوجيه المبيعات نحو معامل الأدوية والمختبرات الطبية وصناعة العطور والمطاعم، بالتوازي مع العمل على الحصول على شهادات منشأ وجودة تتيح الوصول إلى الأسواق الخارجية.

(أم)

ANHA