المرأة السورية بين نصوص الدستور وواقع الإقصاء السياسي

تشكل قضية مشاركة المرأة في الحياة السياسة والعامة أحد أبرز مؤشرات الخلل البنيوي في الدولة السورية على مدى عقود، حيث ظل الفارق شاسعاً بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية، بين شعارات المساواة وواقع التهميش الممنهج في مواقع القرار.

المرأة السورية بين نصوص الدستور وواقع الإقصاء السياسي
الخميس 24 يلول, 2026   02:40
قامشلو
برفين روج

لا تزال قضية المرأة السورية بمختلف أبعادها السياسية والعسكرية والثقافية والتعليمية تثير جدلاً واسعاً. ففي الوقت الذي تشدد فيه النساء السوريات على ضرورة ضمان حقوقهن دستورياً وقانونياً، تتجه الحكومة الانتقالية، نحو بناء دولة أحادية اللون، مع استمرار إقصاء المرأة عن مواقع صنع القرار ومفاصل السلطة، في مشهد يذكّر، من حيث التهميش السياسي للمرأة، بما كان سائداً في ظل النظام السابق.

فقد نص دستور عام 2012، الصادر في عهد نظام البعث، على مادتين صريحتين بشأن المرأة. فالمادة 23 نصت على أن "توفر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع"، بينما تؤكد المادة 33/3 أن "المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة".

غير أن هذه النصوص بقيت حبراً على ورق. فتمسك النظام بتحفظاته الجوهرية على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة "سيداو"، وتناقض بنية الدستور نفسه مع حزمة القوانين النافذة، وخاصة قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات والجنسية، أفرغ المادتين من أي مضمون قابل للتطبيق.

ومع الثورة السورية أُعيدت قضية المرأة وحقوقها الكاملة إلى الواجهة. وعلى مدى أكثر من عقد، قدمت المرأة السورية نموذجاً استثنائياً في التضحية والصمود، وتحملها وحدها مسؤولية إدارة المنزل والأسرة.

ولم تتوقف معاناتها عند ذلك، بل امتدت لتشمل رحلات النزوح واللجوء، وما رافقها من مصاعب في المخيمات وبلدان الشتات. ورغم ذلك، أثبتت كفاءة عالية في إدارة مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الإغاثية والإعلامية والثقافية والحقوقية، وحققت منجزات لتؤكد أن المرأة رغم الاضطهاد المجتمعي والسياسي المزدوج قادرة على الكفاءة والثبات.

إلا أن هذا الحضور المدني والإنساني الواسع لم يترجم إلى حضور سياسي مكافئ.

المرأة ودورها في المرحلة الانتقالية

وكشفت نتائج المرحلة الانتقالية الحالية عن تراجع مقلق في تمثيل المرأة داخل مراكز القرار، وخاصة في البرلمان الجديد.

فقد جرت انتخابات مجلس الشعب بآليات غير تقليدية، اعتمدت على هيئات ناخبة معينة من قبل السلطة التنفيذية، مع تخصيص ثلث أعضاء المجلس بقرار مباشر من رئيس الحكومة الانتقالية، وهي آلية أثارت جدلاً واسعاً حول مدى انسجامها مع معايير التمثيل الديمقراطي وقدرتها على عكس الإرادة الشعبية.

وأفرزت هذه العملية تمثيلاً نسائياً محدوداً للغاية، بلغ 21 امرأة فقط من أصل 210 أعضاء، أي بنسبة 10%. وهي نسبة تقل حتى عن نسب تمثيل المرأة في برلمانات عهد النظام السابق، وتقل كثيراً عن المعدلات المعتمدة في برلمانات المنطقة والعالم.

ولا تقتصر المشكلة على مجلس الشعب. فالتحدي الأكبر اليوم يتمثل في توسيع مشاركة المرأة في المواقع التنفيذية والقضائية والإدارية العليا، وضمان تكافؤ الفرص في صناعة القرار.

وقد قوبل هذا الضعف بانتقادات حادة من ناشطات وحقوقيات، ذكرن أن غياب النساء لا يمثل خللاً في التوازن بل يشير إلى إقصاء ممنهج يمس جوهر العدالة، ويعيد إنتاج أنماط التهميش التي سادت في عهد النظام السابق.

وفي مشهد لافت، ظهرت التشكيلة الحكومية المؤلفة من 22 وزيراً بوزيرة واحدة فقط، هي وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، ما يعكس نقصاً حاداً في الحضور النسائي وغياباً واضحاً لعدالة التمثيل.

وتعزز هذا القلق مؤخراً مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، حيث أثارت تصريحات لأحد البرلمانيين بشأن ما سماه "تأنيث التعليم" غضباً واسعاً بين الأوساط النسائية. كما أنها أثارت تساؤلات واسعة، وعُدّت من قبل حقوقيات عودة إلى عقلية نظام البعث، فإذا كان الحديث عن الديمقراطية والمساواة جاداً، فيجب أن تتجسد هذه المبادئ في النظام التعليمي أولاً.

المرأة الكردية بين الإقصاء وتحديات الاندماج في مؤسسات الدولة

في حين تلجأ الحكومة الانتقالية إلى الغموض والإنكار لحجب مسؤوليتها عن خلق بيئة إقصائية للنساء في معظم أنحاء سوريا، تبدو نواياها تجاه المناطق الكردية أكثر وضوحاً وتعمّداً.

وتكتسب قضية وحدات حماية المرأة (YPJ) ثقلاً رمزياً خاصاً في هذا السياق. لا يُنظر إلى استبعاد وحدات حماية المرأة من مسار الاندماج في الجيش بوصفه قراراً أمنياً بل كموقف سياسي مقصود يحدد سلفاً أي شكل من أشكال سلطة المرأة يمكن للدولة الجديدة أن تقبله، وأي شكل يجب إقصاؤه.

ويتعزز هذا الانطباع في ظل استمرار حضور فاعلين مرتبطين بالعنف الممنهج ضد القيادات النسائية الكردية، وفي مقدمتها قضية اغتيال الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف. فما تبع عملية الاغتيال من ترقية لمرتزقة مسؤولة عن جريمة الاغتيال، يُقرأ لدى الكثير من الناشطات ليس كمجرد إقصاء، بل كتكريس واضح لسياسة الإفلات من العقاب.

فإذا كان إغلاق المجال أمام مشاركة النساء في معظم المناطق السورية يتم تغليفه بخطاب عام وغموض يتيح للحكومة إنكاره، فإنه في المناطق الكردية يبدو واضحاً ومرئياً ومباشراً، لأن هناك مؤسسات قائمة وفاعلة للمرأة.

ويبقى السؤال المطروح اليوم، هل يمكن لحكومة انتقالية تدّعي تمثيل تطلعات جميع السوريين أن تنجز إصلاحاً حقيقياً بينما تغيّب نصف المجتمع عن طاولة القرار؟

(ي م)

ANHA