"سينبت الآلاف من زهرة وهبون والأم أمينة على الأرض التي رويت بدمائهن"

نظام أردوغان المشبع بالجرائم والاغتيالات لم يرق له ما حققته المرأة بنضالها ضد الذهنية الذكورية الشوفينية، ولكن هذه السياسيات لم تمنع المرأة من تحقيق طموحها، ففي الذكرى السنوية الأولى لمجزرة حلنج تؤكد ابنة الأم أمينة ويسي أنه "بدل المناضلات الثلاث سينبت الآلاف من زهرة وهبون والأم أمينة على هذه الأرض التي رويت بدمائهن".

لا تتمتع المرأة في تركيا بالحرية في ممارسة حقوقها المشروعة، فسجل الطاغي أردوغان منذ وصوله إلى سدة الحكم مليء بالممارسات التي يمكن وصفها بـ "الوحشية القذرة"، بحق المرأة، وعلى وجه الخصوص المرأة الكردية.

وتتعرض المرأة في تركيا وباكور كردستان بشكل شبه يومي إما للتهديد أو الخطف أو للاغتيال والقتل، ناهيك عن التحرش اللفظي، حيث قتلت 453 امرأة في تركيا العام الماضي حسب معطيات رسمية إلا أن "ما خفي أعظم" بحسب جمعيات حقوقية نسائية، وذلك أمام مرأى ومسمع من السلطات التركية والتي تكون على علاقة مباشرة بهذه الانتهاكات.

الهجوم الدامي على مقر حزب الشعوب الديمقراطية في 17 من حزيران/يونيو الجاري في مدينة أزمير التركية، والذي أسفر عن استشهاد دنيز بويراز العضوة في الحزب أثناء عملها، وبنفس الوحشية وعلى أيدي المرتزقة أنفسهم الذين اغتالوا الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل، هفرين خلف، في 12تشرين الأول/أكتوبر 2019، يفضح ذهنية أردوغان تجاه المرأة التي ترفع رأسها أمام الظلم والاضطهاد والعبودية.

هذه الانتهاكات تأتي تأكيدًا على إعلان زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان الانسحاب من اتفاقية اسطنبول في الأول من تموز/يوليو الشهر المقبل، فيما أثيرت هذه الخطوة احتجاجات واسعة على مستوى البلاد. 

وأبرمت اتفاقية اسطنبول عام 2011، وهي معاهدة وضعها مجلس أوروبا غير المرتبط بالاتحاد الأوروبي، وتهدف إلى إنشاء إطار قانوني لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي.

'مجزرة حلنج'

ويوجه أردوغان مرتزقته لتحقيق أجنداته في خارج تركيا أيضًا، حيث تتعرض المرأة في المناطق التي احتلتها تركيا في مناطق شمال وشرق سوريا للقتل والتعذيب والخطف والاغتصاب والزواج القسري للمرتزقة.

وللمرأة حضور لافت في الحياة السياسية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، فيما شكل هذا الحضور قلقًا لدى أردوغان وحاشيته ذوي الذهنية الذكورية السلطوية من جر البساط من تحت قدميه، وكسر القيود الذي فرضها على النساء في تركيا.

ومرارًا وتكرارًا سعت تركيا إلى ضرب وكسر إرادة المرأة المقاومة في شمال وشرق سوريا، ففي 23 حزيران/يونيو 2020 استهدفت طائرة مُسيّرة منزلًا لأحد المدنيين في قرية حلنج جنوب شرق مدينة كوباني، مما أدى إلى استشهاد عضوتي من منسقية مؤتمر ستار في إقليم الفرات، وصاحبة المنزل الأم أمينة.

من هن الشهيدات الثلاث؟

مع انطلاق شرارة ثورة 19 تموز التي بدأت في كوباني ووصلت ذروتها فيما بعد إلى جميع مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا، جاهدت الشهيدتان في مؤتمر ستار، لإعطاء صورة للمرأة الحرة والعادلة، وبذلتا جهدًا مضنيًا في خدمة القضية الكردية وحصول المرأة على حقوقها، فيما تميزت الأم أمينة بشخصيتها الوطنية، فمن هن الشهيدات الثلاث:

كبرت الشهيدة زهرة بركل (33 عامًا) من مواليد مدينة كوباني، في كنف أسرة وطنية تؤمن بالقضية الكردية، مؤلفة من 4 أخوة و5 أخوات، وهي طالبة السنة الثانية في كلية الحقوق في جامعة حلب، ومع اندلاع الثورة تركت دراستها وانضمت إلى ثورة روج آفا.

في عام 2013 عملت في رابطة المرأة، فيما بعد عملت في منظمة سارا للعنف ضد المرأة، ثم تطوعت في الهلال الأحمر الكردي. بعد ذلك شغلت منصب الرئاسة المشتركة لديوان مجلس الشعب في مدينة كوباني، ثم عملت كرئيسة مشتركة لبلديات الشعب عام 2017، بعدها عملت في الرئاسة المشتركة لهيئة العدل وأعطت صورة للمرأة الحرة والعادلة في الهيئة.

وبعد عقد الكونفرانس السنوي الثامن لمؤتمر ستار عام 2018 انتُخبت زهرة بركل كعضوة منسقية على مستوى إقليم الفرات، وعملت في المناطق العربية في عين عيسى وكري سبي وصرين على رفع مستوى فكر النساء وأيديولوجيتهن وتحررهن من الفكر السلطوي، وبذلت جهدًا في سبيل حرية المرأة.

والشهيدة هبون ملا خليل (39عامًا) اسمها الحقيقي بديعة، ولدت في قرية بندر الواقعة غرب مدينة كوباني في أسرة مؤلفة من 9 أخوة و12 أخوات، وترعرعت في كنف أسرة وطنية مناضلة.

درست هبون في مدرسة قرية بندر حتى الصف الثامن، وبسبب الوضع المعيشي للأسرة تخلت عن دراستها وعملت في الزراعة، وفي عام 1999 بدأت بنضالها من أجل المرأة والقائد عبدالله أوجلان متأثرة بالمؤامرة الدولية التي حيكت ضده في العاصمة الكينية نيروبي بعد ملاحقته لأشهر وسط صمت الدولي.

وعقب الهجوم الذي شنه داعش على مدنية كوباني في الـ 15 من أيلول/ سبتمبر 2014 انضمت هبون إلى صفوف وحدات حماية المرأة، وأخذت مكانها في الخنادق الأمامية لمواجهة المرتزقة، قاتلت وقاومت إلى جانب رفيقاتها وسطرن ملاحم بطولية وكسرن شوكة داعش وأعوانه في مدينة المقاومة (كوباني)، وعملت فيما بعد كعضوة لمنسقية مؤتمر ستار آملة في تحقيق العدالة للمرأة وتخليصها من الذهنية السلطوية.

وتميزت الأم أمينة ويسي (55 عامًا) من قرية حلنج شرق مدينة كوباني، أم لـ 5 أفراد، أبنتان و3 شباب، بشخصيتها الوطنية، ووضعت كل طاقاتها في خدمة القضية الكردية وحصول المرأة على حقوقها.

وعملت الأم أمينة في تنظيم المرأة والمجتمع التي كانت تسمى سابقًا (بالجبهة) مع عدد من رفيقاتها بشكل سري خوفًا من ضغط حكومة دمشق عليهن آنذاك، حيث كانت تعقد اجتماعات شهرية في تلك الأثناء لنساء القرية، وفتحت باب منزلها للجميع، وكانت الحاضنة الأساسية لحل مشاكل الشعب والمرأة في القرية.

ربّت الأم أمينة أطفالها على حب فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان وتطبيقها في حياتهم، والعمل من أجل حرية المرأة، لتترك لهم ميراثًا من الوطنية وحب الوطن والدفاع عنه.

ابنة الشهيدة "أمينة ويسي" والناطقة باسم منسقية مؤتمر ستار في إقليم الفرات، مزكين خليل، وفي الذكرى السنوية الأولى لمجزرة حلنج، وجهت إلى أردوغان وحكومته رسالة قالت فيها: "بدل هؤلاء المناضلات سينبت الآلاف من زهرة وهبون والأم أمينة على هذه الأرض التي رويت بدمائهن".

وعاهدت مزكين بالسير على خُطا الشهداء حتى تحقيق المساواة ونيل المرأة لحقوقها التي تطمح إليها، مشددة على ضرورة رفع العزم لتحقيق أحلام الشهيدات الثلاث، وذلك بتنظيم كافة النساء وتشكيل مجتمع منظم تنال فيه المرأة كافة حقوقها منظمة وحرة.

وفي الـ 25 حزيران 2020 شُيّعت جثامين الشهيدات الثلاث في مزار "الشهيدة دجلة" جنوب مدينة كوباني بمراسم مهيبة شارك فيها الآلاف من أهالي المقاطعة.

'23 حزيران.. يوم مكافحة الجرائم ضد الهويات السياسية للمرأة'

وإحياءً للسنوية الأولى لمجزرة حلنج الواقعة شرق مدينة كوباني، أعلنت منسقية مؤتمر ستار خلال بيان كتابي، يوم 23 حزيران/يونيو بـ "مكافحة الجرائم ضد الهويات السياسية للمرأة"، حيث من المزمع تنظيم أنشطة مختلفة في شمال وشرق سوريا عامة.

(آ د)

ANHA


إقرأ أيضاً