6 أعوام جعلت الإدارة الذّاتيّة بديلاً للدولة القومية وحلاً للأزمة السورية

شكّلت الإدارة الذّاتيّة لإقليم الجزيرة اللّبنة الأساسيّة للإدارة الذّاتيّة في شمال وشرق سوريّا، وخلال ستة أعوام من العمل المتواصل، جعلت المنطقة رقماً صعباً في المعادلة السّياسيّة والعسكريّة السّوريّة، وجذبت أنظار العالم إلى نظام بديل عن نظام الدّولة القوميّة، عبر نظام لا مركزيّ، وحلاً للأزمة السورية.

مع بداية الأزمة السّوريّة وانحراف الحراك السّوريّ عن مساره، وارتهانها إلى الدول الخارجيّة، وفي خضم تصارع النّظام السّوريّ مع ما تُسمّى بالمعارضة السّوريّة على سدّة الحكم، اختار أبناء شمال وشرق سوريا مساراً مختلفاً، سمّوه بنهج الخطّ الثّالث، بعيداً عن السّياسات الخارجيّة عبر مشروع الإدارة الذّاتيّة الدّيمقراطيّة.

وأُعلن عن ولادة أول إدارة ذاتيّة في الـ21 من كانون الثاني 2014 في مقاطعة الجزيرة في روج آفا، على شكل مجلسين تنفيذيّ وتشريعيّ، يضمّ شخصيّات سياسيّة ومدنيّة وعشائريّة، بتوافق جميع مكوّنات المنطقة من "كرد، عرب، سريان، وشيشان"، بمختلف دياناتهم" من مسلمين وسيحيّين وايزيديّين"، وأحزاب سياسيّة ومؤسّسات المجتمع المدنيّ، سُمّيت وقتها بالإدارة الذّاتيّة في مقاطعة الجزيرة، لتتحوّل فيما بعد إلى الإدارة الذّاتيّة في إقليم الجزيرة بعد تأسيس الإدارة الذّاتيةّ لشمال وشرق سوريا.

وبرهنت الإدارة الذاتيّة لإقليم الجزيرة بعد 6 أعوام من تشكّلها، للسّوريين على الصّعيد الدّاخليّ، ولدول الجوار على الصّعيد الإقليميّ، وللعالم على الصّعيد الخارجيّ، قدرة الشّعب على إدارة نفسه بنفسه، دون الاعتماد على المركزية في حكم المنطقة، وكيفيّة تشكيل مشروع إدارة لا مركزيّة بعيدة عن الدّولة المركزيّة القوميّة.

على الصّعيد الدّاخليّ

الإدارة الذّاتيّة لإقليم الجزيرة شكّلت هيكليتها المؤسساتيّة لسنّ القوانين والأنظمة، وأخرى تنفيذيّة لتطبيق القرارات والقوانين، من خلال  "المجلس التّشريعيّ، والمجلس التّنفيذيّ، المجلس القضائيّ، المفوضيّة العليا للانتخابات، المحكمة الدّستورية العليا، المجالس المحلّية " استناد إلى عقد اجتماعيّ يعترف بحقوق الأفراد والجماعات وفق المواثيق والأعراف الدّوليّة، إلى جانب نظام داخليّ يضمن تمثيل كافّة المكوّنات، إلى جانب التّمثيل العادل للمرأة في جميع مؤسّسات الإدارة الذّاتيّة.

ويعتبر المجلس التّشريعيّ في الإدارة الذّاتية لإقليم الجزيرة أعلى هيئة تشريعيّة ورقابيّة، يُنتخب أعضاؤها من قبل الشّعب عن طريق انتخابات حرّة وديمقراطيّة، يقوم برسم السّياسة العامّة وفق نهج الإدارة الذّاتية الدّيمقراطيّة، وسنّ القوانين وفق ميثاق العقد الاجتماعيّ.

أمّا المجلس التنفيذيّ في إقليم الجزير فيعتبر الجهاز الإداريّ والتّنفيذيّ الأعلى في المقاطعة، وهو مسؤول أمام المجلس التّشريعيّ في نطاق عمله، ويقوم بتنفيذ القوانين والقرارات والمراسيم الصّادرة عن المجلس التّشريعيّ والمؤسّسات العدليّة، عبر هيئات متخصّصة تابعة له، كما يقوم بتنسيق العمل بين مؤسّسات الإدارة الذّاتية.

وشكّلت الإدارة الذاتيّة عبر مجالسها وهيئاتها، هيكليّة إداريّة متكاملة على جميع الصّعد، السياسيّة والأمنيّة، والاقتصاديّة وقطاعات الصّحة والتّربية والتّعليم والإدارة المحلّية، لتكون ضماناً لإدارة شؤون سكّان المنطقة، وتأمين الأمن والاستقرار.

تمثّل الإدارة الذّاتيّة في إقليم الجزيرة اليوم بعد 6 أعوام من تأسيسها مقاطعتي "قامشلو، والحسكة"، و مكوّنة  من كافّة مكوّنات المجتمع ومن دون استثناء، فضمّت أطياف سياسيّة وقوميّة ودينيّة ومذهبيّة وثقافيّة. كما شكّلت تجربة وخبرة متراكمة لتأسيس العديد من الإدارات المحلّية في مناطق شمال وشرق سوريّا مثل "منبج، الطّبقة، الرّقة، دير الزور"، وأصبحت اللّبنة الأساسيّة لبناء الإدارة الذّاتيّة لشمال وشرق سوريا والّتي تأسّست في 6 أيلول عام 2018 وتضمّ 7 مناطق إداريّة.

وتمكّنت الإدارة الذّاتيّة في إقليم الجزيرة خلال 6 أعوام من تأسيسها من سنّ 105 قانون في مسعى لتنظيم المجتمع، منها ما يتعلّق "بالدّفاع، والمرأة، والبيئة، والحياة الاجتماعيّة"، وانتخاب مسؤولي مكاتبها التّنفيذيّة، إلى جانب التّرخيص لـ35 حزباً وكتلة سياسيّة في المنطقة، وتحوّلت قوانينها إلى نقطة ارتكاز لإدارات الإدارة الذّاتيّة لشمال وشرق سوريا، نسبة لتجربتها الطّويلة، وتقديمها للخبرة والمشورة لباقي الإدارات.

أصبحت الإدارة الذّاتيّة في إقليم الجزيرة نقطة ارتكاز في الهيكلية والقوانين، مع تشكل الإدارة الذّاتيّة لشمال وشرق سوريا، والتي من مهامها تنسيق الأعمال بين الإدارات السّبعة، وتوحيد القرارات والقوانين، وتسهيل خدمة المنطقة، وذلك نسبة لتوسّع المناطق المحرّرة مؤخّراً في شمال وشرق سوريا، وبعد تشكل 7 إدارات مختلفة في مناطق مختلفة من الجغرافية السّوريّة.

على الصّعيد الخارجيّ

حقّقت تجربة الإدارة الذاتيّة لإقليم الجزيرة خطوة نوعية على الصّعيد الخارجيّ، حيثُ جذبت أنظار مختلف دول العالم، واستقطبت العديد من الوفود العربيّة والأجنبيّة للتعرّف على التّجربة حديثة الولادة. ويظهر الأمر جليّاً من خلال نسبة افتتاح العديد من الممثّليات الرّسمية لها في بعض الدّول الغربيّة، لتتحوّل بعدها إلى ممثّليات للإدارة الذّاتيّة لشمال وشرق سوريا.

كما وتمكّنت من الانفتاح على العالم الخارجيّ، من خلال بطولاتها وانتصاراتها في محاربة مرتزقة داعش في المنطقة، إلى جانب كونها أوّل خطوة لكسب الأصدقاء الغربيّين، كما وكانت السبّاقة في تشكيل قناعة للمجتمع الدّوليّ أنّ الإدارة الذاتيّة المشروع الوحيد الّذي طُرح لحلّ الأزمة السوريّة في ظلّ الظّروف المعقّدة الّتي تمرّ بها سوريا.

مسيرة شائكة

لم تخلُ مسيرة الإدارة الذّاتية لإقليم الجزيرة من الصّعوبات والمعوّقات. وفي هذا السّياق قال الرّئيس المشترك للمجلس التشريعيّ في إقليم الجزيرة حسين عزّام: "كان هناك صعوبات داخليّة وخارجيّة واجهت الإدارة الذاتيّة، أوّلها التشويه الإعلاميّ حيال مشروع الإدارة الذاتيّة، ومعارضة بعض الأطراف السوريّة المرتهنة للخارج لمشروع الإدارة الذاتيّة في محاولة منها لسدّ الطّريق أمام حلّ الأزمة السوريّة".

وأضاف عزّام: "وكذلك الهجمات العسكريّة التي شُنّت على المنطقة والّتي تعدّدت مسمّياتها، من جبهة النّصرة وصولاً الى داعش ثمّ مرتزقة تركيّا اليوم، إلى جانب الحصار الجغرافيّ ولا سيّما إغلاق المعابر، كما وشكّل تزايد أعداد النازحين والمهجّرين من المناطق الأخرى إلى مناطق الإدارة الذّاتيّة، ولا سيّما ما حدث مؤخّراً تهجير قسريّ لأهالي كري سبي وسري كانيه، صعوبة أكبر على الصّعيد الخدميّ في المنطقة".  

تحدّيات مصيريّة وإصرار على مواصلة النّضال

إلى جانب المسيرة الشّائكة للإدارة الذّاتيّة منذ تأسيسها وحتّى الآن، فإنّها في الوقت الرّاهن تواجه تحدّيات مصيريّة، تفرض على شعوب المنطقة تعزيز تكاتفها والتّفافها حول هذه الإدارة.

فمن جهة تواصل دولة الاحتلال التّركيّ مساعيها الرّامية إلى تقويض الإدارة الذّاتية عبر الاحتلال المباشر كما حدث في عفرين وسريه كانيه وكري سبي، واستمرار هذه المساعي. ومن جهة أخرى لا يزال النّظام متمسّكاً بالذهنيّة القديمة القائمة على الحزب الواحد والدّولة المركزيّة، ويحاول بشتّى الوسائل تقويض مشروع الإدارة الذاتيّة.

كما أنّ موقف ما تسمّى بالمعارضة السّوريّة لا يقلّ رجعيّة عن موقف النّظام لجهة عدم قبول فكرة أن تدير شعوب المنطقة نفسها بنفسها.

وفي ظلّ كلّ هذه التّحدّيات تؤكّد شعوب المنطقة عزمها وإصرارها على حماية هذا المُكتسب الّذي تحقّق بدماء آلاف الشّهداء وعبر نضال مرير ومتواصل منذ 6 أعوام.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً