آب 2014 الإبادة الـ74 بحق الإيزيديين ونقطة استخلاص العبر

 يصادف 3 أب، الذكرى السنوية الـ 6 لمجزرة القرن التي ارتكبها مرتزقة داعش وداعميهم بحق الإيزيدين في شنكال عام 2014، المجزرة الـ74 في تاريخ المجتمع الإيزيدي، ونقطة التحول واستخلاص العبر.

تعد المجزرة التي ارتكبت بحق الإيزيديين في شنكال عام 2014 ثاني أكبر المجازر خلال المئة عام الماضية، بعد مذبحة "سربرنيتشا" في البوسنة والهرسك التي ارتكبت على يد الصربيين بحق البوسنيين في البوسنة والهرسك تموز 1995، والتي راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف شخصًا من مسلمي البوسنة خلال 3 أيام.

تعرض المجتمع الإيزيدي لـ74 من المجازر والإبادات الجماعية، والتي عُرفت بين الإيزيديين بـ"الفرمانات" على مدى تاريخهم الطويل، إلا أن أكثرها وحشية بدأت منذ عام 1570 وصولًا إلى يومنا الراهن، وآخرها ما يتعرض له الإيزيديون في شنكال على يد تركية، فيما يسعى الإيزيدون إلى الحد من هذه السيناريوهات.

فرمانات العثمانيين هدفت إلى محو ثقافة الكرد الإيزيديين

على مر التاريخ إبادات جماعية ومجازر ارتكبت بحق الإيزيدين على أرضهم، أوحشها على يد العثمانيين: كـ "فرمان السلطان العثماني سليمان خان القانوني عام1570، وفرمان علي باشا جا نيولاد عام 1607، وفرمان أحمد باشا في آمد "ديار بكر عام 1630، وفرمان والي وآن شمسي باشا 1650، فرمان والي "آمد" ديار بكر مصطفى باشا فيراري عام 1655، فرمان كابلان باشا عام1674.

 وفرمان حسن باشا عام 1701، فرمان حسن باشا الجليلي والي موصل عام 1723، وفرمان والي الموصل محمد أمين باشا الجليلي عام 1766، فرمان والي موصل سليمان باشا الجليلي عام 1776، فرمان والي موصل عبد الباقي باشا الجليلي عام 1786، فرمان والي موصل محمد باشا الجليلي عام 1792، فرماني والي موصل محمد باشا الجليلي عام 1793.

فرمان والي بغداد سليمان باشا الكبير عام 1791، فرمان الوالي علي باشا عام 1803، فرمان قباد بك أمير بهدينان مع والي الموصل محمد باشا الجليلي عام 1805، فرمان الوالي نعمان باشا الجليلي عام 1807، فرمان والي موصل نعمان باشا الجليلي بن سليمان باشا الجليلي عام 1808.

فرمان قائمقام سنجار الحاج إبراهيم بك عام 1917، مجزرة خلف 2007، على مدى كل هذه الأعوام تعرض الشعب الإيزيدي للإبادة، آخرها كانت مجزرة القرن في شنكال آب 2014.

هاجم مرتزقة داعش مناطق شنكال انطلاقًا من القرى الجنوبية الشرقية لجبل شنكال، في محاولة منهم لمحاصرة القضاء، وبعد فشلها في ذلك، شنت في الـ3 من آب 2014، وفي تمام الساعة الـ3 فجرًا هجومها على القضاء، بدءًا من قرى "كرزرك، وكوجوا، وسيبا شيخ خضر، ورامبوسي، وتل بناد وتل القصاب".

شنكال هي قضاء ذو غالبية إيزيدية يقطنها أكثر من 400 ألف إيزيدي كردي، الى جانب بعض الأقليات من "الشبك، والتركمان، والعرب"، تقع في باشور "جنوب" كردستان ضمن المناطق المتنازع عليها بين الحكومة العراقية وحكومة باشور "جنوب" كردستان، غرب محافظة نينوى العراقية.

لم يكن قضاء شنكال خاليًا من القوات العسكرية، إذ كان ينتشر في أرجائه أكثر من 18 ألف مقاتل من قوات بيشمركة حكومة الإقليم التي يسيطر على أركانها حزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أن هذه القوات فرّت من نقاط تمركزها فجر اليوم ذاته، بأوامر من قيادة الديمقراطي الكردستاني ليبقى الشعب الإيزيدي الأعزل بمفرده وجهًا لوجه مع المرتزقة، حسب ما أشار إليه الرئيس المشترك للهيئة التنفيذية في مجلس الإدارة الذاتية لشنكال فراس حربو.

مراقبون وصفوا التخلي عن المنطقة بأوامر من قيادة الديمقراطي الكردستاني، وتزامنها مع اجتماعات عدة بين استخبارات الديمقراطي والدولة التركية الداعم الرئيس لداعش، بالتعاون السري بين الطرفين، للقضاء على الشعب الإيزيدي.

ولم تفلح جميع محاولات أبناء المنطقة في الدفاع عن القضاء، والوقوف في وجه المرتزقة، حيث انتهى الأمر بالمتطوعين بالتراجع، بعد نفاد الذخيرة، واستشهاد العشرات منهم، نتيجة الهمجية والقصف المكثف، والأعداد الكبيرة للعناصر التي أقحمتها المرتزقة في الهجوم.

عملية التخاذل الدولي وحكومة إقليم كردستان دفعت وعلى الفور، وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات الدفاع الشعبي "الكريلا" إلى التدخل، وردّ الاعتداء عن المنطقة، حيث استطاعت تأمين ممر آمن من جبال شنكال إلى روج آفا، وأنقذت حياة أكثر من 10 آلاف شخص، لتشارك فيما بعد في تحرير القضاء إلى جانب مقاتلي الكريلا.

وخلّف الهجوم مجزرة بحق٢٢١٣إيزيديًّا، ونزوح أكثر من ٣٩٠ ألف، انتشروا في باشور وروج آفاي كردستان، وتدمير 68 مزار ديني، واختطاف٦٤١٧ من الأطفال والنساء، حيث استُخدمت النساء كجواري لدى المرتزقة، والأطفال في عمليات دعائية، وقتالية في مناطق متفرقة في العراق وسورية، حسب مجلس الإدارة الذاتية لشنكال.

وقال المحققون التابعون للأمم المتحدة في تقرير صدر في 16 من كانون الأول عام 2016 "إن تنظيم داعش سعى إلى تدمير الجماعة الدينية الإيزيدية التي تضم 400 ألف شخص، من خلال القتل والاستعباد الجنسي وجرائم أخرى"، وأشاروا إلى أن الإبادة الجماعية للإيزيديين مستمرة.

ودعت الأمم المتحدة في التقرير نفسه، الأسرة الدولية إلى التحرك لإنقاذ آلاف الإيزيديين بينهم نساء، من قبضة داعش في كل من سوريا والعراق، وأقرت بأن داعش ارتكب إبادة جماعية ضد الجماعة الدينية.

وسارع أبناء المنطقة إلى الانخراط في الكفاح المسلح، فنظموا أنفسهم في فصائل، لتكون بداية تشكيل وحدات حماية شنكال في الـ4 من آب من العام نفسه لمساندة قوات الدفاع الشعبي ووحدات حماية الشعب والمرأة في الدفاع عن ما تبقى من أرض شنكال، وتحرير القضاء من مرتزقة داعش، ونتيجة التضحيات الكبيرة التي قدمتها القوات المشاركة في القتال، تم الإعلان عن تحرير كامل قضاء شنكال في ال 13 من تشرين الثاني 2015 بعد مقاومة ومعارك استمرت 14 شهر.

ما واجهه الإيزيدون في هذا اليوم، كان المجزرة الـ74، من محاولات الإبادة، إلا أن ما يثير الاهتمام هو أن الأخيرة أيقظت في الإيزيدين ما كان قد غُيّب عن أذهانهم طوال العصور الماضية، بعد كل مجزرة، ودفع الإيزيدين إلى التيقن من أنه من الضروري تنظيم أنفسهم، والعمل على الدفاع عن أنفسهم بأنفسهم ضمن تنظيم إداري وعسكري.

الرئيس المشترك للهيئة التنفيذية في مجلس الإدارة الذاتية لشنكال فراس حربو، يقول " عدم إبادة الإيزيدين عام 2014، استند إلى نقطتين أساسيتين، أولًا بدء الوقوف في وجه الهجوم البربري، وصده وردعه، وثانيًا عملية البدء بتنظيم المجتمع الإيزيدي بالتزامن مع التحرير وردع الهجوم ".

القوات العسكرية "وحدات مقاومة شنكال ":

أُعلن في الـ4 من آب عام 2014 عن تشكيل قوات عسكرية أُطلق عليها اسم "وحدات مقاومة شنكال"، مهمتها جاءت في البداية بالدفاع عن المنطقة ضد مرتزقة داعش، ومساندة القوات المشاركة في تحرير القضاء، لتتوسع مهام هذه القوات لاحقًا بعد عملية التحرير، وليتحول إلى منظومة متكاملة الأطراف ضمن الجيش الوطني العراقي.

وتقوم اليوم، وحدات مقاومة شنكال بتنظيم نفسها كقوة عسكرية وطنية عراقية على الأراضي العراقية، ومن مهامها حسب نظامها الداخلي "الدفاع عن المجتمع الإيزيدي، وأرضه وقيمه وعقيدته ضد أي هجوم داخلي أو خارجي".

 وتعمل حسب نظامها على مبدأ حرية المرأة والمجتمع الديمقراطي، وتعتمد على المجتمع الأخلاقي- السياسي، والوحدة الوطنية الكردستانية، وكقوة عسكرية تقوم بواجبها الدفاعي، وتحترم كل عقيدة وثقافة ولغة وقومية، وتدافع عن التعايش المشترك بين الشعوب وترسخه".

وقد أدت خلال الأعوام الـ 6 الماضية دورًا مهمًّا في العمليات العسكرية ضد مرتزقة داعش، إلى جانب الجيش العراقي، وأمّنت الاستقرار في مناطق انتشارها، وحدّت من عودة داعش إلى المناطق المحررة، بالتنسيق مع الجيش العراقي في المنطقة.

 وساهمت في عودة أكثر من 170 ألف نازح ولاجئ إلى المنطقة، وتحرير أكثر من 3430 شخص من المخطوفين لدى داعش، وإعادتهم إلى ذويهم عبر مشاركتها وتنسيقها مع وحدات حماية الشعب والمرأة في روج آفا، خلال العمليات العسكرية التي أُطلقت في سوريا ضد داعش.

الإدارة الذاتية

وفي مسعى من الإيزيدين في شنكال إلى تدبر أمرهم وإدارة المنطقة بعد التحرير، أعلنوا في اليوم الذي تلا التحرير في الـ14 من تشرين الثاني 2015 عن تشكيل المجلس التأسيسي لإيزيدي شنكال، ليتطور لاحقًا إلى مجلس الإدارة الذاتية لشنكال.

وعن أهمية تشكيل المجلس، قالت الرئيسة المشتركة لمجلس الإدارة الذاتية لشنكال ريهام حجو لوكالة هاوار" بعد الفرمان الأخير، توصلنا إلى قناعة بأنه إن لم نقم بإدارة أنفسنا، وخدمة أنفسنا، وحماية أنفسنا، لن يخدمنا ويدافع عنا أحد آخر، نظرًا لما شهدناه من تخلي الجميع عنا خلال الهجوم الذي شُن على شنكال".

وأشارت إلى أنه محاولة ومسعى إلى الحد من عملية مماثلة من التخلي، وقالت: "جاء تشكيل هذا المجلس ليكون الرد على المجزرة، والإبادات الجماعية التي تعرض لها الشعب الإيزيدي، وللحد مما قد يتعرض له الإيزيدون في شنكال في المستقبل".

ويقوم المجلس اليوم، بتنظيم نفسه حسب كومينات، ولجان ضمن مجالس محلية منتشرة في شنكال، منها خدمية وأخرى اجتماعية وسياسية وعسكرية، تتبع جميعها إلى الهيئة التنفيذية لمجلس الإدارة الذاتية لشنكال، تعمل على خدمة المنطقة، وتتحرك حسب إرادة الشعب الإيزيدي في شنكال ومصالحه.

ويعمل اليوم، المجلس حسب نظامه الداخلي "على تأمين حياة حرة مستقلة للإيزيدين في شنكال، مبنية على أساس الحماية الجوهرية المشروعة، وأيضًا تؤمن حياة كريمة وترفض إعادة السلطة والعبودية على الإيزيديين، وإيصالهم إلى حياة ديمقراطية حرة".

تقول ريهام حجو " للمرة الأولى تمكن الشنكاليون من إدارة أنفسهم بأنفسهم، بعد أن كانت المنطقة تدار سابقًا من أطراف من خارج القضاء، هذه الإدارة اليوم، مكنت أهالي المنطقة من إدارة أنفسهم بأنفسهم، دون الاعتماد على أشخاص من الخارج"، وبيّنت أن الشعب في شنكال اليوم، ينظم نفسه بنفسه، ويقاوم في الوقت نفسه ضد الهجمات التي يتعرض".

وسهّل المجلس خلال 6 أعوام متتالية عودة أكثر من 173 ألف شخص ممن نزحوا من المنطقة، ووفّرت، أهم ما يحتاجه المجتمع الإيزيدي في شنكال، لممارسة حياته الطبيعية على أرضه، وبناء علاقات متزنة مع الجوار، وعبر التنسيق مع الحكومة العراقية المركزية.

حيث شهد منتصف حزيران المنصرم عودة تدريجية للأسر النازحة في مخيمات باشور كردستان، بعد أن انتهت عمليات العودة من مخيمات روج آفا، وبعد استقرار الوضع في المنطقة.

إن عملية إدارة الشعب الإيزيدي نفسه بنفسه عبر مجالس محلية ومؤسسات مدنية، واعتماده على منظومة عسكرية للدفاع عن المنطقة، ويقظته حيال ما قد يواجه الإيزيدين في شنكال في المستقبل من مخاطر، لم تتماشَ على ما يبدو مع مصالح بعض الأطراف المحلية في البلاد والدول الإقليمية المجاورة.

 إذ تتعرض شنكال بين فترة وأخرى للهجمات وعمليات الاستهداف العسكرية من قبل تركيا، تحت ذرائع تختلقها، أولها كانت في نيسان 2017، وأبرز عمليات الاستهداف تلك، كانت استهداف عضو منسقية المجتمع الإيزيدي مام زكي شنكالي في الـ 15 من اب 2018، وآخرها في ال 15 من حزيران العام الجاري، وراح ضحيته 6 من مقاتلي وحدات حماية شنكال.

كما وتعرضت شنكال للعديد من المحاولات لبسط حزب الديمقراطي الكردستاني سيطرته على القضاء، فشن الحزب عبر ما يسمون "بيشمركة روج"، وبعض الفصائل العسكرية التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني هجومًا على عدة نقاط لأسايش إيزيدخان ووحدات مقاومة شنكال في ناحية خانصور في الـ 3 من آذار عام 2017.

وعما تتعرض له المنطقة، بينت الرئيسة المشتركة لمجلس الإدارة الذاتية لشنكال ريهام حجو أن الإدارة الذاتية لشنكال تتعرض للعديد من الصعوبات والمعوقات، والهجمات من الأعداء الذين يعملون بشتى الوسائل لإفراغ مضمون التنظيم الذي حصل في شنكال، وإفشال مؤسساتها التي تشكلت، لتحقيق أطماعها في مقدمتها تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني والأطراف المرتبطة بهم.

ونوهت أن من المصاعب والمعوقات أيضًا، الألاعيب التي تحاك ضد المجتمع الإيزيدي في شنكال من الخارج، والتي لا تدخر أية جهود في إحباط المشروع المتبع في شنكال، عبر بعض الأشخاص ضعاف النفوس في المنطقة، وعبر الحرب الخاصة التي تهدف إلى تشويه صورة هذه المشروع، لتكون معوقًا أمام تطور المشروع في المنطقة، والنيل من المؤسسات والمكتسبات المتحققة.

وبناء على كل ما تم سرده يجب على الإيزديين الالتفاف حول الديانة الإيزدية والابتعاد عن الأطراف التي تحاول تفكيك ما وصل إليه المجتمع الايزيدي، بفضل التضحيات التي قدمها هذا الشعب عبر مثقفيه، وسياسيه، والدعوة إلى توحيد الرؤية، والوصول إلى نقطة مشتركة، لإجبار الحكومة العراقية على الاعتراف بهذه الإبادة التي لحقت بهم، وللحد مما يتعرض له القضاء من هجمات مختلفة من قبل الأطراف الداخلية والإقليمية، وانتزاع الاعتراف بقضاء شنكال كمحافظة لا مركزية مرتبطة بالحكومة الاتحادية في بغداد.

ANHA


إقرأ أيضاً