عائدات المنافذ الحدودية في الإقليم تسد حاجة موظفي العراق.. لكن إلى أين تذهب الأموال؟

سردم سلو

أثار تمرير قانون الاقتراض الذي صادق عليه مجلس النواب العراقي في الثاني عشر من تشرين الثاني من العام الجاري، والذي اشترطت فيه بغداد تسليم واردات 480 ألف برميل يومياً إلى الحكومة الاتحادية استياءً لدى حكومة إقليم كردستان، وخاصة الحزبين الحاكمين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني.

قبل الحديث عن أسباب الخلافات بين حكومتي بغداد وهولير، علينا أن نتعرف على الديون الخارجية والداخلية للعراق، حيث كشف عضو اللجنة المالية النيابية للعراق عبد الهادي السعداوي الشهر الحالي حجم الديون الداخلية والخارجية للعراق، وأكّد أن الديون تتجاوز الـ 160 مليار دولار، وحذّر من أن استمرار الدولة بالاقتراض الخارجي والداخلي سيؤدي إلى إعلان إفلاس البلاد بشكل كامل.

وبما أن الإقليم غير ملتزم بالاتفاقيات المبرمة بينه وبين بغداد، أجبرت الأخيرة على اتخاذ هذه الخطوة "الاقتراض" لإنقاذ البلاد من الإفلاس، وخاصة في ظل الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي، الذي وعد المتظاهرين منذ تولي السلطة في العراق هذا العام، بإجراء إصلاحات وتأمين فرص العمل أمام الفئة الشابة وخاصة حاملي الشهادات، لذا فكان لا بد للبرلمان العراقي من اتخاذ هذه الخطوة، وإنقاذ البلاد، ورغم رفض الكتل الكردية في البرلمان، فقد أقرّ مجلس النواب العراقي مشروع قانون الديون العراقي يوم الثاني عشر من تشرين الثاني الجاري، ووفق هذا القانون، لن ترسل بغداد حصة الإقليم من الموازنة العامة؛ حتى يقوم الإقليم بتسليم النفط للعراق.

اتهامات متبادلة بين بغداد وهولير

تتهم بغداد حكومة إقليم كردستان بعدم الشفافية في سجلات الموظفين العاملين في الدوائر الحكومية، وأن أرقام الموظفين في الإقليم غير واضحة وهناك أكثر من 500 ألف موظف فضائي، حسب ما يتم الحديث عنه في الأوساط العراقية.

واتهم عضو اللجنة المالية النيابية، عبد الهادي السعداوي، الأسبوع الجاري، حكومة إقليم كردستان بالمماطلة في تطبيق جميع الاتفاقات التي عقدتها مع بغداد، مبيناً أنها ترفض دخول اللجان الحكومية للسيطرة على الإيرادات النفطية وغير النفطية.

مضيفاً أن حكومة كردستان لم تلتزم بتطبيق أي اتفاق عقدته مع بغداد، إلا أنها بالمقابل تطالب بدفع رواتب الموظفين، وسد الديون التي في ذمتها للشركات النفطية، لافتاً إلى أن "الإقليم مديون لبغداد بمبالغ مالية طائلة".

وأشار عضو اللجنة المالية النيابية، عبد الهادي السعداوي إلى أن الإقليم يرفض دخول الحكومة الاتحادية للسيطرة على الإيرادات النفطية وغير النفطية، ويماطل في تسليم ملف وبيانات موظفيه لبغداد، مبيناً أن "هناك 600 ألف موظفٍ في الإقليم مسجل لدى وزارة المالية الاتحادية، بينما يدعي الإقليم أن أعداد موظفيه أكثر من مليون شخص.

وقررت حكومة إقليم كردستان في الشهر الجاري، ووفقاً للتقرير الذي أعدته اللجنة المالية والاقتصاد، أنه يوجد في إقليم كردستان 106 آلاف و839 شخصاً يتقاضون أكثر من راتب واحد، ويعمل معظمهم بشكل قانوني، وقررت الحكومة قطع رواتبهم في الأشهر القادمة.

كما تتهم حكومة بغداد الإقليم بأنه يتصرف بالنفط ويبيعه دون علم بغداد، وخاصة فيما يتعلق بالاتفاقية النفطية التي أبرمها الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK مع الدولة التركية لمدة خمسين عاماً، ما حدا بمجلس النواب العراقي إلى المطالبة بتوضيح الاتفاقية المبرمة بين تركيا والديمقراطي الكردستاني.

إلى جانب ذلك، يدعو نواب البرلمان العراقي وزارة النفط الاتحادية، ولجنة النفط والطاقة في مجلس النواب، وهيئة النزاهة إلى فتح تحقيق حول العقود المبرمة بين شركة (كار) وحكومة إقليم كردستان لاستثمار وإدارة حقل خورمالة النفطي، الذي ينتج ٣٥ بالمئة من نفط الإقليم، وينتج يومياً 170  ألف برميلاً، وحتى الآن لا توجد أية معلومات حول العقد المبرم بين الحكومة والشركة.

بالإضافة للملفات النفطية، تصر بغداد على تسليم حكومة إقليم كردستان 50% من إيرادات المنافذ الحدودية التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني، وخاصة إيرادات معبر إبراهيم الخليل مع تركيا، حيث تصل إيراداته إلى أكثر من خمسة مليارات دولار سنوياً وهذه المبلغ كافٍ لسد رواتب موظفي العراق، حسب خبراء اقتصاديين.

وحذّر النواب الكرد في البرلمان العراقي عدة مرات حكومة إقليم كردستان، قبل المصادقة على قانون تمويل العجز المالي من مواجهة الإقليم لمشكلة كبيرة في الموازنة المالية المقبلة، في حال لم يلتزم بإرسال الكمية المطلوبة من النفط والواردات إلى بغداد.

ونصت الاتفاقيات التي توصلت إليها بغداد وهولير في الفترة الأخيرة على تسليم 250 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى50 في المئة من واردات المنافذ مقابل حصة الإقليم المحددة في الموازنة التي حدّدت بـ 12.67، وهذا ما جرى الاتفاق عليه، في موازنة 2021، لكن حكومة إقليم كردستان لم تلتزم حتى الآن بهذه الاتفاقيات التي توصل إليها الطرفان خلال الحوارات التفاوضية بينهما.

الديون المتراكمة على الإقليم

قال مسرور البارزاني خلال كلمته في جلسة برلمان إقليم كردستان في الخامس من تشرين الأول من العام الجاري، إن ديون حكومة إقليم كردستان تبلغ 28 مليار و475 ألف دولار.

حكومة إقليم كردستان مديونة لموظفيها بأموال تبلغ قيمتها عشرين تريليون دينار عراقي، ما يثير التساؤل عما إذا كانت لدى الحكومة خطط لسداد هذه الديون؟ أم أن الموظفين سيصبحون ضحية الأزمة إلى الأبد، وسيتم تناسي قيمة رواتبهم المستقطعة؟ وكانت حكومة إقليم كردستان قد وزعت على موظفيها رواتب خمسة أشهر من أصل الأشهر العشرة الماضية من هذا العام، أي أن الحكومة مديونة للموظفين برواتب خمسة أشهر، وتبلغ قيمتها نحو 4 تريليون و475 مليار دينار عراقي، كما أنها لم تدفع رواتب أربعة أشهر من عام 2015 وراتب شهر واحد من 2016، وهو الآخر يبلغ قيمته أربعة تريليون و475 مليون دينار.

إلى ذلك، وبموجب قانون ادّخار الرواتب الذي فرضته الحكومة على الموظفين في الأعوام الثلاثة (2016-2017-2018) وقسم من عام 2019، استقطعت الحكومة رواتب الموظفين بنسبة ما بين 25-70%، والتي بلغت أيضاً نحو 11.5 تريليون دينار، وبذلك تصبح مجموع الديون المتراكمة على الحكومة من المبالغ المستقطعة من رواتب الموظفين 20.5 تريليون دينار عراقي.

لكن، يتساءل موظفو إقليم كردستان، كيف ستتمكن الحكومة من إيفاء هذه الديون وإعادتها للموظفين الذين أصبحوا ضحية الأزمة، كما أن هذه الديون المتراكمة على الحكومة أدت إلى ازدياد نسبة البطالة، وخاصة بين فئة الشباب بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وفتح باب الهجرة أمام الفئة الشابة، وقد هاجر حوالي عشرين ألف شخص هذا العام إلى الدول الأوربية، بحسب ما كشفته منظمة القمة المعنية بشؤون اللاجئين العراقيين.

وشهدت عدة مناطق من إقليم كردستان هذا العام مظاهرات واعتصامات بين الحين والآخر، للمطالبة بالخدمات العامة والتوظيف وصرف الرواتب، حتى وصلت إلى مرحلة إضراب موظفي الحكومة وخاصة المعلمين، والكوادر الطبية في المشافي الحكومية وأفراد أسايش المرور، لكن الحكومة لم تستجب لأي مطلب من هذه المطالب حتى الآن، ولم تنفذّ أي إصلاح من شأنه تحسين الواقع المعيشي في إقليم كردستان.

إيرادات المعابر تكفي لسد حاجة موظفي العراق، لكن إلى أين تذهب هذه الأموال؟

يربط العراق 24 منفذاً حدودياً برياً وبحرياً مع الدول الست المجاورة له (الكويت والسعودية والأردن وسوريا وتركيا وإيران) ولها إيرادات كبيرة يغلب عليها عدم الشفافية، وتعتبر المنافذ الحدودية في الإقليم القلب الاقتصادي النابض للإقليم والعراق بشكلٍ عام، بعد النفط والغاز والموارد الطبيعية.

ولا تعلم بغداد أي شيء عن واردات المعابر الموجودة في إقليم كردستان ولا إلى أين تذهب، حيث يوجد في إقليم كردستان سبعة معابر رسمية، إضافة إلى مطاري هولير والسليمانية اللذين يدرّانِ المليارات سنوياً دون أن تخضع للإجراءات القانونية والرقابة من قبل الحكومة الاتحادية، وهي على الشكل التالي:

أربعة منافذ رسمية وثلاثة لا تعترف بها بغداد، وهي على الشكل التالي: أربعة منافذ مع إيران وهي حج عمران في هولير ويصل حجم إيراداته سنويا 800 مليون دولار، أما منفذ باشماخ فتصل إيراداته إلى 200 مليون دولار سنوياً، ومعبر بيرويزخان يدرّ 300 مليون دولار سنوياً، كما أن معبر كرمك تفوق إيراداته الـ 12 مليون دولار.

أما المنافذ الحدودية الموجودة في إقليم كردستان مع تركيا، فهي معبر إبراهيم الخليل في دهوك الذي يعد من أكبر المنافذ الحدودية بين تركيا والعراق، ومنفذ سرزيري، ويقدر حجم التبادل التجاري فيهما بأكثر من خمسة مليارات دولار، أي 6 تريليون دينار عراقي، ما يعادل التكلفة المالية التي تسد حاجة جميع موظفي العراق.

كما استحدث الإقليم أكثر من عشرين منفذاً غير رسمي يتم من خلالها جني جبايات ورسوم جمركية، وتدخل عبرها سيارات المواشي والبضائع وحتى الممنوع والمحظور.

وجميع هذه المعابر تتوجه إلى باقي المحافظات العراقية عبر ثلاثة عشر طريقاً برياً.

تتجاوز قيمة ثروات المنافذ والبترول الـ 22 مليار دولار، حيث أن المنافذ وحدها تتجاوز إيراداتها حاجز الـ 10 مليارات دولار، ويضاف لها 600 ألف برميل نفط يومياً، وإذا ما احتُسب سيصل المبلغ السنوي الكلي إلى ثمانية مليارات دولار و640 مليون دولار.

هذه الثروات تتوزع بين الحزبين الحاكمين في الإقليم، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK والاتحاد الوطني الكردستاني YNK، بحسابات مالية لا تعلم بها بغداد، وهي التي تخصص سنوياً من موازنتها الاتحادية وترسلها إلى الإقليم لتدفع رواتب حوالي مليون إلى نصف مليون موظف في الإقليم.

ومنذ سقوط النظام البعثي في عام 2003 لم يتمكن أحد من مسؤولي السلطات الاتحادية، من زيارة المنافذ الحدودية في الإقليم أو إرسال موظفي الرقابة والتفتيش للتدقيق في سجلات الواردات والصادرات؛ لعدم سماح سلطات الإقليم بذلك، إلا بموافقة حكومة الإقليم والحزب الديمقراطي الكردستاني PDK حصراً.

ويرى مراقبون أن الإقليم يمارس عزلته بنفطه وموارده ومنافذه، ولا يتذكر بغداد إلا بطلب الموازنة المالية كل عام والمناصب الحكومية والرئاسية، وفي ضوء ذلك تبقى الخلافات مستمرة بين بغداد وهولير.

(آ س)