عام على تحرير الباغوز .. خطر داعش ما زال قائماً

مرّ عام على إعلان قوات سوريا الديمقراطية هزيمة داعش في آخر معاقله الباغوز بريف دير الزور، وبدأت منذ ذلك الحين بمرحلة جديدة لمكافحة داعش، ولكن المؤشرات الموجودة تشير إلى استمرار خطر داعش مع تواجد أكثر من 19 ألف من معتقلي داعش و19225 عائلة من عائلاتهم في المخيمات.

في 23 آذار/مارس من العام الماضي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية بالتعاون مع التحالف الدولي ضد داعش، انتصارها العسكري على داعش في آخر معاقله ببلدة الباغوز شمال وشرق سوريا, خلال مراسم عسكرية رسمية شارك فيها كبار قادة قسد ومسؤولون في التحالف الدولي, في حقل عمر النفطي شمال شرق مدينة دير الزور السورية.

وخلال تلك الاحتفالية قال القائد العام لقسد مظلوم عبدي: "نعلن للرأي العام العالمي عن بدء مرحلة جديدة في محاربة إرهابيي داعش, بهدف القضاء الكامل على الوجود العسكري السري لتنظيم داعش المتمثل في خلاياه النائمة، والتي لا تزال تشكل خطراً كبيراً على منطقتنا والعالم بأسره", وأضاف إن قسد تمكنت من تحرير خمسة ملايين شخص، و52 ألف كيلومتر مربع من الأراضي السورية خلال حربها ضد داعش.

وكان زعيم مرتزقة داعش أبو بكر البغدادي – قُتل في أواخر تشرين الأول 2019 بعملية مشتركة لقسد والتحالف في ريف إدلب حيث السيطرة التركية- كان قد استبق خسارته بدعوة مرتزقته في تسجيلات بثها في الأيام الأخيرة إلى "الثأر من الكرد في مناطق سيطرتهم وشن هجمات في الغرب ضد أعداء  ما سماها الخلافة".

ظهور داعش

يمتد تاريخ داعش في العراق إلى عام 2003، حيث قام أبو مصعب الزرقاوي بتأسيس ما عرف حينها بتنظيم "الجهاد والتوحيد" في أيلول/سبتمبر 2003، ومر هذا التنظيم بمراحل وانعطافات عديدة إلى أن تم الإعلان عن "دولة العراق الإسلامية" في عام 2006 وقادها أبو عمر البغدادي وبعد مقتل الأخير عام 2010، اختار مجلس الشورى أبوبكر البغدادي أميراً جديداً.

ومع بدء ما يسمى الربيع العربي وانتقاله إلى سوريا، وجد البغدادي في ذلك فرصة كبيرة للانتقال إلى سوريا أيضاً، فأرسل الأوامر لأحد نشطائه هناك من أجل تشكيل فرع لتنظيم القاعدة فيها، والذي عرف لاحقاً باسم جبهة النصرة.

وفي 9 نيسان 2013 وبرسالة صوتية تم بثها عن طريق شبكة "شموخ الإسلام 56"، أعلن البغدادي دمج جبهة النصرة مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".

ومنذ الإعلان بدأ داعش باحتلال الأراضي العراقية مطلع عام 2014، فاحتل الفلوجة والرمادي، والموصل وتكريت، وفي سوريا بدأ باحتلال كري سبي/تل أبيض مطلع 2013 وفي عام 2014 الرقة وعين عيسى ومنبج وأجزاء من دير الزور ثم توجه إلى كوباني في 15 أيلول/سبتمبر 2014.

داعش يتعرض للهزيمة في كوباني

بسبب همجيته والفظائع التي ارتكبها، لم يجد داعش من يقف في وجهه خلال هجماته على المدن العراقية والسورية، ولكن في كوباني تصدت وحدات حماية الشعب والمرأة له وبعد مقاومة استمرت 134 يوماً تعرض داعش لأول هزيمة وفرّ هارباً من كوباني، وبذلك فتح الطريق أمام هزيمة داعش في سوريا والعراق.

كما فتحت مقاومة كوباني الباب أمام الدعم الدولي لمحاربة داعش من خلال تحالف دولي ضم أكثر من 79 دولة, كان قد تشكل في الـ 11 من أيلول 2014 بعد اجتماع عقد على مستوى  وزراء الخارجية، بهدف الوصول إلى صيغة مشتركة لمحاربة داعش.

ومع تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في شمال وشرق سوريا في الـ 10 من تشرين الأول/أكتوبر عام 2015، من مختلف مكونات شمال وشرق سوريا، بدأ التحالف الدولي بدعم هذه القوات لأنها الأكثر تنظيماً في سوريا والأكثر كفاءة في محاربة داعش.

فبعد كوباني، تعدّ قسد النقطة الفارقة الثانية في هزيمة داعش في شمال وشرق سوريا, حيث تتالت منذ تاريخ تأسيسها الانتصارات ضد داعش ابتداء من بلدة الهول مروراً بالشدادي ومنبج والطبقة والرقة وصولاً إلى الريف الشمالي لمدينة دير الزور، ولتكون بلدة الباغوز في الريف الشرقي لدير الزور آخر معقل لداعش في شمال وشرق سوريا يتم تحريره في 23 آذار/مارس 2019.

بلدة الباغوز شاهدة انهيار داعش

وتحظى بلدة الباغوز اليوم بهذه الشهرة الكبيرة لأنها شاهدة على انهيار آخر موقع جغرافي احتله داعش، بعد 5 سنوات من سيطرته على أراض سورية وعراقية.

والباغوز بلدة صغيرة تتبع منطقة البوكمال وتقع في الريف الشرقي لمدينة دير الزور السورية، وتقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات, ولم تكن معروفة أبداً بقدر ما هي مشهورة اليوم.

النصر عسكرياً لا يعني نهاية داعش

وعقب تحرير الباغوز آخر معاقل داعش، أكدت قوات سوريا الديمقراطية وكذلك الإعلام الكردي والعربي والغربي أن إعلان النصر على داعش عسكرياً لا يعني نهايته أو انتهاء خطره, نظراً لما خلفه داعش من أفكار وأيديولوجية, وعائلات ومقاتلين محتجزين.

داعش يخلف وراءه 19225 عائلة

وخلّف داعش  في سوريا بعد سقوطه الآلاف من المآسي, إلى جانب المزيد من التشدد والتطرف عبر أيديولوجية رُسخت في عقول أطفال, ونساء ومسلحين لا يزالون منتشرين في العالم وسوريا, إلى جانب الآلاف من المتطرفين الذين اعتقلوا, وآلاف العائلات المحتجزة في مخيمات شمال وشرق سوريا (مخيمي الهول وروج).

وتقول مسؤولة القوات الأمنية المشرفة على حراسة مخيمات عائلات داعش، أيلول رزكار لوكالتنا "خصصنا في شمال وشرق سوريا مخيمات خاصة بعائلات مرتزقة داعش «الهول, وروج» بغية الحد من خطورتهم, ومنع ظهور داعش مجدداً".

وأكدت أيلول رزكار أن تعداد هذه العائلات يصل اليوم إلى 19225 عائلة تعود جنسياتها إلى 53 دولة عربية وأسيوية وغربية.

وتضيف أيلول رزكار "نساء وأطفال داعش منذ سقوط الباغوز لم يتوقفوا عن التحرك في المخيمات, فمنهم من يحاول الفرار, ومنهم من يعمل على تنظيم الآخرين, ومنهم من يعمل على محاسبة أي عائلة يلاحظ عليها محاولة التخلص من الفكر الداعشي عبر القتل, والجلد, والتعذيب".

وتؤكد أيلول أنه لا بد للتخلص من هذه المخاطر الموجودة في المخيمات وأن تتحمل الدول ذات الصلة مسؤولياتها, كإجلاء مواطنيها المرتزقة من المنطقة, أو تقديم الدعم وإنشاء محكمة دولية لمقاضاتهم في المنطقة.

مقتل 40 داعشياً واعتقال 137 آخرين منذ تحرير الباغوز

منذ إعلان هزيمة داعش، لم تتوقف عمليات قوات سوريا الديمقراطية إلى جانب التحالف الدولي في مكافحة خلايا داعش المنتشرة في المنطقة, وذلك لمنعه من تجميع قواه وشن الهجمات في المنطقة ولكن تركيا التي قدمت الدعم لداعش تسعى لعرقلة هذه المساعي عبر شن الهجمات على المنطقة، وإنقاذ الدواعش وتجنيدهم ضمن ما يسمى الجيش الوطني السوري التابع لتركيا لاستخدامهم في تحقيق أهدافها بالمنطقة.

ومنذ بدء المرحلة الجديدة في محاربة داعش في سوريا بعد تحرير الباغوز, أكد القيادي في قوات مكافحة الإرهاب ضمن قوات سوريا الديمقراطية مظلوم حسن أن قواتهم تمكنت خلال العام المنصرم ورغم الصعوبات، اعتقال أكثر من 137 داعشي, والقضاء على 40 مرتزق آخرين، عبر 83 عملية خاصة لمكافحة خلايا المرتزقة في المنطقة.

وأشار مظلوم حسن إلى أن هجوم جيش الاحتلال التركي ومرتزقته على مناطق شمال وشرق سوريا –في 9 تشرين الأول عام 2019- أثّر بشكل سلبي في  مكافحة خلايا داعش في المنطقة وتعريضها لخطر كبير.

كما أشار إلى أن الهجوم التركي منح الأمل لمرتزقة داعش للانتعاش والنهوض من جديد وأضاف قائلاً: "شاهدنا كيف تحركت الخلايا بشكل مكثف في منطقة الرقة ودير الزور والطبقة ومنبج بالتزامن مع ذلك الهجوم".

19 آلاف من معتقلي داعش يشكلون خطراً على العالم أجمع

عندما بدأ ربيع الشعوب لم يكن لدى حوزة داعش سوى 700 مرتزق واحتل بهم أجزاء كبيرة من سوريا والعراق ووصل إلى ما وصل إليه قبل هزيمته، ولكن الآن هناك 19 ألف داعشي معتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية.

ويقول المسؤول عن سجون معتقلي داعش، روبار حسن، أن هناك 12 ألف داعشي سوري و 5 آلاف مرتزق عراقي, إلى جانب ألفا مرتزق أجنبي ينحدرون من 55 دولة أجنبية.

وأشار أن هؤلاء اعتقلوا خلال العمليات العسكرية التي أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية منذ تشكيلها عام 2015 وحتى الآن وخصوصاً في معركتها الأخيرة ضد داعش في بلدة الباغوز.

وأكد الحسن أن مخاطر داعش قائمة رغم احتجازهم في السجون, وقال: "بين الحين والآخر يقوم السجناء بحالات عصيان داخل السجون, ويحاولون الفرار, وازدادت محاولات الفرار تلك مع بدء الهجوم التركي على مناطق شمال وشرق سوريا".

مخاوف من مخلفات داعش الأيديولوجية

شغل موضوع محاكمة مرتزقة داعش الرأي العام العالمي وأهالي شمال وشرق سوريا, حيث لم تتوقف الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وقسد من التطرق إلى الخطر الذي يشكله هذا الملف, وتناشد بشكل دوري بضرورة حل هذا الملف قبل خروجه عن السيطرة, وعلى وجه التحديد بعد الهجوم جيش الاحتلال التركي مرتزقته على المنطقة, حسب ما أكدته رئيسة الهيئة التنفيذية في مجلس سوريا الديمقراطية إلهام أحمد.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية أعلنت في 11 تشرين الأول العام الماضي عبر بيان كتابي فرار 5 محتجزين من داعش من سجونها، بعد استهداف جيش الاحتلال التركي لنقاط احتجاز المرتزقة.

وترفض دول أوروبية وأخرى آسيوية استعادة مواطنيها ممن انخرطوا في صفوف داعش, بينما سحبت دول مثل أمريكا  الجنسية ممن انخرطوا في صفوف داعش, بينما تحاول بعض الدول الأخرى التهرب من المسؤولية تحت قوانين أوجدتها ضمن دساتيرها كـ "فرنسا, بلجيكيا, السويد, ألمانيا".

ويرى حقوقيون أن الدول المعنية تتهرب من تحمل مسؤولياتها, وإن غياب مساعيها في هذا المنحى يساعد داعش من إعادة بناء نفسه ضمن تلك المخيمات, والمعتقلات, وأشاروا إلى ضرورة إقامة محاكم دولية في شمال وشرق سوريا لمحاسبة المرتزقة.

الحقوقية ريما بركات تقول في هذا السياق إن الدول المعنية الرافضة لإجلاء مواطنيها ممن انتسبوا إلى صفوف داعش في سوريا، تخاف من انتشار الذهنية المتطرفة في بلادهم, لذا تحاول التملص من مسؤولياتها.

أما الحقوقية روضة خليل فعدّت أن إقامة محكمة دولية لمحاكمة الدواعش، وإعادة تأهيل أفراد عائلات المرتزقة هو الحل الأمثل لتفادي مخاطر داعش المستقبلية.

ويبقى التحرك الدولي والدعم الخجول مسيطراً على المشهد المعاش في مناطق شمال وشرق سوريا, حيال الدواعش في المنطقة, من معتقلين ومحتجزين لدى الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية, رغم المناشدات المستمرة من الأخيرة للأطراف الدولية بتحمل مسؤولياتها اتجاه الخطر المحدق بالمنطقة, والذي قد يخرج عن السيطرة ويعود للانتشار مع الهجمات التركية على المنطقة.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً