الاحتلال التركي لباشور.. أعداد كبيرة من الجنود ومستقبل مجهول!

بينما تواصل دولة الاحتلال التركي شن الهجمات تباعاً على مناطق في باشور، تثير بعض الأرقام حول حقيقة القوة التي حشدتها تركيا داخل الأراضي الكردستانية المخاوف والكثير من التساؤلات حول مستقبل المنطقة.

في غضون ذلك، كشف عضو اللجنة القيادية في حزب العمال الكردستاني مراد قره يلان، في حديث صحفي لوكالة فرات للأنباء نشر في 22 أيلول المنصرم، عن انتشار ما يزيد عن 30 ألف جندي تركي في باشور (جنوب كردستان).

الحديث عن هذا العدد الكبير من الجنود يفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات حول النوايا التركية الحقيقية وتلك المعلنة، إذ تشير المعطيات على الأرض إلى أن تركيا تعمل لبقاء طويل الأمد - وربما دائم - في المناطق التي احتلتها من باشور.

أعوام متواصلة من الحروب

تشهد مناطق زاب ومتينا وآفاشين، وهي مناطق حدودية تقع ضمن جغرافية باشور، منذ 24 نيسان 2021، معارك عنيفة تخوضها قوات الكريلا في مواجهة هجمات دولة الاحتلال التركي، التي تستهدف توسيع رقعة المناطق التي تحتلها هناك.

وهذه الهجمات ليست جديدة، فمنذ عام 2018، صعّدت دولة الاحتلال التركي من هجماتها العسكرية في المنطقة، دون أن تلقى أي رد أو مواجهة سوى من قبل مقاتلي الكريلا.

لقد روّجت تركيا لجملة من الذرائع، خبأت خلفها الدوافع الحقيقية لهجماتها العسكرية، ذلك ما أظهره النهج التركي الجديد الذي تماشى تماماً مع نوايا أردوغان الدفينة، وهو التوسع إلى ما هو أبعد من الحدود الحالية لتركيا.

ففي سوريا، وبعد أن فشلت الحرب التركية بالوكالة، تدخّلت دولة الاحتلال بشكل مباشر في آب/ أغسطس عام 2016، واحتلت أجزاء من الأراضي السورية، ثم مضت إلى احتلال أجزاء أخرى في أعوام لاحقة، وأقامت العشرات من القواعد العسكرية داخل الأراضي السورية ونشرت الآلاف من الجنود واللغة والعملة التركية وعملت على التغيير الديمغرافي، وغيرها الكثير من الممارسات التي أشارت بوضوح إلى نواياها الاستراتيجية الطامعة في توسيع حدودها الحالية.

كان ذلك يجري بالتوازي مع التدخل السياسي والعسكري التركي في ليبيا، والصراع الأذربيجاني الأرميني حول إقليم قره باغ، فقد بدا واضحاً أن تركيا تعتزم الهيمنة على المنطقة واحتلال أجزاء منها.

وبينما كان التمدد التركي في الأماكن الأخرى معرضاً للحديث والتداول الإعلامي والدبلوماسي، بقيت الهجمات التركية المتتابعة على باشور خارج دائرة الضوء، ما سمح لها بالعمل على تنفيذ أهدافها ومخططاتها، لولا أن قوات الكريلا خالفت التوقعات التركية وأعاقت خططها الاستراتيجية.

وقال مراد قره يلان "إنها المرة الأولى في تاريخ كردستان وتاريخ كفاحهم، حيث تتصاعد المقاومة أكثر من خمسة أشهر متتالية دون توقف وفي جبهة واحدة، وقد جرى إيقاف تركيا"، معتبراً ذلك بالأمر "غير الاعتيادي".

يظهر ذلك مدى الإصرار التركي على استكمال الأهداف التي أُطلقت من أجلها الهجمات العسكرية، فحزب العمال الكردستاني يعيق تحقيق هذه الأهداف، لذلك تلهث دولة الاحتلال التركي للقضاء عليه وتستخدم في حربها الأسلحة الكيماوية وغيرها من الأصناف المتطورة.

حضور عسكري كبير

بعيداً عن دائرة الضوء، ومع استمرار تواطؤ الحكومة المركزية العراقية في بغداد، وعمالة الحزب الديمقراطي الكردستاني المهيمن على باشور، كرست تركيا احتلالها لمناطق واسعة من باشور.

فإلى جانب أن تركيا نشرت أكثر من 30 ألف جندي في المنطقة، وفق ما ذكره مراد قره يلان، تنتشر العشرات من القواعد العسكرية التركية داخل مناطق متفرقة من باشور الذي يواجه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، خطراً يهدد وجوده.

فالعدد الكبير للجنود الذين نشرتهم تركيا يثير التساؤل حول طبيعة النوايا والأهداف التركية، إذ يبدو أنها تحضّر للبقاء طويلاً، إن لم يكن إلى الأبد، في المنطقة التي أقامت فيها القواعد العسكرية، ولا تزال تعمل على بناء المزيد منها بالتعاون مع الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وفق الاستراتيجيات العسكرية، وبحسب العديد من الخبراء العسكريين، فإن تحشيد عدد كبير من القوات يعني وجود خطط لإحكام السيطرة على المنطقة وتأمين البقاء فيها طويلاً ومواجهة أي تحديات قد تهدد هذه الخطط.

بالإضافة إلى أن هذا التحشيد الكبير وبناء العشرات من القواعد الكبيرة، ينهي فرضية أن تركيا ستنسحب قريباً من المناطق التي احتلتها في باشور.

ومع استمرار الهجمات، يبدو أن تركيا تسعى إلى احتلال المزيد، وهذا ما يشكل اليوم تهديداً وجودياً بالنسبة لجنوب كردستان والعراق.

تكرار للسيناريو القبرصي

في 20 تموز/ يوليو عام 1974، أرسلت تركيا 40 ألف جندي لاحتلال جزء كبير من دولة قبرص، بزعم حماية القبارصة الأتراك؛ رداً على انقلاب عسكري يوناني شهدته الجزيرة قبل أيام من الغزو التركي.

احتلت تركيا ما يصل إلى 35 بالمائة من الأراضي القبرصية وأقامت عليها ما أسمتها "جمهورية شمال قبرص التركية"، وهي جمهورية لا يعترف بها أحد سوى تركيا، وعلى الرغم من أن 80 بالمائة من السكان كانوا من القبارصة اليونانيين الذين طردت تركيا الأغلبية الساحقة منهم بعيداً عن الأراضي المحتلة.

لقد قسّمت تركيا الجمهورية القبرصية إلى قسمين باستخدام القوة العسكرية التي أتاحت لها فرض الأمر الواقع على السكان والمجتمع الدولي.

والخميس 29 أيلول/ سبتمبر المنصرم، أعلن الرئيس التركي أنه سيتم تعزيز قوات بلاده شمال قبرص رداً على رفع الولايات المتحدة الأميركية حظر توريد الأسلحة المفروضة على قبرص، وذلك فيما يبدو لحماية ما جرى فرضه عسكرياً في الجزيرة العضوة في الاتحاد الأوروبي.

وبالنظر إلى الخطوات المتبعة في باشور، لا يبدو الأمر مختلفاً كثيراً، إذ تسعى تركيا إلى فرض احتلالها للمنطقة والوجود الدائم فيها بتحشيد الآلاف من الجنود وبناء العشرات من القواعد.

ذلك يتم بالاشتراك مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يشارك تركيا المعلومات الاستخباراتية ويحاصر قوات الكريلا في مناطق انتشارها ويسعى إلى افتعال حرب بين الكرد؛ سعياً إلى فتح جبهة أخرى ضد حزب العمال الكردستاني بهدف إضعافه وإنهائه، ما سيعني نهاية العوائق أمام تركيا الساعية إلى احتلال أجزاء واسعة من باشور.

يقول مراد قره يلان، في سياق حديثه، إن تركيا تقضي على من يتعاون معها أيضاً في نهاية الأمر وبعد انتهاء الحاجة إليه، ويضيف: "لو لم يتم إيقاف تركيا في زاب وآفاشين ومتينا، لم يكن أحد ليعلم إلى أين ستذهب"، وذلك في إشارة إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني والمكتسبات التي يحظى بها الشعب الكردي في باشور معرضة للخطر، إذا ما تجاوزت تركيا الخط الدفاعي الذي يشكله حزب العمال الكردستاني بين باشور والحدود التركية.

ويشير قره يلان إلى أن الأتراك يكشفون علناً عن نوايا الانتشار لمسافة 30 كيلومتراً على طول الحدود من عفرين إلى خاكوركي، لكن في نقاشاتهم الداخلية وضمن خططهم يسعون إلى تطبيق "الميثاق الملّي".

 (ج م/د)

ANHA


إقرأ أيضاً