الأربعاء.. يوم انبعاث الحياة وتجديد الأرض لنفسها  

الأربعاء يوم فاضل، خلقه الملك فخر الدّين من العشق والقلب، لم يعرف للراحة والغفلة معنى حينها، فالأربعاء يوم بدون حساب، وهذا الجواب جاء من الملائكة، تُفتح فيه أبواب الخير من الشروق إلى الغروب.

هكذا يُقال في أقوال الديانة الإيزيدية المترجمة عن لغتها الأصلية "الكردية" عن الأربعاء ، ويكتمل بالتضرّع إلى الله والشكر للملك طاؤوس.

قصة التكوين

إنّ لكل ديانة معتقدات وشعائر خاصّة بها وتقاليد وعادات تميّزها عن غيرها، إلّا أنّها في مضمونها تدعو إلى عبادة الله ووحدانيته، وأنّه خالق هذه الأرض.

كذلك الديانة الإيزيدية تؤمن أنّ الله هو مَن بثّ الحياة في الأرض يوم الأربعاء، وهو يوم بعث الخليقة.

وبما أنّ الإيزيديين، قد فقدوا معظم تراثهم الدّيني نتيجة تعرّضهم للغزوات والمجازر المستمرّة، فإنّهم يستمدّون معلوماتهم من الأحاديث الدينيّة، فقد جاء في "حديث التكوين Aferîna dinyayê"

Xwedawendê me înê kir esase

Şemî boyê berê kirase

Çarşem boyê kir xilase

ربّنا بدأ بخلق الكون يوم الجمعة، ويوم السبت بدأ بتفصيل الثّوب "ترتيب كلّ شيء بنظام"، وانتهى من عمله يوم الأربعاء.

ويُعدّ يوم الأربعاء الأول من شهر نيسان حسب التقويم الشرقي "الكرمانجي" عيدًا لدى الكرد الإيزيديين، ويسمّى "الأربعاء الأحمر"، أو رأس السنة الإيزيدية، فالعيد يصادف فصل الربيع الّذي يكثر فيه انتشار ونمو الزهور والورود بكافّة الألوان والأشكال، وشقائق النّعمان (xecxecog).

ويمرّ الأربعاء هذا العام، في ظل مقاومة مستمرة من قِبل المجتمع الإيزيدي للسياسات التي تُحاك ضدهم، فبعد توصّل الحزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة العراقية إلى اتفاق بخصوص الأمور الإدارية والأمنية في قضاء شنكال في الـ9 من تشرين الأول عام 2020 دون الرجوع إلى المجتمع الإيزيدي، يتمسّك الإيزيديون بإدارتهم وإرادتهم بكافة الطرق.

ويناوب الإيزيديون منذ أكثر من 130 يومًا في شنكال أمام مركز آسايش إيزيدخان، للتأكيد على دعمهم للقوات التي حمتهم، بعد أن تركهم بيشمركة الديمقراطي الكردستاني والجيش العراقي عرضةً لمجازر داعش.

ويرى المجتمع الإيزيدي أنّ ما لم يستطع مرتزقة داعش فعله في إمحاء الثقافة والدين الإيزيدي خلال استهدافهم لشنكال، يحاول أطراف الاتفاقية تطبيقه وجعل الإيزيديين مرة أخرى في مرمى الفرمانات والإبادة المستمرة، دون أن يكون لهم قوة شرعية خاصة بهم تحميهم.

رأس السنة الإيزيدية

يقول رئيس قسم الديانة الإيزيدية في كلية العلوم الدينية بجامعة روج آفا نسيم شمو، إنّ الديانة الإيزيدية تُشير إلى أنّ الكون كان عبارة عن ظلام وضباب، وكانت الأرض مغطّاة بطبقة من الجليد، وقد أرسل الله "طاووس ملك" يوم الأربعاء إلى الأرض لكي يعمّرها، ويوجد الحياة فيها، بأمر من الله على هيئة طائر الطاووس، ونزل لأوّل مرّة في لالش – حج الإيزيديين، الذي يوجد في منطقة شيخان جنوب كردستان، ولوجود طبقة من الجليد فقد حطّ على شجرة هرر، (شجرة العزّة الربّانية)، وبقدرة الخالق ذابت طبقة الجليد بفعل حرارة الشمس، وظهر وجه الأرض على حقيقته، وازدانت بحلّة من الزهور والورود بمختلف الألوان، الأحمر والأصفر والأخضر، لهذا فقد عدّ هذا اليوم بدايةً للربيع، فأُطلق عليه رأس السنة الإيزيدية.

وبحسب علماء الدين فإنّه حتى عام 612 قبل الميلاد كان الكرد يحتفلون بهذا اليوم على أنّه عيد دينيّ فقط، ولكن وبعد أن ارتوت أرض كردستان في مثل هذا اليوم بدماء أبناء الشعب الكرديّ الذين حقّقوا النصر على أعتى إمبراطوريات تلك الحقبة ـ إذ أنّ في مثل هذا اليوم حصلت هجمةً على إمبراطورية ميديا الكردية ـ أصبح هذا العيد عيدًا قوميًّا ودينيًّا في الوقت نفسه، حتّى أنّ الشّيخ "آدي بن مسافر الهكاري" الّذي يُعدّ المرجع الدّينيّ للإيزيديين وضريحه موجود في لالش، قبِلَ بذلك، حيث تقول إحدى السّبقات الدينية:

Çarşema serî Nîsanê

ŞêxAdî , şêx Şims xweste dîwanê

Xwedê berê xwe dide Êzdîxanê

Ewe cejna Kurdistanê

أربعاء بداية نيسان

طلب الشّيخ آدي، من الشيخ شمس للمثول بين يديه، فالله قد نظر بعين الرحمة إلى الإيزيديين

إنّه عيدٌ لكردستان.

ومع قدوم العيد الذي يُصادف الأربعاء الأوّل من شهر نيسان حسب التوقيت الشرقي، يتحضّر الشعب الكردي من أبناء الديانة الإيزيدية لعيد جارشمبا سور "الأربعاء الأحمر" أو رأس السنة الإيزيدية، يوم بعث الخليقة، بدءًا من تكوين الأرض وما يحيا فيها من كائنات، حيث يعدّ هذا العيد أحد الأعياد المباركة والفاضلة في الديانة الإيزيدية.

يسمّى العيد بعيد الخليقة أيضًا، ويقول الإيزيديون إنّ ذلك عندما خلق الله أول كائن حي وهو "آدم" الذي له دلالة على بدء التكوين وبدء الحياة.

وجاء في القول الديني:

Xwedanê min rehmane

Çar qismet li ruyê erdê dane

Yek Av yek  bay yek axa û  yek ji agir

qalibê adem jê nijan

"ربنا رحيم، قسّم الأرض لأربعة عناصر؛ الماء والتراب والهواء والنار، وخلق قالب آدم منها"

وتجري في هذا اليوم طقوس خاصّة، حيثُ ينهض الإيزيديون باكرًا، ويرتدون أفضل ما لديهم من ثياب، ويُزيّنون مداخل بيوتهم بالورود وشقائق النعمان وقشور البيض الملّون.

وفي الوقت الذي تكون فيه النساء منهمكات في إعداد الطعام، يقوم الشبّان والشابّات بتلوين اثني عشر بيضة مسلوقة، كل ثلاث بيضات بلون فصل من فصول السنة، ويضعونها في طبق وسط البيت، والبيضة ترمز إلى كروية الأرض، وسلق البيض إشارة إلى تجمّد الأرض، وقشرة البيضة بعد سلقها ترمز إلى ذوبان طبقة الجليد عن وجه الأرض، وما تلوين البيضة إلّا إشارة إلى ألوان الورود والأزهار التي تفتّحت بقدوم طاووس ملك، أي الربيع، والربيع هو بداية الحياة.

ويزور الناس قبور موتاهم، وتأخذ النسوة معهن بعض البيض والحلوى والفواكه، ويتمّ توزيعها فيما بينهم وعلى الفقراء، ويكون ذلك في يوم الثلاثاء.

وهناك تقاليد قديمة خاصة بهذا العيد منها الامتناع عن نبش التربة والحراثة في هذا الشهر، لأنّ المزروعات والزهور والورود ومعظم النباتات تتفتّح في هذا الشهر، وأيضًا يتمّ تأجيل عقد الزواج إلى حين انقضاء هذا الشهر، ويعتقد أنّ القيام بعقد الزواج والإتيان بعروس، سيجلب لأصحاب البيت الويلات، حيث أنّ المعتقدات تقول إنّ شهر نيسان هو عرس بحدّ ذاته، حتى أنّهم أطلقوا على نيسان اسم عروس السنة: nîsan bûka sale; di ser xwere bûk nine

أي نيسان عروس السنة، لا ترَ عروس أجمل منها

وكذلك يُوقَد 365 قنديلًا (جِرا) في كافة أرجاء لالش دلالة على عدد أيام السنة الجديدة معلنةً بدء العام الجديد ولادة الربيع وتجدّد الحياة ونهاية الشتاء.

ويشهد هذا العام الأربعاء إقامة الطقوس الدينية فقط، والابتعاد عن مظاهر التجمّع في العديد من المناطق، نظرًا لتفشّي وباء كورونا في دول عديدة حول العالم.

وستُقام في قضاء شنكال احتفالية مركزية بمناسبة الأربعاء، وذلك في منطقة كلي كرسي، بمشاركة عدد من الفنانين والفرق الموسيقية يوم 14 نيسان.

إيزيديو روج آفا والأربعاء

في روج آفا يتوزّع الإيزيديون في إقليم الجزيرة وعفرين وحي الشيخ مقصود بمدينة حلب، حيث كانوا يقومون مع أبناء الشعب الكردي والسرياني في مناطق وجودهم بإقامة حفلات فلكلورية، وكانت تُقدّم فيها الأغاني والرقصات من الفلكلور الكردي وبرامج ثقافية ومسرحيات عن الديانة الإيزيدية.

الإيزيديون في روج آفا يمارسون كافّة طقوس العيد باستثناء تلك التي تجري في لالش المركز الروحاني للإيزيديين، كونه بعيدًا عن أماكن وجودهم.

ومع بدء ثورة 19 تموز في روج آفا وشمال شرق سوريا، التي جلبت معها الحقوق المسلوبة للأقلّيات التي كانت مهمّشة في عهد النظام البعثي، فقد تقرّر في مقاطعات روج آفا اعتبار يوم الأربعاء الأحمر عطلة رسمية في كافّة الدوائر، والاحتفال به وإحياء ثقافة العيد في المجتمع.

ومع بدء هجمات جيش الاحتلال التركي على عفرين، استُهدفت القرى الإيزيدية بشكلٍ مباشر، مما تسبّب باستشهاد عدد من الأهالي ووقوع العديد من الجرحى، ونتيجة للخوف من ارتكاب المجازر بحق الإيزيديين، وإعادة تاريخ الفرمانات في عفرين مرّة أخرى، ترك إيزديو عفرين قراهم، وتوجّهوا مع الآلاف من العفرينيين إلى مقاطعة الشهباء، ليقوم مرتزقة جيش الاحتلال التركي بتدمير المزارات الدينية، وأقدمها "بارسه خاتون" في قرية قسطل جندو، والذي كان مقصدًا للأهالي لطلب تحقيق أمنياتهم، وقد نُشرت مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت مدى الوحشية التي يكنّها المرتزقة للإيزيديّين وجميع أبناء الشعب الكردي، ونعتهم بألفاظ لا تمت للأخلاق الإنسانية بصلة.

وفرض عليهم اعتناق الإسلام وارتياد الجوامع رغمًا عنهم، ناهيك عن نهب جميع أملاك الإيزيديين بحجّة أنّها حلال عليهم، متستّرين بالشريعة الإسلامية التي ترفض ذلك في تعاليمها.

كما ودمّر مرتزقة جيش الاحتلال التركي تمثال زردشت الذي وُضع أمام مركز الجمعية الثقافية الإيزدية، الممثّل الوحيد للمجتمع الإيزيدي في عفرين، وأحرقوا مركز الجمعية أيضًا.

وفي سري كانيه المحتلّة أيضًا تعرّض الإيزيديون للجرائم من قِبل مرتزقة الاحتلال الذين نهبوا أكثر من 8 قرى إيزيدية، وهجّروا سكّانها قسرًا، في حين كانت مدينة سري كانيه تحوي فرعًا للبيت الإيزيدي بإقليم الجزيرة.

وتعرّض الإيزيديون لـ 74 فرمانًا وإبادة استهدفت وجودهم، وكانت آخرها الجينوسايد الذي ارتكبه مرتزقة داعش، في شنكال في الـ 4 من آب 2014، حيث ارتكب أبشع الجرائم من قتل، تشريد، اغتصاب وخطف بحقهم.  

ANHA


إقرأ أيضاً