البدو.. تاريخ نضالي حافل ضد العثمانيين وأحفادهم من الأتراك

لم يفلح العثمانيون الذين احتلوا مناطق واسعة قبل قرون، في إخضاع قبائل البدو الرحالة، إذ كانوا يجابَهون بمقاومة قوية منها عندما يتعلق الأمر بمحاولات احتلال الأراضي والتعرض للثقافة والتاريخ، والأمر لا يختلف اليوم مع أحفادهم، حيث يقف البدو في خندق المقاومة ضد الاحتلال التركي شمال سوريا.

 البدو من سكان الصحراء، ويعارضون بشكل كبير العيش في المدن لأنها تقيّد حريتهم التي اعتادوا عليها في الصحراء، ويعتمدون على تربية المواشي التي تعتبر مصدر رزقهم الأساسي.

ودخلت منهم قبيلتا عنزة وشمر التاريخ، وكان الدور الكبير في المنطقة لقبيلة عنزة التي تتوزع في المغرب ومصر والدول الخليجية والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق.

ويوجد البدو في أغلب المحافظات السورية، ويتركزون بشكل رئيس في حمص ودير الزور والحسكة ودمشق، وكان أول وصول لهم إلى المنطقة في بداية القرن الثامن عشر1830 قادمين من شبه الجزيرة العربية ليستقروا على ضفاف نهر الفرات.

'سد منيع في وجه الاحتلال العثماني'

كان للبدو دور كبير في حماية سوريا وثقافتها من أي اعتداء أو احتلال أو استعمار اجتاح المنطقة عبر التاريخ، بدءًا من الاحتلال العثماني والاستعمار الفرنسي، وانتهاء بدولة الاحتلال التركي التي تحاول تغيير ديمغرافية المنطقة عبر احتلالها وإفراغها من سكانها الأصليين.

وكذلك كان لهم دور رئيس في محاربة العثمانيين، إذ لم يستطع أحد من السلاطين العثمانيين بسط سيطرته على أي بقعة في البادية بشكل مباشر، بحسب ما دونه أغلب المستشرقين عن تاريخ البدو في مواجهة الاحتلال العثماني.

ولم تتجاوز المسافة التي سيطر عليها العثمانيون بشكل مباشر 6 كيلو مترات شرق دمشق وحمص وحماه وحلب والرقة التي كان يقطنها البدو، ولكن في بعض الأحيان نجح العثمانيون عن طريق الرشوة من إخضاع بعض شيوخ البدو لهم.

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/04/16/182613_fars-alhwran.jpg

يقول الوجيه في قبيلة الفدعان بريف ناحية عين عيسى، فارس الحوران: "كانت الضغوط العثمانية على القبائل العنزية وقبيلة الفدعان لشدة نفورها من الحكم العثماني، ولأسباب عدة أهمها فرض الأتاوى والرسوم المالية الباهظة على قبيلة الفدعان التي رفضت هذه السياسات التعسفية بشكل قطعي".

وأشار الحوران إلى أنه "عندما رفضت القبيلة تلك سياسات اندلعت ثلاث معارك بينهم وبين العثمانيين، وأهمها كانت معركة المسطاحة على حدود الرقة التي قُتل فيها المئات من جنود العثمانيين، ومعركة منطقة المسكنة التي قتل فيها أكثر من 20 جنديًّا، بينهم ضابط عثماني، وقال: "بعد تلك المعارك جاءت الحكومة التركية إلى القبيلة لاستدراج شيخ القبيلة الشيخ حوران إلى حلب وأعطته مبلغًا ماليًّا في سبيل إرضاء قبائل العنزة، لشدة رفضه الرضوخ لهم ولكنه رفض ذلك العرض".

وكان العثمانيون يتبعون سياسة الغدر مع من يعارض سياستهم، وهذا ما حدث مع أبرز شيوخ البدو في المنطقة الذين رفضوا الرضوخ للحكم العثماني، حيث زجّوا أبناءهم في الحروب التي كان يخوضونها ضد الفرنسيين والبريطانيين.

وهذا ما حدث مع الشيخ حوران الذي كان يحكم أغلب قبائل البدو في القرن الثامن عشر وتم استهدافه عام 1842 في منطقة الجبول ليترأس بعده ابن أخيه، الشيخ الجدعان ابن المهيد، الذي حارب الدولة العثمانية في المنطقة وكبدهم خسائر كبيرة في العتاد والأرواح ضمن صفوف العثمانيين واستطاع فرض أتاوى على طريق الحرير وطريق الحجاز، الأمر الذي رفضته الدولة العثمانية.

وكانت للخيول الأصيلة التي يمتلكها البدو دور كبير في الحروب التي كانوا يخوضونها في ذلك الوقت، حيث كانت تساعدهم في الهروب من قبضة العثمانيين، وكذلك كان لقدرة البدو على وضع التكتيكات العسكرية الفضل في القضاء على الجنود العثمانيين في المنطقة، وتعزيز موقفهم تجاه كل من يحاول نزع حريتهم ويزعزع أمنهم واستقرارهم.

'البدو بعد الإعلان عن الإدارة الذاتية'

وبعد الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا انخرطت كافة فئات المجتمع والطوائف والمكونات ضمن هيئات ومؤسسات الإدارة، تطبيقًا لمفهوم مشروع الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب والعيش المشترك.

وكان للبدو دورهم في وضع الأسس والقوانين وأنظمة الإدارة الذاتية من خلال شخصيات لا زالت على رأس عملها إلى يومنا هذا، وكان لهم دور فعال في المنطقة بحكم معرفتهم بالطبيعة الجغرافية وثقافات المنطقة.

وساهموا في ترسيخ مفهوم الأمة الديمقراطية عبر انخراطهم ضمن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، تطبيقًا لمفهوم العيش المشترك وأخوة الشعوب.

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2021/04/16/182639_amr-dyab.jpg

 ويقول الوجيه في قبيلة الفدعان وعضو مجلس الشورى في القبيلة عمر دياب العديدان: "المراحل التي مررنا بها قبل مجيء الادارة الذاتية في ظل الاحتلال العثماني، ثم الاستعمار الفرنسي وبعدها حزب البعث، كنا فيها مهمشين كثيرًا ولا يتم الاعتراف بوجودنا كقبائل بدوية تقطن الأراضي السورية، علمًا بأن لنا تاريخ حافل بالإنجازات في المنطقة، والذي لم تكتبه الحكومة السورية في صفحات تاريخها، بل كتب عنه المستشرقون الألمان والبريطانيين".

وشارك البدو منذ بداية الحرب على مرتزقة داعش إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية بدءًا من مدينة كوباني إلى الباغوز، وشاركوا في ترسيخ الأمن بالمنطقة، وقدموا الشهداء وتضحيات جسيمة، حيث قدموا في يوم واحد أكثر من 20 مناضلًا أثناء تحرير الباغوز.

'الانخراط ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية ضد تركيا'

وأشار العديدان إلى أنه لهم تاريخ مشترك مع الشعب الكردي في المنطقة منذ آلاف السنين، وقال: "منذ البداية ونحن اخترنا الوقوف إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية لعدم اقتناعنا بإرهاب داعش، والبدو رأوا أن فكرة الإدارة الذاتية المتمثلة بأخوة الشعوب هي الحل الوحيد للشأن السوري بشكل عام، ودرب الخلاص لكل السوريين لذلك انخرطنا بقوة فيها".

وأكد العديدان أن مقاتلين من البدو يقفون الآن في خندق واحد مع قوات سوريا الديمقراطية في التصدي للاحتلال التركي بجبهات ناحية عين عيسى، ويسطرون ملاحم بطولية في أشد المعارك والهجمات التي تشن على الناحية، كما فعل أجدادهم في التاريخ ضد العثمانيين، لأنهم يرون أن النصر يتحقق بالوحدة والتكاتف وأخوة الشعوب.

ولفت النظر إلى أنه مهما حصل سيبقون إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية، والوقوف في وجه الهجمات التركية، وعين عيسى أكبر مثال على ذلك، والتي أصبحت صخرة المقاومة، وكسرت آمال أردوغان ومرتزقته في احتلالها.

'تركيا دولة احتلال'

ويمضي الأتراك اليوم على خطا جدهم السلطان عبد الحميد في سياسة تغيير فكر الشعوب وزرع الفتن وتطبيق سياسة التتريك، حول هذا يقول العديدان إن "الوضع في المناطق المحتلة لا يسر أهلنا، نتيجة الترهيب والتعذيب الذي يتعرضون له"، مشددًا على عدم الانخداع بالصور والفيديوهات التي تنشرها دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها من تلك المناطق بافتتاحها المدارس والمعاهد والجامعات هناك.

ويرى الوجيه عمر دياب العديدان أن "التغيير الديمغرافي الذي نشاهده على أرض الواقع وسياسة التتريك التي تحصل في المدارس والجامعات ضمن المناطق المحتلة تعتبر الأخطر، من شأنها أن تنتج أجيالًا تابعة لتركيا، والتغيير الديمغرافي في عفرين المحتلة دليل على أن تركيا جاءت إلى هنا بطمع، وليست كما تدعي أنها جاءت إلى هنا لنشر الديمقراطية".

وفي ختام حديثه أكد العديدان أن "تركيا دولة محتلة طامعة بسوريا، ونحن أبناء سوريا، من كافة المكونات، الأصحاب الحقيقيون لسوريا التي نعيش فيها جميعنا، ولا يتم التمييز بين العربي والكردي أو المكونات الأخرى، ويطلق عليهم اسم الوطنيين بدلًا من إطلاق أسماء مختلفة، نحن بأنفسنا طالبنا بإدارة أنفسنا ضمن سوريا حرة وديمقراطية".

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً