الإدارة الذاتية.. تجاوزٌ لذهنية الدولة القومية ونموذج حلّ للأزمة السورية - 2

إن مشروع الإدارة الذاتية الذي يتطور في شمال وشرق سوريا أصبح أملًا للشعب السوري في اجتياز الأزمة وضمان حقوقه، ولهذا تعرض لهجمات داخلية وخارجية على مختلف الصعد، وفي ظل استمرار الأزمة السورية وتعقيداتها، ما زالت مكونات المنطقة مستمرة بالعمل وفق قدراتها الذاتية للوصول بسوريا إلى بر الأمان.

إن الدولة القومية ليست كما يُروَّج لها بأنها الشكل الأساسي للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، بل على العكس هي نظام إنكار القيم المجتمعية، إذ يستحيل انفتاح المجتمع على الاستغلال الرأسمالي من دون أن يتمكن هذا الاستغلال من بناء نفسه على الديكتاتورية المتأسسة على شكل دولةٍ قومية.

فالدولة القومية التي تفرض التجانس اللغوي والثقافي على شعوب مختلفة اللغات والثقافات التي تعيش جنبًا إلى جنب في الوطن الواحد، يحوّل الوطن إلى سجن كبير ومكان احتجاز مشدد، وتتحول المدارس والجامعات والمراكز الدينية إلى إنتاج مواطن يتوافق مع مآرب الأنظمة الحاكمة، وتفرض العبودية على المرأة بأقسى حالاتها محولةً إياها إلى أداة جنسية. وعليه فالدولة القومية هي النمط الذي يمثل أكثر الأشكال سلطةً ويقتفي أثر الفاشية.

وفي هذا السياق يقول السياسي السوري سمير عزام: "أثبتت الدولة المركزية "القومية" عجزها عن حل قضايا أساسية في أي وطن وأهمها المواطنة، إذ لا يمكن بناء وطن من دون مساوات تامة بين مواطنيه اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا بصرف النظر عن العرق والدين والمذهب".

وأكد أن الدولة القومية عجزت عن إحداث التنمية الاقتصادية المتوازنة- المستدامة بين المناطق، فحصرت التنمية بالمركزين "دمشق وحلب" وحوّلت بقية المناطق إلى سوق للمواد الأولية بأسعار زهيدة، ومصدر للأيدي العاملة بأجور زهيدة، وسوقًا لتصريف منتجات المركزين بأسعار عالمية، وهذا تمييز مناطقي، أدى إلى نشوء اقتصاد ضعيف ومشوّه فاستأثر 5% من السوريين بـ 95 % من الاقتصاد والثروات دون وجه حق وبلا منافسة، مما أدى إلى انفجار الدولة القومية المركزية عام 2011.

وأظهرت الأزمة السورية التي بدأت على شكل ثورة في ربيع عام 2011 وتحولت إلى العسكرة بفعل التدخلات الخارجية، أن هذا الشكل من نظام الإدارة –الدولة القومية التي تنادي بالعلم الواحد واللغة الواحدة والقومية الواحدة وحتى الدين الواحد- غير قادر على تحقيق الحرية للشعب السوري الذي خرج إلى الساحات مطالبًا بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

والجماعات التي أطلقت على نفسها اسم المعارضة خلال الأزمة السورية لم تأتِ بنظام جديد يحقق تطلعات الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، بل أرادت أن تغير النظام الحاكم، وأن تتربع هي على رأس نظام الدولة القومية، ولذلك عانى الشعب السوري وما زال حتى يومنا الحاضر.

ويؤكد عزام أن "النظام لم يقدم أي مشروع لحل الأزمة السورية، وكذلك لم تقدم فصائل الإسلاميين وممثليهم في ائتلاف اسطنبول أي مشروع لحلها، وهذان الطرفان، وطوال سنين الحرب التسعة، يتقاتلان فيما بينهما، وقد استقوى كل منهما بالتدخل العسكري الأجنبي لإقصاء الآخر والاستفراد بالسلطة والثروات الوطنية، حيث نتج عن تقاتلهما تدمير نصف سوريا وتهجير ونزوح نصف السوريين، وتحوُّل الفريقين إلى مرتزقة للدول التي استدعياها للتدخل".

ولكن في شمال وشرق سوريا، تطور شكل جديد للإدارة، يعتمد على مجموعة من الأسس والمبادئ الجديدة التي تتيح لجميع المكونات وعلى اختلاف لغاتها وثقافاتها وأديانها أن تتشارك معًا في الإدارة، وفي هذا السياق كانت الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة الجزيرة أول إدارة ذاتية تعلَن في الـ 21 من كانون الثاني عام 2014، وتبعتها إدارات ذاتية ومدنية في مناطق أخرى من شمال وشرق سوريا.

*ماذا حققت هذه الإدارة لشعب المنطقة؟

شكلت الإدارة الذاتية المعلنة في إقليم الجزيرة اللبنة الأساسية للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في المرحلة الراهنة، والتي استطاعت أن تحافظ على مناطقها وعدم انزلاقها إلى الحرب الأهلية والطائفية التي تشهدها بقية المناطق السورية، رغم جميع محاولات إفشال هذا المشروع والحصار الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي المفروض عليه، وما تعرضت له من هجمات من قبل الاحتلال التركي.

وفي هذا السياق، يقول الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في الإدارة المدنية الديمقراطية في منبج محمد علي العبو: "إعجاب أبناء منبج بتجربة الإدارة الذاتية وإدارة المكونات نفسها بنفسها، ومشاركة الشعب في الإدارة، دفع إلى الاقتداء بالإدارة الذاتية التي تشكلت في روج آفا، وبالفكر نفسه جاء تشكل الإدارة المدنية في منبج".

وأضاف: "هذه التجربة كانت جديدة لأهالي مدينة منبج، لكن الانجذاب إلى الفكرة الجديدة أنجح الإدارة المدنية في منبج، لأن هذا النظام يساعد على تجاوز الأخطاء التي تصادف الإدارة، ونطمح أن تعمَّم هذه التجربة في كل سوريا، لأنها الحل الأمثل والمناسب لعودة الانسجام والتناغم بين كافة أطياف الشعب السوري".

ومن جانبها قالت عضوة هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD فوزة يوسف: "استطاعت الإدارة الذاتية خلال الـ 7 أعوام المنصرمة، وبالرغم من كل الأزمات، أن تدير المنطقة وتحقق نتائج إيجابية على مختلف الصعد".

وأضافت: "الإدارة الذاتية خطت خطوات إيجابية عدة، حيث مكّنت التعايش المشترك بين مكونات المنطقة، وكسرت الذهنية الذكورية، وخلقت نظام الرئاسة المشتركة، وهي خطوة مهمة في الثورة التي انطلقت، وكذلك مكّنت تمثيل جميع المكونات في إدارة المنطقة، والتي تعتبر الخطوة الثورية الأولى من نوعها في البلاد المتمثلة بتعبير جميع الشعوب بمختلف هوياتهم عن نفسها، وتنظيم أنفسهم وأن يكونوا ذوي دور".

وأشارت إلى أن جميع المكتسبات التي حققتها الإدارة الذاتية، مكتسبات لجميع الشعوب والمكونات المتعايشة في المنطقة، وقالت: "الإدارة الذاتية في السنوات الـ 7 الماضية كانت إدارة ناجحة في إدارة الأزمة، وإدارة ناجحة لإرساء الاستقرار والسلم الأهلي بين المكونات".

وأوضحت أن ما حققته الإدارة الذاتية جعلت من هذه التجربة نموذجًا ناجحًا لإيجاد الحلول لكافة مشاكل المكونات التي تعيش في المنطقة.

'إقصاء الإدارة'

وبيّنت فوزة يوسف أن عدم تمثيل الإدارة الذاتية في جنيف وآستانا، هي نتيجة سياسات تستهدف إرادة شعوب المنطقة، وأكدت أنها سياسة متعمدة، وطالبت جميع الأطراف السياسية بالنضال والعمل سوية لجعل الإدارة الذاتية ناطقة باسم المنطقة في جميع المحافل، لأنها "تمثل" إرادة شعوب المنطقة.

وأكدت أن العمل جارٍ في المرحلة الحالية على جعل الإدارة الذاتية ممثلة للمنطقة في جميع المحافل الدولية الخاصة بالعمل على حل الأزمة السورية، بالرغم من استمرار الهجمات السياسية والعسكرية الخارجية على الإدارة ومناطقها.

وعلى الرغم من تصادمها مع مصالح القوى المتدخلة في الأزمة السورية والهجمات التي تتعرض لها هذه الإدارة، إلا أنها ما زالت مستمرة بمشروعها الديمقراطي لحل الأزمة السورية، وذلك عبر مظلتها السياسية مجلس سوريا الديمقراطية.

ومجلس سوريا الديمقراطية يعدّ أحد الأطراف الفاعلة في الجغرافية السورية، وممثلًا للعديد من القوميات والديانات وأطياف المجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني وأحزاب وتجمعات سياسية، وتأسس في مرحلة حساسة من عمر الأزمة السورية في الـ 9 من كانون الأول 2015.

'أمل للسوريين'

ولاقت تجربة الإدارة الذاتية استحسان السوريين لما تحمله من حلول لقضاياهم، لا سيما بعد استكمال مسد لمشروعه في جمع أكبر عدد ممكن من أطياف المعارضة، عبر العديد من اللقاءات وسلسلة الندوات والمؤتمرات التي عقدها على الصعيد السوري تحت عنوان "الحوار السوري – السوري".

وذاع صيت الإدارة الذاتية لدى المعارضة السورية في الخارج مع طرح مسد هذه التجربة على أطراف المعارضة الخارجية، عبر جولة من الاجتماعات واللقاءات التشاورية في الخارج، بعد لقاءات الحوار السوري - السوري في الداخل.

إن الشرح الصحيح لمفهوم الإدارة الذاتية، دفع بالعديد من القوى والأحزاب السياسية والشخصيات الأكاديمية ونشطاء المجتمع المدني، إلى مساندة هذه التجربة، واعتبارها نموذجًا لسوريا المستقبل.

وفي هذا السياق، يقول رئيس الجمعية الوطنية السورية المعارض محمد برمو: "مشروع الإدارة الذاتية يشكل أملًا لكل السوريين، وهو مشروع خلّاق ويبنى عليه كنواة للجمهورية السورية الثالثة، وعلى جميع الأطراف الراغبة في حل الأزمة السورية دعم هذا النموذج".

وأضاف: "النموذج مثال يُحتذى به، في ظل غياب أي نموذج لدى المعارضة السورية وما تشهده سوريا من أزمة على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والاجتماعية، وهي تجربة جيدة وأصبحت ذات خبرة، ونضجت، لذلك يجب البناء عليها، وإلغاء فكرة نسف هذه التجربة".

ونصح رئيس الجمعية الوطنية السورية المعارض محمد برمو الأطراف السياسية المعارضة وحكومة دمشق بالعمل على هذه التجربة وتطويرها، وعدم البدء من الصفر.

فيما يرى السياسي السوري سمير عزام بأن الدولة المركزية نمط متقادم يعود للقرون الوسطى، ولم يعد يصلح لزماننا هذا، وأضاف: "لا بد من التنويه إلى أن كافة الدول المتحضرة المزدهرة والدول التي تسير على طريق التحضر، هي دول لا مركزية وكافة الدول التي تعرضت لحروب داخلية ولم تتوقف فيها الحروب فإنها لن تجد حلاً لأزماتها إلا بالدولة اللامركزية".

ولفت عزام إلى حالة التشظي بين السوريين التي انتجتها الدولة القومية المركزية وزادتها الأزمة والحرب تشظياً، وقال: "يبقى مشروع الجمهورية السورية اللامركزية الديمقراطية وحده الكفيل بالإبقاء على سوريا موحدة أرضاً وشعباً وأيضاً وحده الكفيل بتحقيق المساوات بين السوريين اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وإحداث التنمية المتوازنة المستدامة بين كافة المناطق".

'مؤتمر لتطوير الإدارة'

ولتمكين وتطوير هذا النموذج، وتلافي الأخطاء التي صادفتها الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية من عملها، عمدت مظلتها السياسية مسد إلى عقد 13 ندوة حوارية في شمال وشرق سوريا، انتهت بعقد "المؤتمر الوطني لأبناء الجزيرة والفرات"، الذي شارك فيه أكثر من 300 شخصية حزبية وسياسية مستقلة، وممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني، وتمخض عن 17 بندًا من التوصيات والمقررات لتطوير الإدارة الذاتية.

وركزت التوصيات على كيفية تطوير العمل المؤسساتي، وتطوير المشاريع الاقتصادية تماشيًا مع ما تشهده المنطقة من أزمات في ظل الحصار، والتركيز بكل الوسائل على تقوية الحماية ومؤسساتها العسكرية، للمحافظة على المكتسبات المتحققة، وتلافي الأخطاء والنواقص وتشديد الرقابة والمتابعة، ومحاربة الفساد، وإجراء انتخابات ديمقراطية.

'الهجوم على المشروع'

إن المشروع الديمقراطي الذي طوّرته الإدارة الذاتية، والذي أصبح نموذجًا يُحتذى به لدمقرطة سوريا، أفرغ مشاريع ومخططات القوى الخارجية لتقسيم سوريا، كما أجبر الحكومة السورية على تغيير ذهنيتها الإقصائية، عبر توعية الشعب لحقوقه المشروعة.

لذا أصبح هذا المشروع عرضة للهجمات من الداخل السوري، والقوى الإقليمية وفي مقدمتها تركيا، حيث تحالفت روسيا مع تركيا ومنحتها الضوء الأخضر لاحتلال عفرين في آذار عام 2018، واستمرت التحالفات بتواطؤ أمريكا مع تركيا وفتحها الطريق أمامها لاحتلال سري كانيه وتل أبيض/ كري سبي في تشرين الأول عام 2019.

 والآن يستمر التعاون الروسي مع تركيا من أجل فتح الطريق أمامها لاحتلال عين عيسى أو الاستفادة منها في إعادتها إلى سيطرة حكومة دمشق.

والحقيقة أن هذه الهجمات التي تتعرض لها مناطق الإدارة الذاتية هي أكثر من مجرد هجمات عسكرية، لأن المشروع الذي يتطور في هذه المنطقة يفضح ممارسات الدولة القومية والأنظمة السلطوية، ويعّرف المجتمع بالديمقراطية وكيفية العيش معًا دون إقصاء أحد.

'علينا أن نكون مستعدين لكل الاحتمالات وأن ندعم الإدارة'

وتقول فوزة يوسف عن مستقبل مناطق الإدارة الذاتية: "المعارك في سوريا لم تنته، والأزمة لم تنته بعد، سوريا ما تزال مركزًا للحرب العالمية، ولن نتمكن من إزالة التهديدات التي نتعرض لها إلا بعد أن تتمثل المنطقة في دستور سوريا المستقبل، وتُضمن حقوق الإدارة الذاتية".

وأضافت: "لذلك وبدون شك، علينا الاعتماد على قوتنا الذاتية، قوة المكونات، وتهيئة أنفسنا لكل الاحتمالات والهجمات سواء العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، وأن نقف كحركات سياسية ومجتمعية مع الإدارة الذاتية، وأن نساندها للوقوف في وجه هذه التهديدات".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً