المرأة والسياسة... ساحة تطغى فيها المشاركة الفعلية للنساء

تتمتع المرأة في شمال وشرق سوريا بحيز متقدم من المشاركة في كافة المجالات، وخاصة السياسية، في حين أن أكثر دول العالم تطورًا بالكاد تمنحها تمثيلًا شكليًّا في الحياة السياسية وصنع القرار الوطني.

وبمناسبة مرور سبع سنوات على الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعات روج آفا الثلاث "الجزيرة، كوباني وعفرين"، سيتم في هذا التقرير تسليط الضوء على فاعلية مشاركة المرأة في صنع القرار، وإدارة المنطقة سياسيًّا، والتعرف عن قرب إلى ما وصلت إليه اليوم.

تتبوأ المرأة في شمال وشرق سوريا أرفع المناصب وأهم المراكز في السياسة والإدارة، كشريكٍ فاعل للرجل في إدارة المؤسسات والهيئات السياسية والدبلوماسية والإدارية فضلًا عن العسكرية وغيرها من الصعد.

وتعدّ الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وكذلك النظام الذي أسسه أهالي عفرين من جديد بعد تهجيرهم إلى المخيمات في الشهباء - نموذجًا لتحقيق المساواة النوعية بين الجنسين، والتي لا يمكن تحقيقها أصلًا إلا في ظل إدارة ديمقراطية.

ويبعث منهج الرئاسة المشتركة روحًا جديدة في جسد الأنظمة الإدارية، حيث يساهم هذا الأسلوب من الإدارة في الابتعاد عن نظم الإدارة المركزية المحملة بالذهنية الذكورية.

وقد طُبّق مفهوم الرئاسة المشتركة لأول مرة لدى حزب اليسار الألماني عام 2007.

كما يمثل هذا الأسلوب عمودًا أساسيًّا في بناء مجتمع ديمقراطي متكامل أو بتعبير أدق في بناء الأمة الديمقراطية التي أوصى القائد عبد الله أوجلان بضرورة تطبيقها من خلال مرافعاته الخمس.

وقد رفض القائد أوجلان فكرة حصر نسبة النساء في القيادة بـ (كوتا) نسبية معينة، بل دعا إلى المناصفة.

إذ يقول في مرافعته الخامسة التي تحمل عنوان "القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية": "يتميز تحرر المرأة بعظيم الأهمية خلال التحول إلى أمة ديمقراطية، فالمرأة المتحررة تعني مجتمعًا حرًّا، والمجتمع الحر هو أمة ديمقراطية".

ويشير إلى أن "من يمر من هذه التجربة بنجاح، أي من يحقق الحرية في شخصيته بإحدى المعاني سيكون بمقدوره إنشاء المجتمع الجديد والأمة الديمقراطية انطلاقًا من شخصيتهم المفعمة بالحرية".

'مناضلات أصبحن قدوة'

وعند مقارنة دور النساء في شمال وشرق سوريا بباقي المناطق السورية الأخرى، إضافةً إلى الدّول المجاورة، وحتى بعض الدول الغربية خاصة بعد سنواتٍ من الأزمة السورية، نرى أنه برزت ناشطات وقياديات في المضمار السياسي استمددن إرادتهن من أيديولوجية القائد أوجلان عن حرية المرأة.

ومن بين المناضلات السياسيات اللواتي برزت أسمائهن في المجال السياسي في أواخر التسعينات، المناضلة شيلان باقي عضوة اللجنة المركزية في حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، التي استشهدت في الموصل في 29 تشرين الثاني 2004، مع أربع من رفاقها إثر مؤامرة مشتركة بين أجهزة مخابرات حكومتي دمشق وأنقرة.

والسياسية هفرين خلف الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل، التي اغتيلت على يد الاحتلال التركي ومرتزقته في 12 تشرين الأول 2019 على الطريق الدولي، أثناء العدوان التركي على مدينتي كري سبي/ تل أبيض وسريه كانيه/ رأس العين.

وغيرهن الآلاف من النساء الكرديّات والعربيات والسريانيات والتركمانيات اللواتي يشاركن في صناعة القرار السياسي في شمال وشرق سوريا، وكن عرضة للاستهدافات من أجندات مختلفة.

'المرأة في مركز صنع القرار'

مناطق شمال وشرق سوريا، مجتمع تؤثر فيه حركة التّطور التاريخي والصيرورة الاجتماعية والفكرية، والتي تتطلّب مساهمة فعالة من المرأة في عملية التغيير والبناء.

والمرأة في هذه المنطقة لم تصل إلى هذه المرحلة من نيلها لحقوقها ومشاركتها في مركز صناعة القرار، إلا بعد نضال طويل بدءًا من تأكيد الهوية الثقافية.

ومن بين الأسماء القيادية في المنطقة؛ السياسية إلهام أحمد، فوزة يوسف، آسيا عبد الله، عائشة حسو، بريفان خالد، إليزابيت كورية، لينا بركات، نظيرة كورية، جيهان خضرو وغيرهن العديد من اللواتي يقدن الجهود السياسية والتنظيمية للدفاع عن حقوق وقضايا أبناء وبنات المنطقة، ويعملن على انتزاع اعتراف دستوري لمشاركة كافة مكونات شمال وشرق سوريا في مستقبل البلاد.

نضال وكفاح المرأة نتاج مشاركتها في تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا عام 2014، وتهيئة الأرضية الديمقراطية لها، ومدّت هذه الإدارة بالانتصارات والخصوصية.

وهنا، كانت هيفي مصطفى أول امرأة تتبوأ منصب رئيسة الهيئة التنفيذية للإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة عفرين عند الإعلان عنها في كانون الثاني عام 2014.

وأضافت المرأة لهذه الإدارة أكثر، حتى أُعلن عام 2018 عن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والتي لعبت فيها أدوارًا مهمّة، وضعتها في مركز مسؤول كشريك في إدارة المؤسسات المدنية والعسكرية والسياسية وغيرها.

وبفضل ذلك النضال، أصبحت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نموذجًا إداريًّا رائدًا للديمقراطية في العالم، لاتخاذها مبدأ الرئاسة المشتركة.

بريفان خالد، التي انتُخبت رئيسة مشتركة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في 6 أيلول 2018، تقول، إن مناطق شمال وشرق سوريا انتهجت الخط الثالث، أثناء ولوج سوريا ذروة الأزمات والفوضى التي ألمّت بها، دون أن تنحاز لأي طرف أو جهة، وبذلك استطاعت حماية المكتسبات التي تحققت بدماء الشهداء.

ويقول القائد أوجلان في مرافعته الخامسة إن "حياة الشراكة الندية الحرة مع المرأة غير ممكنة إلا في الظروف والأجواء التي تُرفض فيها الملكية وتُفند، والتي يكتمل فيها تجاوز الجنسوية الاجتماعية المسخرة للتملك، وتوطد فيها المساواة المجتمعية (الوحدة ضمن الاختلاف) على جميع المستويات".

متى بدأت؟

وبالعودة إلى الوراء والبحث في التاريخ، نجد أن المرأة كان لها الدور الرئيس في تربية الأفراد والمحافطة على القيم الاجتماعية، ولكن مع مرور الزمن بدأ الرجل بإنكار دور المرأة واستغلالها وسلب حقوقها بهدف فرض سيطرته وهيمنته على المجتمع.

وقد برز دور الرجل في قيادة وإدارة المجتمع في بادئ الأمر خلال العصر السومري، حيث امتازت الحضارة السومرية ببروز الفروقات الطبقية في المجتمع وهيمنة الرجل والسلطة الحاكمة، وتسخير الطبقة السفلى لخدمة الطبقة العليا.

ونستذكر هنا، بعض الأحداث التاريخية التي لا يمكن غض النظر عنها عند تتبع مسيرة نضال المرأة، وهو إضراب النساء العاملات في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية عن الطعام في يوم 8 آذار سنة 1857 احتجاجًا على عدم المساواة بين الرجل والمرأة في ساعات العمل والأجر.

وتحول هذا اليوم إلى بداية نضال المرأة نحو نيل حقوقها المسلوبة، فقد انتفضت النساء في العديد من المناطق حول العالم آنذاك للمطالبة بحقوقهن.

وبالفعل، كانت هذه الانتفاضات عاملًا حاسمًا في إقرار الأمم المتحدة في 16 آذار 1977 يوم 8 آذار من كل عام يومًا عالميًّا لنضال المرأة.

إلا إنه لا تزال المرأة في العديد من دول العالم تعاني من ذهنية الإنكار، التي لا تتقبل وجود المرأة إلى جانب الرجل في العمل، ناهيك عن وجودها في المناصب الإدارية والسياسية.

'في كردستان'

نضال المرأة لم يهدأ في كردستان، خاصة بعد تعرفها إلى أيديولوجية القائد عبد الله أوجلان الذي ناضل وما زال يناضل من أجل حرية المرأة، وكانت أوائل الأحزاب والتنظيمات النسائية الكردستانية التي تشكلت هي "اتحاد النساء الوطنيات الكردستانيات" الذي تشكّل عام 1987، إلا أن هذا التنظيم ظل حكرًا على ساحة أوروبا.

كما وأعلن عن حزب المرأة العاملة الكردستانية في بدايات عام 1999، والذي تغيّر اسمه خلال مؤتمره الخامس إلى "حزب حرية المرأة الكردستانية".

وهنا، نخص بذكر الشخصية النضالية التي لعبت دورًا رياديًّا في مسيرة نضال المرأة الحرة في كردستان والعالم أجمع، ساكينة جانسيز، التي كانت من الأوائل اللواتي انضممن إلى نضال الحرية بريادة القائد عبد الله أوجلان، والمتجهة نحو بناء مجتمع حرّ، ووُصفت ساكينة كامرأة مكافحة ومناضلة من أجل المساواة وتحقيق العدالة، كما كان لها تأثير كبير في القوى الديمقراطية.

ساكينة جانسيز وفيدان دوغان وليلى شايلمز استشهدن في 9 كانون الثاني عام 2013 في العاصمة الفرنسية باريس على يد الاستخبارات التركية.

وفي روج آفا جاء تأسيس اتحاد ستار 15 كانون الثاني 2005، كضرورة من الضرورات الحياتية ليعبّر عن الآلام والطموحات التي تعيشها المرأة في المنطقة، ليتحول بعد ثورة 19 تموز 2012 إلى أيقونة نضال وكفاح المرأة.

ونتيجة نشاط المرأة في ثورة روج آفا والمستند إلى ميراث المرأة في صفوف حركة التحرر الكردستانية، سميت ثورة روج آفا باسم "ثورة المرأة".

'الرئاسة المشتركة'

واستنادًا إلى المرافعات الخمس للقائد عبد الله أوجلان، أجرى البروفيسوران، دونالد ماثيوس – توماس جيفري ميلي، في جامعة كامبريدج بحوثًا مطولة حول الكونفدرالية الديمقراطية، ونظام الرئاسة المشتركة، والتي نشرها المركز الكردي للدراسات.

وذكر البروفيسوران في البحث، إن "المشروع الديمقراطي الجذري يؤكد على التحرر بين الجنسين عبر تطبيق نظام الرئاسة المشتركة ونظام الحصص الذي يعزز بدوره المساواة بين الجنسين في جميع أشكال التمثيل السياسي، من خلال تنظيم جمعيات وأكاديميات المرأة إضافة إلى التعبئة العسكرية للنساء في قوات نسائية خاصة، هذه الكونفدرالية هي مشروع ديمقراطي جذري يعيد صياغة حق "تقرير المصير" كديمقراطية مباشرة ضد الدولة التي تنبذ (بصورة خلافية ومثالية) المساواة بين النضال سعيًا وراء الحرية الوطنية".

وفعليًّا، بعد عامين على الإعلان عن الإدارات الذاتية الديمقراطية في المقاطعات الثلاث (الجزيرة وكوباني وعفرين) عام 2014، أُقِرَ اتخاذ الرئاسة المشتركة نظامًا في إدارة كافة الهيئات الإدارية، وذلك في نيسان عام 2016.

وبعد تحقيق النظام البديل للأنظمة السلطوية – وهو الرئاسة المشتركة- في إدارة الأمور، لفت أنظار الكثيرين، وتوجهت العديد من المؤسسات والأحزاب السياسية إلى تطبيقها.

وتم تطبيق هذا النموذج الإداري في الكومينات والمجالس الشعبية والمؤسسات والهيئات الإدارية في كافة المناطق والقرى.

ولمشاركتها في موقع صنع القرار ضمن الإدارة الذاتية، تقول بريفان خالد " رغم مشاركة المرأة في كافة الثورات العالمية والعربية التي اندلعت عبر التاريخ، إلا أنها لم تستمر في نضالها، بل عادت وانحصر وجودها في المنزل، وذلك عكس ما فعلته المرأة في شمال وشرق سوريا التي مضت قدمًا، ولعبت دورًا رئيسًا في مكان صنع القرار وقيادة المجتمع خلال ثورتها".

إن دور ومشاركة المرأة في المجال السياسي والإداري في البلدان العربية والعالمية ضعيف جدًّا، ويقتصر وجودها على الشكلي، إلا أن المرأة في شمال وشرق سوريا، لم تقبل بذلك وحاربت هذه الذهنية بكل جدارة، وهذا يتضح جليًّا خلال مشاركتها المؤثرة في إدارة المنطقة، بحسب ما وصفته بريفان خالد.

وتحدثت بريفان عن تجربتها كشريكة للرجل في إدارة المنطقة، وقالت: "عانينا صعوبات من الذهنية الذكورية المستمرة إلى الآن في هذا العمل، إلا أن هذا الموضوع يتعلق بمدى نضالنا نحن النساء لنحمي مكتسباتنا في الثورة، حيث إن المسؤولية كبيرة، وحماية مكتسبات شمال وشرق سوريا تقع على عاتق المرأة".

وأكدت بريفان خالد قدرة المرأة في شمال وشرق سوريا على قيادة المضمار السياسي والدبلوماسي والإداري والعسكري.

'رصد'

وفي رصد آراء الشارع حول مشاركة المرأة في مكان صنع القرار وإدارة سياسة المنطقة، قال أغلب المواطنين أن نسبة تمثيل المرأة تتضاعف في اللجان السياسية ومراكز اتخاذ القرار السياسي.

وأكدوا أن مشاركة المرأة في العمل السياسي حقيقي، لكن كانت هناك توصيات بأنه يجب ألا تقل مشاركتها عن 45% لأنها تعدّ ركيزة أساسية في المجتمع، ولها الدّور الأكبر في العملية السياسية.

وعزا معظمهم ذلك إلى أنه سابقًا كان يُنظر إلى العمل السياسي بأنه صعب، وكان قائمًا على السرية، وقد عانى كل من كان يلفظ كلمة "السياسة"، لينته به الأمر إلى الاختفاء القسري على يد الأجهزة الأمنية، ويضاف إلى ذلك العادات والتقاليد المتوارثة، واقتصار مسؤولية المرأة على تربية الأولاد والاهتمام بالمنزل، التي تعد من الأسباب المهمة التي أضعفت دورها ومشاركتها في الحياة السياسية.

وركزت الآراء على أن عدم مشاركة المرأة في المجال السياسي يؤدي إلى ضعف العملية السياسية، دون إمكانية الوصول إلى حلول ممكنة لتسويات سياسية عادلة وديمقراطية، وأن المرأة إدارية ناجحة، فهي عندما تدير المجتمع لا تفرق بين أي فئة أو طرف فيها.

وهناك أبحاث ودراسات حول مشاركة المرأة في المجال السياسي تثبت "أن المرأة تكون ناجحة أكثر من الرجل في المجالات السياسية والعسكرية والدبلوماسية، وتشير إلى أن سبب تفوقها على الرجل في هذه المجالات هو أنها أكثر صدقًا منه في العمل، كما أن الرأسمالية ليس من السهل عليها أن تسيطر على المراة، لا سيما أنها العامل الإيجابي الأقوى في تنظيم السياسة".

والخلاصة هي أن المرأة عامل أساسي في نهوض الثورات وانتصارها، فوجودها في هذه الساحة تحديدًا هو حلٌّ للقضايا الاجتماعية، لأن وجودها ضمن جهود الوصول إلى الحرية والمساواة يعتبر أساسًا لطريقة البحث الصحيح، كون البحث الذي تُستبعد منه المرأة لا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة، ولا يمكن أن يحقق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية.

ANHA


إقرأ أيضاً