الصمت المعيب والصبر المريب

الكاتب والمحلل السياسي بشار جرار يكتب من واشنطن عن معركة إدلب ومصير أردوغان

حدثني متقاعد مدني بعد سنوات من تقاعده من الخدمة العسكرية عن حادثة لا تغيب أبدًا عن بالي كلما حارني أمر في السياسة، كنّا في عنفوان الشباب وقد علا صوتنا سجالًا حول قضية سياسية لا أذكرها، التفت إلينا العم الطيب وقد جمعتنا الزمالة والجيرة في الزمن الجميل وقال -وهنا أترجم- من اللهجة الأردنية القحّ إلى العربية الفصحى ولا فرق كبير بينهما،

 قال الرجل الطيب: دعكم مما يقول السياسيون وانظروا في النتائج، اسمعوا هذه "النكتة" جيدًا:

قادت الأقدار أحد مُحدَثي النعم من الشباب القاطنين في منطقة نائية بعد بيعه أرضًا ورثها عن والده، إلى السفر سياحة حول العالم، حتى أتى به القدر إلى أمريكا، ولسوء طالعه وصل إلى مطار هيوستن بولاية تكساس.

اغترّ بشبابه وماله وصدّق ما قيل عن اختلاف معايير الشرف والغيرة بين الأمم، وظن الأخرق الأحمق أن التسامح والانفتاح قلة ناموس وما علم أنه الناموس كله، فاندسّ بين باقة من الفتيات الحسناوات مع ثلة من رفاقهن "القبضايات" ولمس إحداهن بطريقة غير لائقة تُعرف بالتحرش والاعتداء الجنسي في أمريكا وعقوبتها مغلّظة في بلاد الدنيا كلها، تفاجأ أن رفيقها تقدم منه بلطف وقال: حسنًا أظنك غريبًا ولا تقصد ما فعلت، سامحك الله ولا تفعلها مرة أخرى.

ازداد غرور الغريب ولم يكن أديبًا أبدًا وزيّن له شيطانه التمادي، فزاد على فعلته وقام بحضن حسناء أخرى من جماعة أخرى من المسافرين، فثار غضب صاحبها وانفعل وصرخ في وجه الأخرق الأحمق حتى داهمته المنية بنوبة قلبية حادة جراء انفعاله حمية على عرضه.

انسلّ الأخرق الأحمق جانبًا شامتًا بما يرى لسوء أخلاقه وقال مزهوًا، ما هذه البلاد وما هذه الناس؟ هذا يسامح وذاك يموت انفعالًا ولا يفعل شيئًا، مضى في طريقه حتى بهره جمال فاتنة هيفاء وقد خطا خطوته الأولى خارج مبنى "القادمين" في المطار، ظنها فرصته المُثلى، فسارع في قبلة، مدّعيًا أنه ظنها صاحبته القديمة، عاجله زوجها بطلقة بين عينيه دون أن ينبس ببنت شفة، فقد وقع بين يدي "كاوبوي" أبًا عن جد في تكساس ولاية النجمة الأولى!

ضحكنا ولم نفهم بعد الحكاية، فسارع الرجل الطيب إلى القول، كان المتسامح بريطانيًّا، وشهيد الغيرة فرنسيًّا، والمدافع عن شرفه بالرصاص أمريكيًّا، لم يكن البريطاني متسامحًا في حقيقة الأمر بقدر ما طبّق مثلًا أمريكيًّا يدعو إلى رخي الحبل للأحمق حتى يشنق نفسه بنفسه، " انتهت النكتة – الحكمة!

بصراحة، لا تغيب هذه الحكاية عن خاطري كلما حارني صمت الشرق وصبر الغرب على حماقة رجب طيب أردوغان، إنه صمت معيب وصبر مريب، إلا إذا كان الجميع بانتظار تحقيق إحدى الرؤيتين: ظهور كاوبوي في صفوف الجيش التركي أو اتفاق الروس والكرد والأرمن والقبارصة واليونان والألمان والطليان والفرنسيين والعراقيين والسوريين والليبيين على تأديبه بالحبل الأمريكي الطويل.

إلى حين ذلك، فإن القصف الروسي لمواقع أزلام أردوغان ومرتزقته في إدلب ليس عبثًا، هذه صفعة لكف أذاه عن جنوب القوقاز، لقد تسلل الإرهاب الذي رعاه سلطان العثمانيين الجدد إلى حضنه هاتاي وما بعدها، وسترتفع وتيرته ما لم يكف تحريضه على فرنسا الذي اتضح أن إرهاصاته الأولى كانت في إعادة احتلال آيا صوفيا، لقد أرادها حربًا بين "نحن وهم"، لكنه واهم.

تفلّتُ طاغية الأناضول على المدن والقرى الكردية في سورية والعراق قد يطلق المارد الكردي مجددًا، وليس بالضرورة حربًا نظامية هذه المرة، فكل شيء مباح في الدفاع عن قيم الشرف والحياة التي لا يفهمها "كذاب إسطنبول" كما وصفه زميل عزيز في بريطانيا العظمى.

كيف يفهم قيم الحياة والشرف وهو راعي أكبر دولة "مسلمة" تشرّع الدعارة وتذرف دموع التماسيح على لاجئ من جنوب القوقاز "شيشاني" قام بذبح أستاذ المدرسة الفرنسي الشهيد صاموئيل باتي، مدّعيًا الغيرة على رسول بُعث "ليُتمم مكارم الأخلاق" ويبشر الناس بـ "رسالة سمحاء" لـ "خير أمة أُخرجت للناس".

الإساءة الحقيقية للإسلام ورسوله "المصطفى" هم العثمانيون الجدد والإرهابيون الجدد والمرتزقة الجدد، من سِماهم وثمارهم تعرفونهم.

ANHA


إقرأ أيضاً