الواشنطن بوست: كيف خسرت تركيا روسيا والغرب ؟

قالت صحيفة الواشنطن بوست إن أردوغان لعب منذ فترة طويلة لعبة خطيرة بالسير على الحبلين الروسي والغربي في آن واحد، ولكن في النهاية، يبدو أنه فقد كليهما.

في هذا الشهر، وبينما كانت روسيا وتركيا على حافة مواجهة عسكرية مباشرة في سوريا، رحب فلاديمير بوتين بنظيره التركي أردوغان في الكرملين، ولكن الكاتب التركي جان دوندار رأى في مقال لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية أن كلمة "ترحيب" هي كلمة غير صحيحة.

وأثار مقطع فيديو مدته 120 ثانية تم بثه على التلفزيون الرسمي الروسي ضجة في تركيا، في اللقطات يُرى أردوغان ووفده منتظرين مدة طويلة في الكرملين قبل لقاء بوتين.

وفي هذا السياق يوضح الكاتب التركي أن أردوغان ووفده لم يكونوا ينتظرون لقاء بوتين بمحض إرادتهم، بل كانوا مضطرين  إلى الانتظار، فالتململ والأسى كانا واضحين على محياهم.

وفي وقت ما، سئم أردوغان من الوقوف وجلس، وأشارت وسائل الإعلام المؤيدة لأردوغان إلى أن بوتين معروف عنه هذه التصرفات، ولكن هذه المرة، حرص التلفزيون الروسي على إرسال العديد من الكاميرات لتوثيق المشهد، وذلك مع وضع ساعة للعد التنازلي، لقد كان ببساطة إهانة، بحسب تعبير الكاتب.

وكان من المفترض أن يكون أردوغان في موسكو للمطالبة بالمساءلة، ففي 27 فبراير قتلت قوات الحكومة السورية التي تعمل بدعم روسي 36 جندياً تركياً في شمال غرب سوريا، حيث كانت هناك مخاوف من أن يعلن أردوغان الحرب.

وفي النهاية، وعلى الرغم من ذلك اختار أردوغان الذهاب إلى بوتين من أجل تخفيف التوترات، وما جعل الانتظار قبل الاجتماع أكثر إيلاما هو عودة أردوغان من موسكو خالي الوفاض.

ويقول الكاتب التركي إن تركيا خسرت جنوداً في هجوم كان الروس شركاء فيه، وعلى الرغم من هذا ذهب أردوغان للقاء الروس، ويؤكد أن هذه كانت مجرد حلقة أخيرة ضمن علاقة معقدة، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، تناوبت العلاقات بين مبادرات الصداقة والعداء الصريح.

وشهدت الدولتان ارتفاعاً حاداً في التوترات في نوفمبر 2015، عندما أسقطت تركيا طائرة روسية، قالت تركيا بأنها انتهكت مجالها الجوي، ووصلت العلاقات إلى نقطة الانهيار عندما اتهم بوتين تركيا علانية بأنها تشتري النفط من داعش، على النقيض مما  يفعله الزعماء الأوروبيين، أرفق بوتين كلماته بهجوم اقتصادي، وقام بحظر السياحة والتجارة الذي أجبر أردوغان على الاعتذار في نهاية المطاف.

وحاول بعض خصوم أردوغان الانقلاب عليه، وفي تلك الليلة، حيث كان القادة الغربيون يراقبون بصمت، لمعرفة ما سيحدث، كان بوتين هو الشخص الوحيد الذي أرسل لأردوغان رسالة دعم، وفي تحوّل جذري في سياسة بلاده الخارجية، قرر أردوغان إقامة علاقة جديدة وثيقة مع موسكو، حيث التقى بعدها أردوغان وبوتين 12 مرة.

ونمت التجارة والسياحة بين روسيا وتركيا بسرعة، وتحولت موسكو وأنقرة من عدوتين إلى صديقتين بين عشية وضحاها.

ويشير الكاتب إلى أن أردوغان وجد أخيراً شريكاً لا يطرح أسئلة مزعجة حول حقوق الإنسان وسيادة القانون أو حرية الصحافة، وكذلك لم يخاطب بوتين أردوغان بـ "لا تكن أحمق".

ولعبت سوريا دوراً هاماً في هذه العلاقة الجديدة، لقد ملأت روسيا الفراغ الذي خلفه القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا.

ولكن تركيا تشعر بالتهديد الآن، حيث تقدمت بطلب صواريخ باتريوت من الولايات المتحدة، لكن الأخيرة رفضت بإصرار، وبدأت أنقرة تشعر بالعزلة من قبل الغرب.

وفي هذه الفترة، قام بوتين بجرّ كل أردوغان وإيران صاغرين إلى محادثات أستانا حول سوريا، وهكذا تمكن من جرّ حليف الناتو إلى جانبه وتعزيز موقفه. وفي يوليو 2017 ، أثار أردوغان قلق الناتو بإعلانه عن اتفاقه مع روسيا لشراء أنظمة الدفاع الصاروخي S-400، كانت هذه هي المرة الأولى التي يوقع فيها أحد أعضاء الناتو صفقة أسلحة مع روسيا.

تجاهل أردوغان الانتقادات، حيث يعتقد الكاتب أنه كان يلعب لعبة بارعة من خلال الإشارة إلى الغرب أن لديه بدائل، ومع ذلك فقد خدع نفسه بثقته الزائدة ببوتين، مع إضعاف تركيا لعلاقاتها مع الغرب، بدأ بوتين يصر على أن يتخلى أردوغان عن عدائه لنظام بشار الأسد، وطالبه بالتوقف عن دعم المتطرفين. وكان هجوم الشهر الماضي على الجنود الأتراك النتيجة المنطقية، حيث رأى بوتين أن أردوغان لم يبق له خيار سوى روسيا.

كان رد الفعل الغربي الأول هو تذكير تركيا بعدم موثوقية صديقها الجديد، ومن جهته لعب أردوغان بطاقته الأخيرة، وفتح الحدود أمام اللاجئين، والتي كان يستخدمها لابتزاز أوروبا لفترة طويلة، ولكن حتى هذه الخطوة الأخيرة، التي وضعت مئات الآلاف من الأرواح على المحك، جاءت بنتائج عكسية، بعد السفر إلى بروكسل الأسبوع الماضي لمناقشة قضية اللاجئين مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي.

 انسحب أردوغان من الاجتماع عندما فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق.

منذ فترة طويلة، لعب أردوغان لعبة خطيرة هو اللعب على الحبلين الروسي والغربي في آن واحد، وفي النهاية، يبدو أنه فقد كليهما.

(م ش)  


إقرأ أيضاً