بعد ليبيا واليمن تركيا ترسل مرتزقة سوريين إلى أذربيجان وخبراء يحذرون: نواة لتنظيم أكثر عنفًا

بعد إرسال مرتزقة سوريين إلى ليبيا واليمن للقتال لصالحها، كشفت مصادر لوكالتنا عن إرسال تركيا 275 مرتزقًا إلى أذربيجان بعد تدريبهم في عفرين المحتلة، وفي هذا السياق يرى باحثون أن تركيا تريد إقامة إمارة إسلامية في المنطقة "وسيكون هؤلاء المرتزقة نواة لتنظيم أكثر عنفًا وتطرفًا من القاعدة وداعش".

منذ بدء ثورات الشعوب في المنطقة عام 2010 تغلغلت تركيا في المجتمعات العربية مستخدمة الشعارات الدينية بالاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين، وشكلت عشرات المجموعات المرتزقة في مختلف البلدان العربية التي تشهد أزمات.

ولكن تبقى المجموعات المرتزقة التي شكلتها في سوريا الأكثر لفتًا للانتباه، فبعد أن دربتهم في الأراضي التركية وقدمت لهم السلاح والمال لمهاجمة النظام السوري في البداية، ولاحقًا الكرد في شمال وشرق سوريا، بدأت تستخدم الآن خارج الأراضي السورية.

وأرسلت تركيا مرتزقتها إلى ليبيا للقتال إلى جانب حكومة الوفاق الوطني التي تسعى لتمكين تركيا من السيطرة على مصادر الطاقة الليبية.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتابع الأوضاع في سوريا، إرسال تركيا لنحو 19 ألف مرتزق من حملة الجنسية السورية إلى ليبيا.

وتعد تركيا المرتزقة بالحصول على الجنسية التركية مقابل مشاركتهم في المعارك في ليبيا بالإضافة إلى رواتب تبلغ 2000 دولار شهريًّا، قبل أن يتم تخفيضها إلى 600 دولار لاحقًا.

وبعد ليبيا أرسلت تركيا 600 مرتزقًا من "أحرار الشرقية والسلطان مراد والنخبة وكتيبة سمرقند"، إلى اليمن للقتال هناك وتأمين موطئ قدم تركي، خصوصاً بالقرب من مضيق باب المندب.

ولم تتوقف تركيا عن إرسال المرتزقة السوريين إلى المناطق التي تريد السيطرة عليها، وكانت وكالتنا قد نشرت سابقًا تقريرًا يفيد بأن العشرات من مرتزقة "الجيش الوطني" في المناطق السورية المحتلة من قبل تركيا، يستعدون للانطلاق من عفرين وإدلب صوب الأراضي التركية، ليتم إرسالهم إلى أذربيجان.

وفي هذا السياق أكدت مصادر موثوقة بأن تركيا أرسلت 275 مرتزقًا إلى أذربيجان بعد الاشتباكات التي اندلعت بينها وبين أرمينيا خلال الفترة الماضية.

وفي التفاصيل، قالت المصادر إن الاحتلال التركي أرسل 175 مرتزقًا بعد تدريبهم لمدة شهرين في قرية عرب ويران التابعة لناحية شرا بمقاطعة عفرين المحتلة إلى أذربيجان.

وأكدت المصادر أن الاحتلال التركي أرسل بعدها 100 مرتزق آخرين يحملون الجنسية السورية وينتمون لمرتزقة "محمد الفاتح" بعد أن تلقوا التدريب في قرية بخجا التابعة لناحية بلبلة بمقاطعة عفرين المحتلة.

وفي هذا السياق يرى مدير المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة، هاني سليمان، بأن تركيا فشلت في تصدير استراتيجية "تصفير المشاكل" والتي طالما حاولت تصديرها كأحد أدوات تجميل صورتها وتقديم نفسها كنموذج معتدل.

وأضاف: "لكن سرعان ما كشفت تركيا عن وجهٍ مغاير تمامًا مع تراجع رهاناتها في الإقليم بدعم حركات الإسلام السياسي وبخاصة في تونس ومصر، وتحطم مشروعها الذي استثمرت فيه لفترات طويلة؛ الأمر الذي جعلها تتحول بشكل حاد تجاه استراتيجيتي فرض النفوذ، وتسريب الضغوط، وهو ما ساهم في توظيف تركيا للمرتزقة السوريين كأحد الأدوات المهمة لتنفيذ أهدافها ونشر الفوضى لفرض وجودها في الداخل الليبي، اليمن، وأذربيجان".

ولفت سليمان إلى أن استخدام تركيا للمرتزقة السوريين نابع من جوهر فكرة توظيف الميليشيات والفاعلين من غير الدول والتي باتت وسيلة ناجعة في خلق عدم استقرار ممتد، وخلال بيئة عمليات وفوضى غير نظامية، وبحد أدنى من الخسائر والتكلفة.

وبحسب سليمان "يعد السلوك التركي بهذا الشكل أحد أخطر المهددات المنطقة كلها والإقليم، في سوريا وليبيا، واليمن، وأيضًا في محيط النفوذ الروسي في أذربيجان، وفي العمق الأوروبي من تواتر استخدام تلك الورقة واللاجئين للضغط على أوروبا، وهو ما يجعلها مغامرة غير محسوبة قد ترتد آثارها السلبية على تركيا في أي وقت".

'أردوغان والمتطرفين.. استغلال مزدوج'

يقول الباحث المصري والمختص في شؤون الحركات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب: "إن تركيا تدعم مشروع الإسلام السياسي والتنظيمات المنتمية له والجماعات المتطرفة بشكل عام، وبالتالي هناك ما يربط أردوغان بمشروعهم".

وأشار إلى أن "شبان التنظيمات المتطرفة" يسعون إلى إعادة الخلافة الإسلامية، أما أردوغان فيريد إعادة الخلافة الإسلامية في شكل الخلافة العثمانية، وبالتالي، يستغل أردوغان طموح "المتطرفين" لتحقيق أهدافه بعودة الخلافة العثمانية وإعادة حلم أجداده، بينما "التنظيمات المتطرفة" وشبابها يستخدمون أردوغان لتنفيذ الأيديولوجيا الخاصة بهم واستعادة ما يسمي الخلافة الإسلامية، وبالتالي بحسب أديب: "فإن ما يحدث يمثل نقاط التقاء كبيرة ما بين أردوغان وهؤلاء الشباب، كل منهما يستغل الآخر ويستخدمه ولكن استغلال أردوغان للشباب أكبر".

ومن جانبه حلل مدير المركز العربي للبحوث والدراسات في القاهرة، هاني سليمان، استغلال تركيا للشبان السوريين ولخصها بثلاثة عناصر أساسية.

العنصر الأول هو أن تركيا استطاعت السيطرة على عقول هؤلاء الشباب القادمين من سوريا عبر الكثير من الآليات، أولها فكرة استغلال حالة الدمار والخراب التي حلت بسوريا والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها العديد من السوريين والتي تمثل لهم مسألة حياة أو موت، وبالتالي أردوغان استغل الأزمة السورية لاستقطاب أكبر عدد من المرتزقة والمقاتلين الذين لم يجدوا أمامهم سوى هذه الفرصة للحصول على لقمة عيشهم نتيجة للظروف الصعبة والخانقة التي يعيشون تحت وطأتها في الداخل السوري".

أما العنصر الثاني فهو فكرة الأيديولوجيا والعوامل الأيديولوجية فيما يتعلق بعقلية وأفكار هؤلاء الشبان على اعتبار أن بعضهم مؤمن بمثل هذه الأفكار وإقامة الدولة الدينية الإسلامية واستعادة الأمجاد وقتال الحكومات غير الشرعية وأعداء الدين من وجهة نظرهم الخاصة والكثير من المسميات التي يقبعون داخل موروثاتها وثقافاتها وسيطرة هذه الأفكار الضيقة عليهم وتغذية تركيا لها.

أما العنصر الثالث فهو فكرة التأثيرات الخطيرة التي تعرض لها هؤلاء الشباب في الداخل السوري على اعتبار أنهم تعرضوا لمرحلة انتقالية صعبة كانت مليئة بالدماء والسلاح والصراع الأيديولوجي، وكانوا يعيشون في ظل متغيرات عديدة تحت وطأة ضغوط شديدة، كل هذه التفاعلات أثرت على عقلية الشاب السوري الذي وجد نفسه غارقًا في الدماء والرغبة في الانتقام والقتل وحالة تشتت شديدة وحالة نفسية صعبة لا يستطيع من خلالها أن يقاوم.

كما أن الكثير من الشباب السوري غارق في مثل هذه التصورات بأن تركيا هي المدافع الأول عن الدين الإسلامي والحق والعدالة ونصرة المستضعفين وجملة من الشعارات التي تستطيع من خلالها السيطرة على مثل هذه العناصر، وهو مبدأ متعارف عليه تتبعه بعض الدول مثل إيران لاستقطاب الطائفيين والأيديولوجيا لاستخدام المقاتلين في الكتائب المسلحة التي تدعمها.

'نواة لتنظيم سيكون أكثر عنفًا في المستقبل'

وحول خطورة هؤلاء المرتزقة على المجتمع الدولي، قال الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب: "هناك خطورة كبيرة من هؤلاء الشباب في المستقبل على القوى الإقليمية والدولية، لأنهم يمثلون نواة لتنظيم سوف يكون الأكثر عنفًا في المستقبل على غرار ما يسمى بتنظيم القاعدة".

وأوضح أنه "عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بنقل ما يسمى بـ «شباب المجاهدين» إلى أفغانستان وبعد انتهاء الحرب في أفغانستان، أصبح هؤلاء المتطرفين نواة لإنشاء تنظيم القاعدة كما أراد عبدالله عزام بالاتفاق مع أسامة بن لادن باستغلال هؤلاء الشباب وسمي التنظيم آنذاك «قاعدة الجهاد»، كون أن هذه هي قاعدة بيانات من «المجاهدين» الذين أرسلوا لتحرير أفغانستان، وأعتقد أن نفس الأمر الآن يسير على قدم وساق بزعامة الرئيس التركي وسوف نرى تنظيم إرهابي أكثر عنفًا وتطرفًا من كل التنظيمات التي نشأت في السابق سواء القاعدة، أو داعش، أو حركة الإخوان".

وأضاف: "أردوغان يركز على الشباب العربي لأنهم الوقود الحقيقي للنار ونجحوا في تهديد الأمن القومي العربي، والأمن الأوروبي أيضًا، خاصة وأنه يسهل استقطابهم بصورة كبيرة، وأعتقد أن تخطيطات أردوغان جاءت بنتائج كبيرة وملموسة، والتنظيمات المتطرفة التي سبق ونشأت من قبل كان نواتها العرب المسلمين، وبالتالي فإن هذه التنظيمات مثلت تهديدًا كبيرًا للأمن القومي العربي والأوروبي على اعتبار أن هؤلاء هددوا أوروبا وأمريكا أيضًا وبالتالي فهو يركز على العرب والمسلمين الذيم يفهمون الدين بشكل خاطئ من أجل تدشين تنظيمات دينية أكثر تطرفًا".

فيما يقول مدير المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة هاني سليمان: "ما يحدث يذكرنا بالأجيال الأولى من الذين اندمجوا والتحقوا بالحركات الإسلامية ضد السوفييت في أفغانستان وما سمي بالعائدين من ألبانيا، وبعض الدول التي كان يوجد فيها حركات جهادية، ثم عادوا بفكر متطرف وشكلوا تهديدًا كبيرًا لدول المنشأ بعد عودتهم، المسلحون السوريون سيشكلون جملة من التهديدات على المحيط الأوروبي والمحيط العربي، على اعتبار أنهم يساهمون في تعميق الأزمات الخاصة بتلك الدول، لما يحملونه من أفكار متطرفة وعنيفة، كما سيشكلون تهديدات كبيرة لسوريا عند عودتهم".

تورط المجتمع الدولي

وتطرق منير أديب إلى موقف المجتمع الدولي الصامت تجاه هذه التحركات وقال: "بالفعل لم يكن هناك أي موقف من المجتمع الدولي أمام تحركات تركيا، وهو ما يضع المجتمع الدولي في موضع المساءلة لماذا لم يحاسب ولم يراقب تركيا على ما فعلته؟".

وأضاف "هذا يدل على أن المجتمع الدولي متورط ويستغل هذه التنظيمات المتطرفة بصورة كبيرة، فربما أن المجتمع الدولي يريد أن يستثمر المجموعات المتطرفة بصورة كبيرة في تحقيق مصالحه الشخصية في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن الدول الكبرى متورطة مع تركيا، وأعتقد أن الدول التي تضع على كاهلها مسؤولية محاربة الإرهاب هي الدول العربية والإسلامية التي ترى أن هناك خطرًا شديدًا من قبل هذه التنظيمات وفي مقدمة هذه الدول مصر والإمارات والسعودية وبعض الدول العربية الأخرى".

إمارة إسلامية بديلة لداعش

ويشير منير أديب إلى دور المرتزقة في تحقيق المخططات التركية المستقبلية ويقول: "تركيا لها مصلحة سياسية، وجميع التنظيمات المتطرفة تمثل بعد أمني وقومي لها لأنها تعلم جيدًا أنها لا تستطيع أن تحقق أهدافها إلا من خلال هؤلاء الشباب بهذه الصورة وبالتالي هي تراودهم من خلال أحلامهم، وتسيطر عليهم باستخدام لغة الدين والترويج لفكرة عودة الخلافة الإسلامية".

وأكد بأن تركيا تسعى للسيطرة على شرق المتوسط وإقامة إمارة إسلامية وهو طموح سياسي في المقام الأول ولكنها تستخدم هؤلاء الشباب عبر بوابة الدين، لافتًا إلى أنها نقلت عددًا كبيرًا من هؤلاء الشباب لتحقيق طموحها السياسي في القرن الإفريقي، ودول الساحل والصحراء، والقارة السمراء، فضلًا عن استخدامهم بكثرة داخل تركيا لدعم شعبيته في الداخل التركي.

ولفت أن هذه الإمارة الإسلامية تريد تركيا منها أن تكون بديلة لدولة داعش التي أعلن عن سقوطها في 22 آذار/مارس 2019، وبالتالي فإن تركيا تحاول أن تتجنب كل الأسباب التي أدت إلى سقوط مملكة داعش، من خلال زرع عوامل قوة أخرى تريد أن تزرعها في هذه الإمارة الإسلامية الجديدة التي تحاول دعمها في ليبيا وبعض الدول الإفريقية.

وأوضح أديب أنه في حال نجحت تركيا في تحقيق طموحاتها فإن هذا سيمثل تهديدًا للمجتمع الدولي بأكمله، لأنها تستطيع أن تهدد أوروبا إذا نجحت في السيطرة على ليبيا، وأن تهدد دول الخليج بأكمله إذا تمكنت من إقامة هذه الإمارة، ونفس التهديد سوف يجري على مصر، وبالتالي فإن هذا سيقوض جهود مكافحة الإرهاب.

ويتفق هاني سليمان مع أديب ويقول: "تركيا بالفعل تستخدم هؤلاء الشباب كمرتزقة للقتال في جبهات لتوسيع النفوذ التركي في أكثر من إقليم مثل سوريا وليبيا، كما أن تركيا تستخدم مثل هذه العناصر كورقة ضغط ضد الاتحاد الأوروبي وبعض الدول مثل ألمانيا بالتحديد للتلويح بأنها يمكن أن تفتح الأبواب لمثل هؤلاء المقاتلين والمرتزقة الذين يشكلون تهديدًا كبيرًا لأوروبا لمحاولة الحصول على بعض المكاسب السياسية والاقتصادية والمادية والتوسع في الإقليم وتحقيق مصالحها بشكل مستقل دون وجود معوقات من هذه الدول الأوروبية".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً