التهجير القسري.. جريمة حرب تركية تحت ضجيج القصف والمجازر

على وقع دوي المدافع والقصف بشتى أنواع الأسلحة التقليدية منها وغير التقليدية, وارتكاب المجازر ضد المدنيين والسياسيين والتي صنفت على أنها جرائم حرب, ترتكب الدولة التركية جريمة حرب أخرى تفوق كل ما سبق لكن تحت ضجيج القصف والمجازر وهي التهجير القسري والتغيير الديمغرافي في سوريا.

بتنا نسمع خلال الفترة الماضية عن جرائم الحرب كثيراً, وتم التركيز على استخدام الأسلحة المحرمة دولياً وتعذيب الأسرى والتمثيل بالجثث, إلا أنه في الحقيقة هناك جريمة مروعة أخرى تمارس بصمت وخبث وهي التهجير القسري وتغيير ديمغرافية المناطق السورية.

وبحسب الأنظمة والقوانين الدولية فإن جرائم الحرب لها أنواع وهي تعذيب الأسرى أو إساءة معاملتهم أو إعدامهم, بالإضافة إلى الجرائم الموجهة ضد المدنيين كاغتصاب النساء والتعدي على الممتلكات الشخصية, والتشغيل والتهجير القسري, والتعذيب والإبادة الجماعية.

ويعرّف التهجير القسري دولياً بأنه "ممارسة ممنهجة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء أراض معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلاً عنها".

والتهجير القسري يختلف عن الإبعاد أو النزوح الاضطراري أو الإرادي، باعتبار أن التهجير يكون عادة داخل حدود الإقليم، بهدف تغيير التركيبة السكانية لإقليم أو مدينة معينة.

كيف ينظر القانون الدولي إلى التهجير القسري

عرف القانون الدولي التهجير القسري بأنه إخلاء غير قانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها، وهو يندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

ووفق ما ورد في نظام روما الإنساني للمحكمة الجنائية الدولية، فإن "إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين يشكل جريمة ضد الإنسانية".

كما أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص، أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أراض أخرى.

البداية من عفرين.. حرب جغرافية وديمغرافية

في الحقيقة ومنذ انطلاق الأزمة السورية وجهت تركيا قواتها إلى الداخل السوري لكن أنظارها كانت باتجاه آخر, فمنذ البداية سارعت لاحتواء اللاجئين وتحدثت مبكراً عن ما تسمى المنطقة الآمنة لتوطين اللاجئين فيها, ومن البديهي أن يتم طرح السؤال كيف يتم توطين هؤلاء في مناطق يسكنها أهلها, إذاً الحرب منذ البداية غايتها واضحة وهي إحداث تغيير ديمغرافي لتحقيق طموح أردوغان التوسعي في مناطق يراها بأنها إرث لأجداده العثمانيون.

بعد أن دعم المجموعات المرتزقة ضد قوات النظام وسيطرت على مساحات واسعة من سوريا, قام بالتوافق مع حليفي النظام روسيا وإيران عبر اتفاقية (خفض التصعيد) والتي سلم المناطق تباعاً للنظام من خلالها, وقام بترحيل آلاف المرتزقة وعوائلهم من أرياف دمشق وحلب وحمص إلى منطقة عفرين التي تزامن ذلك مع الهجوم عليها واحتلالها.

وبدأت ملامح هذه العملية تتأكد منذ مسرحية الاستلام والتسليم بين تركيا وداعش في جرابلس والباب التي احتلتها تركيا ومرتزقتها.

وعند بدء تركيا بشن هجماتها على عفرين قامت الطائرات والمدفعية التركية بعملية استهداف ممنهج لمقومات الحياة في عفرين من محطات المياه والأفران ومحطات الاتصالات والمشافي وغيرها من البنية التحتية.

كما وقامت تركيا ومرتزقتها بفرض الضرائب على المدنيين واحتكار كل موارد الحياة في عفرين, كما قامت بتنفيذ تفجيرات وسط الأهالي لإجبارهم على ترك منازلهم.

وأكملت تركيا بمرحلة أخرى وهي تكريس احتلالها عبر تشكيل كيانات ومجالس ورفع الأعلام التركية عليها وافتتاح الجامعات.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان يوم 4 تشرين الثاني 2019 أن قوات الاحتلال التركي ومرتزقته في عفرين تعمد إلى ارتكاب كافة أنواع الانتهاكات ضد أبناء المدينة، سعياً إلى إجبارهم على الرحيل من منازلهم وأراضيهم ضمن مخطط إجراء عملية تغيير ديمغرافي في المنطقة.

وعلم المرصد السوري لحقوق الإنسان، من مصادر موثوقة، أن مخطط تركيا يسعى في الفترة الراهنة إلى إجبار أهالي “عفرين” على الرحيل بالكامل ومنع عودتهم إليها ومنع عودة المهجرين من أبناء “عفرين”، بأمر مباشر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وبحسب مصادر موثوقة للمرصد، فإن الانتهاكات التي ينفذها مرتزقة تركيا بحق أبناء “عفرين”، تأتي بإيعاز من الاستخبارات التركية لإجبار من تبقى من أهالي المنطقة على الرحيل.

وبحسب مصادر “المرصد السوري”، فإن المرتزقة في “عفرين لم يتركوا انتهاكاً بحق المدنيين من أبناء المدينة إلا وارتكبوه بحقهم، بداية من السرقة والسلب والنهب والاختطاف والقتل ومصادرة المنازل وفرض الضرائب الباهظة.

سري كانيه وكري سبي.. مرحلة أخرى لإكمال المشروع التركي

بعد عفرين قامت تركيا بمحاولة إكمال مشروعها وذلك بالتوجه إلى مدينتي سريه كانيه وكري سبي/تل أبيض.

أردوغان كان واضحاً وصريحاً منذ البداية وهو يتحدث عن مليون ونصف شخص لاجئون في تركيا يسعى لإدخالهم إلى هاتين المنطقتين وتوطينهم فيها على حساب أبناء المنطقة.

وأكد ذلك تصريحات أردوعان العنصرية ضد الكرد حيث برر سبب هجمات بلاده على شمال وشرق سوريا بنزوح عشرات الآلاف من المواطنين الكرد بعائلاتهم وأطفالهم بقوله "إن هذه المناطق صحراوية تلائم عيش المواطنين العرب ولا تلائم أسلوب حياة المواطنين الكرد".

ويختلف البعض حول توصيف أهداف التهجير القسري حيث يرى السوريون بأنها حرب ترفع شعار التوسع لإحفاد العثمانيين, بينما يراها الفلسطينيون أنها حرب شعارها (أرض بلا شعب وشعب بلا أرض).

وأجبر أردوغان سكان المنطقة على النزوح من منازلهم تحت قصف وابل صواريخ الطائرات وقذائف المدفعية التي دمرت المنازل فوق رؤوس أصحابها، كما ينفذ التفجيرات كما حصل في سلوك وكري سبي، لإجبار البقية المتبقية من النزوح أيضاً لتوطين آخرين في منازلهم.

والملفت للانتباه أن دولة الاحتلال التركي تعمل الآن على تسجيل أسماء الراغبين من إدلب وحمص وغيرها من المناطق السورية، بالعيش في سريه كانيه وكري سبي، وذلك تمهيداً لنقلهم إلى المناطق التي يحتلها لتغيير تركيبتها السكانية التي تعتبر من جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً