الشرق الأوسط .. صراعات وحروب تسير بمحاذاة أنابيب الغاز

لكل صراع أو حرب, أبعاد جيوسياسية وخلفيات اقتصادية على الرغم من التركيز على الضحايا والدمار الذي تخلّفه هذه الحروب, وهذا ما ينطبق فعلياً على ما يجري في الشرق الأوسط، حيث حرب الغاز على أشدها بين القوى الإقليمية والدولية.

لم يقتصر الصراع الدولي على التسليح والنفط، لكن أصبح يتجه منذ سنوات على ما يسمى الطاقة النظيفة والتي في الحقيقة لم تكن نظيفة، حيث أصبحت ممتزجة بدماء شعوب منطقة الشرق الأوسط التي تدفع ثمن الصراع على خطوط أنابيب الغاز.

ولفهم ما يجري في الشرق الأوسط من تعاقب للأزمات،علينا ربط مجريات الصراعات القائمة في المنطقة مع ما تشهده الساحة الدولية من منافسات بين القوى العالمية الكبرى.

بداية الصراع على الغاز

الصراع على الغاز بدأ منذ ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث أيقن الروس بأن الرهان على التسليح والحروب لجعلها مصدر قوة أصبح خاسراً، وأفقدهم السيطرة عالمياً, وقرأوا الدرس الأميركي جيداً حيث تمكّنت الولايات المتحدة عبر التحرك في مناطق النفط، من تحقيق النمو والسيطرة على القرار السياسي الدولي بدون منازع، حتى أصبح ما يسمى بالقطب الواحد, وتوجّهت روسيا هنا لمكامن الطاقة البديلة وسعت لاحتكار تصدير الغاز.

وقامت روسيا بتنفيذ العديد من الخطوط لتمديد أنابيب الغاز لتعزيز موقعها في سوق الطاقة الأوروبية, فيما قامت أميركا بدعم البعض الآخر كخيار استراتيجي للحد من هيمنة الروس على سوق الطاقة الأوروبي والعالمي, وكذلك هناك مشاريع خطوط لنقل الغاز تبنّتها الصين والهند وباكستان.

حقول الغاز المكتشفة في الشرق الأوسط

وبدأ اكتشاف حقول الغاز في الشرق الأوسط عام 2000، عندما اكتشفت شركة "بريتش غاز"، التابعة لشركة "بريتش بتروليوم"، حقل "غزة مارين" على مسافة 36 كم من شواطئ قطاع غزة، حيث يُقدَّر إجمالي المخزون الاحتياطي للحقل بما يقارب تريليون قدم مكعبة من الغاز.

وفي يناير 2009، تم اكتشاف حقل "تمارا" الذي يبلغ إجمالي المخزون الاحتياطي به، وفقاً للمسوح الجيولوجية، ما يقارب 10 تريليونات قدم مكعبة، ويقع الحقل على مسافة 90 كم من شواطئ شمالي فلسطين، وعلى مسافة 1650 متراً تحت سطح البحر.

كما شهد العام ذاته، اكتشاف حقل "أفروديت" على بُعد 180 كم من الشاطئ الجنوبي الغربي لقبرص، وبعمق 1700 متر تحت سطح البحر، ويقدَّر إجمالي المخزون الاحتياطي لـ"أفروديت" بما يقارب 9 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

حقل آخر تم اكتشافه عام 2009، هو "داليت" الذي يقع على مسافة 60 كم غربي مدينة الخضيرة شمالي فلسطين، باحتياطي يبلغ ما بين 0.35 و0.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وهو ما يجعله قليل الجدوى الاقتصادية.

وفي عام 2012، تم اكتشاف حقلين آخرين قبالة شواطئ فلسطين؛ الأول حقل "تانين"، وبلغت التقديرات الأولية لاحتياطي الغاز فيه 1.2 تريليون قدم مكعبة.

أما الثاني، فهو حقل "ليفياثان" الذي بلغ احتياطي الغاز فيه 17 تريليون قدم مكعبة، ويقع على مسافة 135 كم من شواطئ شمالي فلسطين بالقرب من مدينة حيفا، وذلك بعمق 1600 متر تحت سطح البحر.

الحقل الأخير هو "ظهر"، الذي اكتشفته شركة "إيني" الإيطالية عام 2015، ويعد حتى اليوم، أكبر حقل غاز في البحر المتوسط.

ويبعد الحقل عن شواطئ مدينة بور سعيد المصرية نحو 200 كم، ويبلغ الاحتياطي المؤكد فيه 30 تريليون قدم مكعب من الغاز.

وطبقاً لتقديرات "إيني"، فإنها سوف تستخرج نحو مليار قدم مُكعبة في السنة الأولى للإنتاج، وترتفع تدريجياً حتى يصل إنتاج حقل "ظهر" إلى 2.5 مليار قدم مُكعبة بالسنة في عام 2019، وهذا الإنتاج سيشكل نحو 40% من إنتاج مصر من الغاز.

شرق المتوسط .. تحالفات على مسار أنابيب الغاز

منطقة شرق البحر المتوسط أصبحت أخطر من أي وقت مضى على استقرار العالم مع تزايد التوتر والاصطدام لسببين, الأول هو تغيّر النظام العالمي إلى نظام ثلاثي الأقطاب أميركا وروسيا والصين والسبب الثاني هو اكتشاف الغاز بكميات كبيرة.

وعلى الرغم من أن الكميات التي تم اكتشافها ليست ضخمة إلا أنها قادرة على تغيير قواعد اللعبة بحكم أنها قريبة من الاتحاد الأوروبي وهو سوق هام للغاز، وهذا السوق يعتمد بشكل رئيسي على الغاز الروسي والإيراني، وغالباً ما يمر هذا الغاز عن طريق تركيا, والأوروبيون يتمنون أن يحصلوا على الغاز من مصادر مختلفة غير الروس والإيرانيين ولا يرغبون بأن يمر عبر تركيا بسبب توتر العلاقات مع هذه الدول الثلاثة.

إن اكتشاف الغاز قريباً من أوروبا يمثل أمل وفرصة للاتحاد بأن ينوع مصادر غازه، وفي المقابل يُمثل تحدياً للدول الثلاثة روسيا وتركيا وإيران.

وعلى الرغم من أن الكميات ليست ضخمة إلا أنها تمثل مسألة حياة أو موت للدول التي ظهر فيها الغاز (إسرائيل ومصر واليونان وقبرص), فبالنسبة إلى مصر فإن حقل "ظهر" الذي يحوي 30 تريليون متر مكعب يكفي احتياجات مصر لمدة عشر سنوات.

ونتيجة اكتشاف الغاز بدأت تحدث التحالفات, تحالف للدول المستفيدة وآخر للدول المتضررة, الدول المستفيدة شكّلت منتدى غاز البحر المتوسط بقيادة مصر، وضم اليونان وقبرص وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن كونها مستهلك رئيسي للغاز، وهذا التحالف مدعوم بقوة من الولايات المتحدة وأوروبا التي تسعى لتمديد أنبوب يأخذ من هذه الدول إليها بشكل مباشر.  

أما تحالف الدول المتضررة فيضم تركيا وإيران وروسيا وهم يحاولون الالتفاف على التحالف المضاد, ومن نتائج هذا التحالف هو مد خط جديد يمد الغاز الروسي إلى الأوروبيين عبر تركيا وهو (ترك ستريم), وأيضاً مساعدة تركيا لإيران بمواجهة العقوبات الأميركية والأوروبية, وهذه الدول تستميت لأن تبقى أوروبا بحاجة إلى غازها.

وإثر اكتشاف الغاز بدأت تظهر صراعات منها واضحة ومباشرة أبرزها الصراع بين تركيا وقبرص التي احتلت تركيا أجزاء منها عام 1974 وأعلنت جمهورية القبارصة الاتراك ولا يعترف بها سوى تركيا.

ومن المتوقع أن يحصل صراع أيضاً بين لبنان وإسرائيل حول الغاز أيضاً.

والصراع غير المباشر هو بين روسيا وأميركا, فروسيا حريصة أن تكون شريكة في اكتشافات النفط, وفي المقابل الأمريكان يسعون إلى إبعاد الروس عن ذلك.

وحول ذلك تحدث الباحث والمستشار في العلاقات الدولية علي يحيى لوكالتنا قائلاً "رفضت الولايات المتحدة رغم موافقة كل أمم الأرض اتفاقية كيوتو التي وُقعت في مدينة ريودي جانيرو البرازيلية في سنة 1992 والتي تفرض استخدام الغاز الطبيعي كوقود صديق للبيئة بدل النفط في بداية القرن 21، وذلك رغم موافقة كل أمم الأرض عليها بسبب عدم امتلاكها احتياطات كافية منه، ومن هنا بدأت مرحلة تحويل الغاز لأداة اقتصادية سياسية".

وأوضح أن الولايات المتحدة بدأت بمحاولة السيطرة على منابع الغاز وطرق إمداده ومنع منافسيها والآخرين من استخدام الغاز اقتصادياً وتعزيز نفوذهم سياسياً, وقال "من هنا نفهم محاولات الولايات المتحدة أولاً للضغط باتجاه استبدال الغاز الروسي لأوروبا بالغاز القطري مع العلم أنه وبحسب أرقام نشرتها الدايلي ميل تستورد أوروبا 35% من حاجاتها من الغاز من روسيا وهذا يعطي روسيا ورقة قوة بالبعدين السياسي والاقتصادي".

الغاز الروسي القطري مخطط له أن يمر من القصير في مدينة حمص

وأضاف "استبدال الغاز الروسي بالقطري كان سيكون عبر أنابيب غاز تمر من القصير في مدينة حمص السورية عبر تركيا التي تطمح لتكون محوراً لنقل الغاز من الشرق الأوسط نحو أوروبا ما سيعزز تأثيرها الإقليمي ليصبح دولياً، ومن هنا نفهم أسباب تقارب الطرفين في سوريا ونفهم سبب تحول حمص "عاصمة للثورة السورية"، ويتضح إحدى أسباب سيطرة حزب الله على القصير (ولها بعد محلي لبناني يتعلق بحماية الحدود اللبنانية وإحدى طرق إمداد وتخزين حزب الله) ومشاركته الفاعلة في السيطرة على حمص ثم توليه حماية وتأمين أنابيب نقل الغاز في حمص بعد السيطرة عليها، وهو أحد أسباب دخول روسيا الحرب إلى جانب سوريا وهي منفذها البحري الوحيد نحو المياه الدافئة".

ويكمل الباحث "ثانياً بمحاولة الولايات المتحدة تقليل اعتماد أوكرانيا المنقلبة (وهنا نفهم أحد أبعاد الصراع السياسي فيها) الغاز الروسي كما طالب وزير الطاقة الأمريكي ريك بيري، بأن تعمد بولندا لإقامة بنى تحتية للغاز بينها وبين أوكرانيا لمساعدة الأخيرة على التملص من الخناق الروسي الذي يعمل أيضاً لاستبدال أوكرانيا كممر للغاز نحو أوروبا الغربية كجزء من أدوات الضغط عليها (ولذلك فقد وقّعت الأطراف الثلاثة مذكرة تفاهم وارسو)، وذلك بعد اتفاقية مشروع السيل الشمالي الذي يربط مباشرة بين روسيا وألمانيا، ومن هنا نفهم أيضاً أحد أسباب العلاقة المميزة بين ألمانيا وروسيا.

وثالثاً وفي نفس السياق لو علمنا أنه وفقاً للمسح الجيولوجي الأمريكي، تحوي أحواض دلتا النيل وحوض بلاد الشام المتجاورة على 345 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و 3.44 مليار برميل من النفط، ومن هنا نفهم ترسيم مصر ما بعد "الثورة" للحدود البحرية مع قبرص واليونان، وتوقيع الرئيس السيسي لاتفاقية الإطار الكلاماتا والتي دمجت الحدود البحرية بين قبرص اليونانية واليونان ومصر ما يسمح بتمرير أنبوب الغاز الإسرائيلي بين تل أبيب وأثينا نحو أوروبا، وهو ما اعتبرته تركيا إعلاناً للحرب على مصالحها في المتوسط، رغم أنه جاء بعد تعليق تمرير أنبوب الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا لكنه وبسبب حاجته لتوافق تركي قبرصي تم تعليقه.

ويختتم قائلاً "لقد لجأت تركيا للتصعيد البحري عبر السفن للبحث السيزيمي انطلاقاً من أقصر نقطة فاصلة بين مصر وتركيا، وأيضاً عبر منع سفن تنقيب خاصة إيطالية من بلوغ بلوك 3 القبرصي،  وانضمام سفينة أوروج ريس المحلية الصنع وهي رابع سفينة تشرع في التنقيب والبحث عن النفط والغاز شرقي حوض المتوسط، وشروع تركيا في تطوير قواتها البحرية استعداداً للحرب فهي تستعد عام  2019 و 2020 لتسلم حاملة طائرات وفرقاطة بحرية و5 غواصات".

والمتابع للأوضاع الميدانية في الشرق الأوسط وكثرة التدخلات الإقليمية والدولية في بلدانها يرى وبشكل واضح حجم الخلافات بين هذه القوى المتصارعة التي تدفع شعوب المنطقة حياتها ثمناً لها.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً