الفوسفور الأبيض التركي .. تراجيديا إنسانية تعلو صرخات أطفال سوريا فيها بدعم بريطاني 

لم تكن ألعاباً نارية للاحتفال بالأعياد حينما رآها الطفل محمد حميد وأهل منطقته قبل أن يؤدي سقوطها لارتفاع صرخات محمد, أنها مادة الفوسفور الحارقة التي استخدمتها دولة الاحتلال التركي خلال هجماتها الأخيرة على شمال وشرق سوريا, لكن السؤال الأبرز من أين حصلت تركيا على هذه المادة؟

كثيراً ما سمعنا عن الفوسفور بأنواعه إلا أننا نجهل ما هو, وما هي تداعيته, وما موقف المعاهدات الدولية من استخدامه.

الفوسفور الأبيض سلاح يحرق جسم الإنسان ولا يُبقي منه إلا العظام، ويهيج استنشاقه لفترة قصيرة القصبة الهوائية والرئة.

هو مادة شمعية شفافة، بيضاء مائلة للاصفرار، ويتفاعل الفوسفور الأبيض مع الأوكسجين بسرعة كبيرة، وتنتج عن هذا التفاعل غازات حارقة ذات حرارة عالية وسحب من الدخان الأبيض الكثيف.

ويترسب الفوسفور الأبيض في التربة أو في أعماق الأنهار والبحار وعلى الكائنات البحرية مثل الأسماك، وهو ما يهدد سلامة البيئة والإنسان.

وبالإضافة إلى كونه سلاحاً حارقاً، تنبعث من الفوسفور الأبيض أثناء اشتعاله سحابة كثيفة من الدخان تستغلها الجيوش للتغطية على تحركات الجنود.

ما هو موقف المنظمات والمعاهدات الدولية من استخدامه ؟

تستخدم ذخائر الفوسفور الأبيض بشكل أساسي لصنع سواتر من الدخان أو لتحديد أهداف لكن الدول التي لم تحترم المواثيق الدولية وقوانين الحرب تقوم باستخدامه كأسلحة حارقة.

وبدأ سريان معاهدة حظر استخدام أسلحة تقليدية معينة عام 1983. ويحظر البروتوكول الثالث من الاتفاقية استخدام أسلحة حارقة ضد المدنيين. كما يحظر البروتوكول استخدامها ضد أهداف عسكرية داخل تجمعات سكانية إلا إذا كانت الأهداف منفصلة بوضوح عن المدنيين وإذا جرى اتخاذ "جميع الاحتياطات الممكنة" لتجنب سقوط ضحايا مدنيين.

وتحرم اتفاقية جنيف عام 1980 استخدام الفوسفور الأبيض ضد السكان المدنيين أو حتى ضد الأعداء في المناطق التي يقطن بها مدنيون، وتعتبر استخدامه جريمة حرب.

استخدام الفوسفور

في نهاية عام 1916 صنعت بريطانيا أولى القنابل الفوسفورية، وفي الحرب العالمية الثانية استخدمت القوات الأميركية وقوات دول الكومنولث الفوسفور الأبيض بكثافة، كما استعمله اليابانيون بنسب أقل.

واستعمل الجيش الأميركي القنابل الفوسفورية في حرب فيتنام، وتحدثت تقارير إعلامية عن أن القوات الأميركية استخدمتها كذلك في هجومها على مدينة الفلوجة العراقية في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004.

صرخات الطفل محمد دليل حاسم على استخدام تركيا للفوسفور خلال هجماتها

ومع شن تركيا للهجمات على شمال وشرق سوريا في 9 تشرين الأول/أكتوبر المنصرم بدأ الحديث عن استخدام تركيا للفوسفور كسلاح ضد المدنيين, إلا أنها وكعادتها تحاول خداع الجميع والكذب عليهم حيث نفت ذلك.

إلا أن الإصابات التي تسبب بها القصف التركي أظهرت وأكدت استخدام تركيا للفوسفور ونشرت صحيفة "ذا تايمز" البريطانية تحقيقاً موسعاً يسلط الضوء على المزيد من الأدلة التي تدين النظام التركي، وتثبت استخدام قواته قنابل فوسفور حارقة محظورة دولياً، وتم تدعيم التحقيق بشهادات من الضحايا وذويهم في مواقع القصف، بالإضافة إلى آراء الخبراء ونتائج التحاليل للعينات، بما يحتم تحركاً دولياً لمحاكمة المسؤول عن ارتكاب الجريمة البشعة والمأساة الإنسانية هناك.

وصرح الطبيب عباس منصوران، 69 عاماً، الذي قام بعلاج ضحايا الحروق في مستشفى الحسكة، لـ"تايمز" قائلاً: "لقد رأيت العديد من الإصابات الناجمة عن الغارات الجوية. ولدي سابق خبرة بطبيعة وشكل الجروح الناتجة عن الحروق والانفجارات، التي تصيب الأشخاص عادة بسبب الغارات الجوية، إلا أن هذه الحالات مختلفة. إن الحروق العميقة وأشكالها والرائحة المنبعثة منها تتوافق تماماً مع الإصابات التي تحدثها الأسلحة الكيمياوية الحارقة".

ومن الحالات التي برزت هي حالة الطفل محمد حميد الذي ظهر في فيديو وهو يصرخ وجسمه محترق.

وشبهت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير لها نشر أمس، وضع الطفل محمد حميد الذي يصرخ متألماً من تأثير الفوسفور التركي في مشفى تل تمر بوضع فان ثي كيم فوك، الفتاة البالغة من العمر تسع سنوات التي صورها نيك أوت في عام 1972وهي تركض عارية على الطريق في جنوب فيتنام، وتصرخ من ألم الحروق التي أصابت جسدها نتيجة النابالم.

من أين حصلت تركيا على الفوسفور؟

تركيا لم تكتفي بنفي استخدامه بل نفت أنها تمتلكه, إلا أن الصحف البريطانية قامت بتكذيبها, إذ كشفت صحيفة "التايمز" البريطانية أنه لا صحة لنفي تركيا أنها لا تملك الفوسفور الأبيض، مؤكدة أنَّ بريطانيا باعت منتجات عسكرية إلى تركيا تحتوي على الفسفور الأبيض وبلغت هذه المنتجات أكثر من 70 رخصة تصديريةً.

وبحسب الصحيفة، تشمل المواد العسكرية التي باعتها بريطانيا لأنقرة قنابل الدخان والذخيرة النارية، وقنابل التمويه وغيرها. في حين أن الفوسفور الأبيض ليس مادة كيمياوية محظورة لكنه يجب استخدامه وفقاً للقانون الإنساني الدولي.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأشخاص الذين أصيبوا بحروق خطيرة قدموا أدلة دامغة على استخدام الفوسفور الأبيض شمال شرقي سوريا الأسبوع الماضي . وشاهدت التايمز حروق الطفل محمد حميد (13 عاماً)، وهو كوردي سوري، إذ تعرض جسده للاحتراق بسبب هجوم قامت به طائرة تركية في منتصف ليلة 16 أكتوبر/تشرين الاول الجاري.  

ضغوط لمنع التحقيق وتجريم تركيا

وأعلنت الأمم المتحدة، في خضم توالي ظهور مجموعة متزايدة من الأدلة التي تشير إلى أن تركيا تستخدم بالفعل الفوسفور الأبيض لتمهيد الطريق لهجومها على شمال وشرق سوريا، عن بدء تحقيقات من جانب خبراء الأسلحة الكيمياوية التابعة لها.

ولكن أفادت صحيفة "تايمز" البريطانية مطلع تشرين الثاني الجاري بأن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية رفضت التحقيق في استخدام جيش الاحتلال التركي للفوسفور الأبيض ضد المدنيين في شمال وشرق سوريا.

ونقلت الصحيفة عن خبراء رفضوا الكشف عن أسمائهم قولهم إن رفض منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لفحص العينات جاء في ضوء معارضة حلف الناتو لهذه الخطوة، وخاصة أنه يأمل في إعادة بناء الثقة بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأمريكي دونالد ترامب في قمة الحلف المقبلة في لندن الشهر المقبل، والحلف ليس مهتما الآن بإلقاء مزيد من اللوم على أنقرة بشأن حملتها الأخيرة في شمال شرقي سوريا.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً