تقارير: سياسة الضغط الأقصى الأمريكية ستقابل بأعمال عسكرية إيرانية ضد حلفاء الأولى

رأت تقارير أجنبية أن سياسة الضغط الأقصى التي تستخدمها واشنطن ضد طهران عبر العقوبات الاقتصادية، تقابلها سياسة ضغط أقصى إيرانية ضد حلفاء واشنطن في المنطقة.

شهدت العلاقات بين كل من طهران وواشنطن توترات جمة وخاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الصفقة النووية أو ما تسمى بـ "خطة العمل الشاملة المشتركة "JCPOA" وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على صادرات الطاقة الإيرانية.

ويتصدر التوتر الأمريكي- الإيراني ومآلاته عنوانين الصحف والمراكز العالمية في هذه الأيام، فقال محلل شؤون المنطقة "آرون شتاين"، مدير برنامج الشرق الأوسط بمعهد أبحاث السياسة الخارجية: علينا أن نتساءل لماذا لم يتوقعه "التوتر" أحد ابتداء أو على الأقل، لماذا لم يتصور أحد مثل هذا الرد الإيراني المتشدد على انسحاب إدارة ترامب عام 2018 من الصفقة النووية؟

وبالنسبة لإدارة ترامب، وكثير من نخبة الحزب الجمهوري الأمريكي، كانت الصفقة النووية لإدارة أوباما خطوة بعيدة جدًا. وجادلوا بأن الاتفاق يقوض دعامة أساسية لجهود واشنطن الطويلة لإسقاط الحكومة الإيرانية من خلال الحرب الاقتصادية. ومع ذلك، لم تقدم إدارة ترامب، ولا تلك التي تدعم السياسة الأمريكية الحالية في المنطقة، خطة قابلة للتطبيق لمعالجة السلوك الإيراني، بحسب شتاين.

فيما يرى نيكولاس ميلر وهو أستاذ متخصص في الشؤون الحكومية الأمريكية في كلية دارتموث، بأن إدارة ترامب حتى الآن لم تثني إيران عما كما كانت ترغب فيه واشنطن.

وينقل ميلر عن وزير الخارجية الأمريكي قوله بأن "الهجوم على المنشآت النفطية السعودية كان نتيجة الانسحاب من JCPOA ... لكنه يجادل بأن هذا يظهر أن سياسة إدارة ترامب ناجحة".

ويتساءل ميلر مستهجناً: إذا كان هذا نجاحاً، فما هو الفشل ؟

ويرى شتاين أنه ليس لدى واشنطن أي خطة لترجمة العقوبات ضد إيران إلى نجاح دبلوماسي. والنتيجة، بحسب شتاين،  هي سياسة تصعيد تهيئ الظروف تخدم سياسة إيران في الصراع لإدارة التصعيد وتدمير العلاقات الأمريكية مع حلفائها في الخليج.

رأي صحيفة النيويورك التايمز الامريكية كان مماثلاً لرأي شتاين، حيث نشرت الصحيفة مقالاً تحت عنوان "الهجوم على المملكة العربية السعودية يختبر الضمانة الأمريكية للدفاع عن الخليج"، وتشير الصحيفة الأمريكية إلى أن التردد الأمريكي في القيام بعمل عسكري ضد إيران له دلالات على أن واشنطن غير ملتزمة  بحماية الخليج (العربي الفارسي) ويشجع إيران.

والجدير ذكره، هو أن الملكيات الغنية بالنفط في الخليج اعتمدت لعقود من الزمن على وعود الجيش الأمريكي بالحماية، وهو التزام يعود إلى إبان غزو الكويت عام 1990 وتعزيزه من قبل نصف دزينة من القواعد العسكرية الأمريكية التي نشأت حول منطقة.

ويواجه هذا الالتزام الآن أخطر اختبار له منذ حرب الخليج الأولى؛ فهجوم السبت الماضي من قبل مجموعة من 17 صاروخًا على الأقل وطائرة بدون طيار أعاقت المنشآت النفطية الأكثر أهمية في المملكة العربية السعودية وأوقفت مؤقتًا 5٪ من إمدادات النفط في العالم.

ويقول جريجوري جوس، باحث في المنطقة بجامعة تكساس: "إنه أمر هائل. هذا هو أخطر تحدٍ منذ غزو الكويت لوضع الولايات المتحدة كقوة عظمى تحمي التدفق الحر للطاقة في المنطقة، وما لم يكن هناك تغيير كبير في استجابة إدارة ترامب الأولى أعتقد أن قادة الخليج سيبدؤون في التشكيك في قيمة هذا الالتزام الأمني".

وبحسب الصحيفة "كان الهجوم وما تلاه من توقعات متضاربة على جميع جوانب الخليج بمثابة سلسلة متتالية من الكشف عن توازن القوى الإقليمي".

ولهذا السبب، وفقا لتقديرات المحلل "شتاين" من المهم أن تغير واشنطن مسارها، وتنتهز المبادرة الدبلوماسية، وتعمل جنباً إلى جنب مع حلفائها الأوروبيين لاستكشاف طرق لتعزيز الاتفاق النووي، الذي لا يزال نافذاً على الرغم من الانسحاب الأمريكي. ويمكن للولايات المتحدة أن تنزع فتيل التوترات الإقليمية عن طريق الضغط من أجل إنهاء الحرب في اليمن وبدء حوار رفيع المستوى مع إيران حول الأمن الإقليمي.

ويرى بلال صعب الذي شغل سابقاً منصب مستشار في وزارة الدفاع الأمريكية، ومدير برنامج الدفاع والأمن في معهد الشرق الأوسط في مقال نشرته الأخيرة بأنه بعد ثلاثة عقود تقريبًا من إرسال واشنطن قوة ضخمة وبمباركة من الشعب إلى الخليج لطرد صدام حسين من الكويت، تتعرض المملكة العربية السعودية الآن لهجوم مباشر، حيث كان رد فعل أمريكا ضعيفًا. وعلى الرغم من تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشفهية ضد إيران، التي تقف وراء الهجوم، إلا أنه لا يفكر جدياً في استخدام القوة.

ويتعين على أمريكا، بحسب صعب،  أن توازن بين رغبتها الحقيقية في الخروج من أعمال الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط والتزامها الأمني نحو أقرب الشركاء. وقال "إن عدم القيام بأي شيء من شأنه أن يقنع الإيرانيين أنه يمكنهم التصرف دون عقاب في الشرق الأوسط. ولكن على واشنطن أن تدرك إن استخدام القوة المميتة ضد إيران قد يؤدي إلى حرب شاملة، بالنظر إلى حجم الأشياء القابلة للاحتراق بالفعل في جميع أنحاء المنطقة".

ويرى صعب بأن على واشنطن أن تقدم التزاماً أمنياً تجاه حلفائها دون المجازفة بالحرب مع طهران أو العودة إلى أيام التورط العسكري (غير الفعال) في الشرق الأوسط.

ولم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تعامل الشرق الأوسط كمحمية أمريكية. يجب أن يكون استقرار المنطقة مسؤولية جماعية. الهجوم على المملكة العربية السعودية هو هجوم على جميع الدول التي تهتم بالأمن الدولي واستقرار سوق الطاقة العالمي. وينبغي أن تكون هذه هي الرسالة الأكثر أهمية لواشنطن للعالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة القادمة، بما في ذلك الصين، التي تستورد كميات أكبر من النفط من الشرق الأوسط مقارنة بأي دولة أخرى.

ومن جهته يرى الموقع الاستخباراتي الأمريكي "ستراتفور" على لسان هيئة تحريرها بأنه في الوقت الذي تكثف فيه الولايات المتحدة حملتها المتمثلة في الضغط الاقتصادي الأقصى ضد إيران، تسعى طهران إلى إيجاد سبل للهروب من القيود التي فرضتها عليها عقوبات النفط، حيث تلقي الولايات المتحدة باللوم على إيران في هجوم خطير في 14 سبتمبر على البنية التحتية النفطية السعودية، وما تلاها من آثار.

ويرى المركز بأن التردد السعودي واضح بالفعل ، حيث تريد أن تنأى بنفسها من صراع قد يدمر دول الخليج جمعاء. وتتفق المخابرات السعودية والأمريكية حتى الآن على استخدام صواريخ كروز في الهجوم، لكن المملكة العربية السعودية لم تصل إلى حد التوافق مع التقييم الأمريكي بأن إيران وفرت نقطة انطلاق للهجوم. إن ردة الرياض الحذرة تعكس المسار العام لتفادي المخاطر في المملكة العربية السعودية ورغبتها في تجنب حدوث نزاع خليجي كبير. إذا جاء الهجوم من اليمن، فستواجه الرياض خيارًا أسهل، وإن كان لا يزال مكلفًا، في زيادة الضغط على الحوثيين هناك. لن تتطلب هذه الدورة تعديلًا استراتيجيًا لأن السعوديين منخرطون بشدة هناك بالفعل.

وعلى الرغم من التردد الواضح في تأجيج صراع أوسع، فإن الهجوم أثبت ضعف البنية التحتية للنفط والغاز في المملكة العربية السعودية  بطريقة يمكن أن تدفع الرياض لدعم الرد العسكري الأمريكي.

ويرى الموقع إن نهج "أقصى ضغط" لإدارة ترامب، والذي يسعى إلى استخدام العقوبات الاقتصادية، من الناحية النظرية، لإجبار طهران على تقديم تنازلات للولايات المتحدة. وهذه التنازلات، المدرجة في 12 نقطة منفصلة، ستكون بمثابة استسلام. ومن المستحيل تخيل استجابة النظام الإيراني الحاليَ لهذا الشروط. لذلك نرى بأن طهران كذلك تمارس سياسة الضغط الأقصى على حلفاء واشنطن في المنطقة.

(م ش)


إقرأ أيضاً