تهديدات تركيا والمواقف منها

يهدد أردوغان وبتحريض من دول ضالعة في سوريا بشن هجمات على شمال وشرق سوريا، في حين لا يزال الموقف الأمريكي غير واضح المعالم، ومع اختلاف أهداف الجميع، يهدد الهجوم التركي بخلط الأوراق مُجدداً في سوريا والعودة إلى المربع الأول.

هدّد الرئيس التركي رجب أردوغان بهجوم على شمال وشرق سوريا وفي نيته ارتكاب مجازر فيها وتهجير الكرد والسريان والعرب منها، وتغيير ديموغرافية المنطقة عبر توطين موالين له في المنطقة.

أردوغان الذي كشف عن مخططاته لتوطين مليوني لاجئ في أراضي شمال وشرق سوريا التي يسكنها بالفعل أكثر من 5 مليون نسمة، قال يوم أمس إن الهجوم سيبدأ اليوم (السبت) أو غداً أي اليوم. ولكن قبل أن نتطرق إلى مواقف الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا والنظام السوري والقوى المتدخلة في سوريا بشكل فعلي وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة، علينا أن نطرح بعض الأسئلة:

أردوغان يقول بأن هدفه السلام وإعادة اللاجئين السوريين كما يدّعي، وهو ذات الهدف الذي ادعاه أثناء احتلال جرابلس والباب وإعزاز وعفرين، ولكن ماذا يحصل في تلك المناطق؟ ببسيط العبارة يمكن القول بأنها مناطق غير آمنة البتة، وعلى سبيل المثال، شهدت هذه المنطقة المُحتلة من تركيا يوم السبت وحدها 5 تفجيرات، حيث لا يكاد يمر يوم إلا ويحدث تفجير أو أكثر في المناطق التي تحتلها تركيا، كما أن المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا تبتز المواطنين وتختطفهم وتطالب بفديات مالية ضخمة للإفراج عنهم، علاوة عن الاشتباكات الجانبية التي تحصل بين المرتزقة أنفسهم حول عمليات التهريب والاختطاف والتي تودي دوماً بحياة المدنيين الذين يدفعون الضريبة.

ادعاء أردوغان الثاني بإعادة اللاجئين السوريين إلى المناطق التي تم احتلالها سابقاً لم يتحقق، إذ تقول السلطات التركية إن حوالي 350 ألف شخص عادوا إلى المنطقة، ولكن لا يمكن تأكيد هذه الأرقام خصوصاً أن غالبية من تم توطينهم هناك هم من عوائل المرتزقة الذين شاركوا تركيا باحتلال المنطقة، في حين تم تهجير سكان المنطقة، وما زال السكان يحاولون الهروب من هذه المنطقة. فإذا كان أردوغان ينوي فعلاً إعادة اللاجئين السوريين ويبني لهم المستوطنات، لماذا لا يعيدهم إلى هذه المنطقة ويبني لهم المنازل. إذاً الهدف التركي واضح وهو القضاء على الوجود الكردي في أرضه التاريخية شمال وشرق سوريا.

والآن بالعودة إلى مواقف القوى في سوريا حول هذه التهديدات التركية، فالإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية قالت: إن أي هجوم تركي جديد سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وسيخدم الإرهاب وسيكون فرصة حقيقية لداعش لكي يعيد تنظيم نفسه من جديد وبالتالي السيطرة على مساحات واسعة من سوريا، وكذلك سيكون فرصة لمعتقلي داعش وعوائلهم للفرار مما سيشكل خطراً على المنطقة والعالم، كما أنه سيؤدي إلى هجرة الملايين من السوريين العُزّل من المنطقة والتوجّه إلى مختلف دول العالم وسيؤدي إلى كارثة إنسانية لا تُحمد عقباها. وهذا سيُعقّد الأزمة السورية، وسيكون له تداعيات كارثية على كل المنطقة.

النظام السوري الذي رفض اتفاق الآلية الأمنية أثناء إعلان الاتفاق عليها، لم يبدِ حتى الآن أي موقف من التهديدات التركية، هذا النظام الذي كان معتاداً بالحديث عن انتهاك السيادة السورية، لم يتحدث الآن عن ذلك وهو الذي وقّع اتفاقية أضنة الأمنية مع النظام التركي عام 1998. هذا النظام بات مسلوب الإدارة وتتحكم به روسيا وإيران تماماً، فهو منقسم في داخله إلى حلفين أحدهما موالٍ لموسكو وآخر موالٍ لطهران. النظام السوري لا يهمه قتل وتهجير السوريين، وكل ما يهمه هو البقاء في رأس السلطة بدمشق، وبالتالي فهو إن لم يقم بتحريض الهجمات بشكل صريح إلا أنه يريد أن تتعرض المنطقة لهجوم كونها تُطبق نظاماً ديمقراطياً يُهدد عرش الديكتاتوريات في عموم المنطقة.

أما بالنسبة للمجموعات المرتزقة في سوريا فهي باعت نفسها لتركيا وباتت أداتها في تحقيق ما لن تستطيع تركيا بنفسها تحقيقه، لذلك فهي تقف معه لأنها لا تمتلك قراراً مستقلاً ولا تفكر بالمصلحة السورية.

في حين أن روسيا يمكن القول بأنها السبب الرئيس لكافة ما يجري في سوريا من قتل وتدمير وتهجير وتغيير ديموغرافي، وذلك عبر الاتفاقات التي عقدتها مع تركيا، وهجّرت سكان الجنوب والغوطة وريف حمص وجمعتهم في إدلب. وبالنسبة للموقف الروسي حتى وإن لم تكن أعلنت بشكل صريح دعمها للهجمات التركية إلا أنها في حقيقة الأمر هي المُحرض الرئيس لها.

فروسيا ترغب من تركيا أن تشن الهجمات على شمال وشرق سوريا وهي تُدرك تماماً أن تركيا ستعتمد على المجموعات المرتزقة في إدلب وبالتالي سيُسهّل عليها السيطرة على إدلب بشكل كامل، علاوة على ذلك فإن من مصلحة روسيا إنهاء الوجود الأمريكي في سوريا وهو الذي يتحقق بحسب روسيا عبر شن تركيا للهجمات على شمال وشرق سوريا لأنها تدرك بأن أمريكا لن تحارب حليفتها في الناتو تركيا.

الموقف الروسي عبّر عنه تماماً وزير خارجيتها سيرغي لافروف عندما قال بأنهم يسعون لفتح قنوات للتنسيق بين تركيا والنظام السوري حول شمال وشرق سوريا، وأعلن أن موسكو تسعى إلى التوسط بين أنقرة ودمشق بهدف التوصل إلى آليات مشتركة للتحرك، تضمن بحسبها سلامة الأراضي السورية ووحدتها وتراعي في الوقت ذاته المصالح الأمنية لتركيا.

وهذا الموقف يُشير إلى احتمالية أن تشارك روسيا والنظام أيضاً بشن الهجمات على شمال وشرق سوريا بالتزامن مع الهجمات التركية. ولكن من شأن أي هجوم تركي يعني قتل أي فرصة للنظام بالعودة إلى هذه المنطقة لأن موقف تركيا سيصبح أكثر قوة، وستفرض شروطها على روسيا والنظام أيضاً.

أما إيران فموقفها معروف، فهي تدعم النظام السوري بالسيطرة على هذه المنطقة لأن ذلك يساعد على إبعاد أمريكا عن مخططها بالهلال الشيعي ويترك الباب مفتوحاً لها لتحقيق هذا الحلم، وترى بأن تحقيق هذا الحلم ممكن عن طريق دفع تركيا لشن هجمات على شمال وشرق سوريا وبالتالي إجبار الولايات المتحدة على الانسحاب.

وبخصوص الموقف الأمريكي فهو ما زال غير حازم.

إذ تقول الخارجية الأمريكية أنها مستمرة بدعم الآلية الأمنية المُتفق عليها، وتُؤكّد أن مواقفها لم تتغير بهذا الصدد.

في حين يقول البنتاغون أنه موقفه ثابت بضرورة التعاون المشترك لجعل الآلية الأمنية تعمل على أرض الواقع وأنها الطريق الأفضل للمنطقة، وتشير أن خطة  الآلية الأمنية سيتم تنفيذها بطريقةٍ محددةٍ ومنسّقةٍ ومبنيةٍ على التعاون المشترك.

ويُؤكد المراقبون أن تركيا لن تتجرأ على شن هجمات على شمال وشرق سوريا إلا إذا حصلت على ضوء أخضر أمريكي، لأن روسيا حتى وإن كانت قد أعطت الضوء الأخضر لتركيا بشن الهجمات فهي غير موجودة في المنطقة وتأثيرها محدود جداً عليها، كما أنها تريد بذلك أن تزيد الضغوط على واشنطن للانسحاب حتى تستفرد روسيا بسوريا ومن ورائها بمنطقة الشرق الأوسط، لأن أي انسحاب أمريكي سيُقلل من مصداقية أمريكا لدى حلفائها في المنطقة، وستدفعهم للتوجه نحو روسيا.

وفي ظل هذه الأهداف المتناقضة بين الأطراف المتدخلة في سوريا، ينسى الجميع الخطر الذي يشكله الدواعش في المنطقة، فهذه المنطقة تحررت حديثاً من داعش، وما زالت الخلايا النائمة نشطة بدرجة كبيرة، علاوة على وجود 30 ألف داعشي محتجزين في مخيم الهول الذي يُعتبر قنبلة موقوتة بوجه العالم، فأي هجوم تركي من شأنه أن يؤدي إلى هروب هؤلاء الدواعش والوصول ليس فقط إلى أوروبا بل أمريكا وروسيا وتنفيذ هجمات فيها وقتل المدنيين الأبرياء.

(ح)


إقرأ أيضاً