ثورة 19 تموز.. تغييرات جذرية غيّرت وجه المنطقة

في التاسع عشر من تموز/يوليو عام 2012، خرج أبناء مدينة كوباني إلى الشوارع، ورفعوا أعلام الثورة على المباني بعد أن طردوا عناصر النظام السوري من المدينة عقب أسابيع من المظاهرات الحاشدة التي لم يقف عناصر النظام في موقف المتفرج عليها، بل وكما سرت العادة في بقية المدن السورية، كانت المظاهرات هنا أيضاً تُقمع.

ولم تنته القصة في كوباني، بل كانت هي مجرد بداية، فشرارة الثورة انطلقت منها لتشمل مدناً عدة في روج آفا، وتحديداً عفرين ونواحيها ثم قامشلو، عامودا، الدرباسية، ديرك وغيرها من المدن الكردية في شمال سوريا.

لقد واجه أبناء روج آفا عناصر النظام السوري وطردوهم من مراكزهم، واندلعت على إثر ذلك اشتباكات في مناطق متفرقة، أسفرت عن سقوط شهداء من أبناء المنطقة، ولم تستطع قوات النظام مقاومتها وطردت من المنطقة نتيجة الضغط الشعبي الهائل، ويعلن أبناء المنطقة تحرير مناطقهم.

في تلك الأثناء كانت الأوضاع في عموم البلاد تتجه نحو الغليان، فالثورة، كما سُميت في البداية، التي انطلقت من مدينة درعا في آذار/مارس عام 2011، بدأت تنتشر في مدن العمق والشمال السوري، كانت المدينة تلو الأخرى تسقط من قبضة النظام السوري الذي كان يقابل كل معارضيه بالعنف.

ثورة وفق الخط الثالث!

بوعي وتخطيط مدروس بعناية، لم يقع ثوار روج آفا في فخ الأزمة السورية، ولم يصبحوا طرفاً في النزاع الذي سرعان ما تحول إلى نزاع مُسلح أشبه بحربٍ أهلية دارت بين معارضي النظام السوري وثُلة من المرتزقة ضد عناصر من النظام وداعميه الإيرانيين والروس.

اختار الثوار لأنفسهم "النهج الثالث"، أنقذهم من التحول إلى بيادق بأيادي خارجية.

بفضل هذا النهج، جنّب أبناء روج آفا منطقتهم حرباً ضروساً كانت ستزيد الأزمة تعقيداً في سوريا.

وبينما كان الصراع يشتد على الأراضي السورية، عمل أبناء المنطقة على بناء مؤسساتهم السياسية والعسكرية والخدمية والاجتماعية، ليُنظموا الحياة في المنطقة ويحدثوا التغيير الذي خرجوا ثائرين من أجله.

بذكريات الماضي الأليم.. بناء حاضر زاهر

بذكريات ماضٍ أليم ساده القمع وطمس الحريات وانتهاك أبسط الحقوق، خرج أبناء روج آفا بالآلاف وانضموا إلى قوافل الثورة مُعلنين انتهاء حقبة سوداء وبدء حقبة أخرى هم من سيحددون تفاصيلها.

النظام السوري الذي هيمن حزب البعث على مفاصل حكمه، مارس على مدى عقود من السنوات أبشع سياسة بحق أبناء روج آفا، إذ منع الكرد من التحدث باللغة الكردية واعتبرهم أجانب، امتنع عن منحهم البطاقة الوطنية السورية، هذا عدا عن اعتبار جنسية كل الكرد عرباً، وفرض سياسة التعريب في المناطق الكردية ضمن سياسة العلم الواحد والحزب الواحد واللغة الواحدة.

لكن ثورة روج آفا جاءت لتدخل المنطقة مرحلة جديدة ، حيث بدأت التغييرات تظهر منذ الأشهر الأولى لانطلاق الثورة.

فبات الكرد و العرب وكل المكونات في روج آفا يديرون المنطقة، ويتبعون سياسات تخدم المنطقة قبل أي اعتبار آخر، وتمكّن الكرد من إدارة عجلة التعليم ليتمكن كل مكوّن من تدريس لغته الأم في المدرسة، خلافاً للسابق حيث كانت اللغة العربية هي الوحيدة.

تهديدات حقيقة واجهت الثورة.. الشعب يعتمد على قواه الذاتية

الثورة في روج آفا وما حققتها من مكاسب على الأرض خلافاً لما كان عليه الوضع في بقية المناطق السورية، أزعج أطرافاً إقليمية تدخلت في الثورة السورية التي تحولت إلى أزمة حقيقية فيما بعد.

بدأت تلك القوى تتربص عبر وكلاء لها على الأرض السورية، وكان أول تهديد للثورة في شمال سوريا من جماعات أطلقت على نفسها مسمى "الجيش الحر" وجماعات مرتزقة أخرى من "جبهة النصرة"(هيئة تحرير الشام حالياً).

هذه المجموعات شنّت هجمات قوية على المناطق الجنوبية في إقليم الجزيرة شمال شرق سوريا وكانت أعنف الهجمات قد شهدتها مدينة سريه كانيه التابعة للحسكة عام 2013 قادتها "جبهة النصرة"، بدعم وتوجيه تركي واضح وعلني.

ثم شهدت عفرين وكوباني هجمات مماثلة، لكن التحدي الأبرز كان في سريه كانيه التي واجهت عدواناً كبيراً، كان أول اختبار حقيقي نجحت وحدات حماية الشعب والمرأة باجتيازه.

تلك الهجمات كانت المحاولة الأولى لإجهاض ثورة روج آفا وإفشالها، لكن بعد المقاومة، انتصر أبناء المنطقة.

منذ اليوم الأول وحتى نهاية عام 2014، كان أبناء منطقة روج آفا يقفون في موقف دفاع عن المكتسبات التي اغتنموها في سياق الثورة، والهجمات التي كانت تشن على المنطقة لم تقف يوماً واحداً.

بناء إدارة ذاتية في خضّم الهجمات

كان كانون الأول من عام 2014 نقطة تحول في تاريخ ثورة روج آفا والمنطقة ككل، حينها أعلن أبناء روج آفا عن إقامة إدارة ذاتية ديمقراطية قوامها 3 مقاطعات هي "الجزيرة، كوباني وعفرين"، اختارت كل منطقة هيكليتها الإدارية وفق أنظمة الإدارة المعتمدة في العالم (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وبُنيت في سياق هذه الإدارات، مؤسسات خدمية وثقافية وأمنية وتربوية وإدارية ومدنية واجتماعية.

تكفّلت هذه الإدارات بعد أن أبصرت النور بعملية إدارة المنطقة التي شهدت فيما بعد نهضة من كل الجوانب.

كوباني نقطة تحول مرة أخرى

لا يختلف أحد على أن كوباني عادت لتكون نقطة تحول في مجرى أحداث ثورة روج آفا مرة أخرى حينما كسرت هجوماً قوياً لداعش أوائل عام 2015.

في منتصف شهر أيلول/سبتمبر عام 2014، شن داعش هجوماً قوياً على مقاطعة كوباني من 3 جهات، بينما كانت الجهة الرابعة هي تركيا، وكانت إحدى مقاطعات الإدارة الذاتية، والمقاطعة التي تتوسط المقاطعات الثلاث في خطر السقوط.

كان داعش يمتلك حينها قوة كبيرة من ناحية العدة والعتاد، لكن داعش الذي لم يخسر قبل ذلك الحين أية معركة خاضها، خسر معركة كوباني أمام وحدات حماية الشعب والمرأة التي خاضت حرب شوارع حامية الوطيس لمدة 134 يوماً متواصلاً.

وإذا ما سقطت كوباني في ذلك الحين، كانت مقاطعتا الجزيرة وعفرين مهددتان بالسقوط ما يعني انهيار الثورة، لكن الأمور انعكست بفضل جهود أبناء المنطقة الذين واجهوا داعش.

وبعد تحرير كوباني في الـ 26 من كانون الثاني عام 2015، دخلت المنطقة مرحلة جديدة، فبدأت حملات تطهير المنطقة من الجماعات المرتزقة ، وانتقلت الثورة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة التحرير.

الحرب ضد داعش غيّرت الموازين

انطلاقاً من مدينة كوباني، بدأت الحرب ضد داعش الذي انتشر في عامي 2014 و2015 في سوريا والعراق ليحتل مساحة شاسعة من البلدين، ولم يقو الجيشان العراقي والسوري على مواجهته.

تمكنت وحدات حماية الشعب والمرأة، التي نالت ثقة المجتمع الدولي بعد صمودها في مدينة كوباني، من إلحاق الهزيمة بداعش في عدد من مدن الشمال السوري أبرزها مدن كري سبي/تل أبيض، منبج، الرقة، ريف دير الزور الشمالي وغيرها العشرات من البلدات والنواحي.

ومع تولي قوات سوريا الديمقراطية التي تشكّلت عام 2015 مهمة دحر داعش من مناطق شمال وشرق سوريا وتمكنها من إنهاء المهمة بنجاح، تغيرت موازين القوى في المنطقة، ففشلت المراهنات على داعش وانتصرت إرادة ثورة روج آفا لتنتشر الثورة في شمال وشرق سوريا.

الثورة تفرز نموذجاً إدارياً مثالياً

بعد القضاء على داعش ودحره من مناطق شمال وشرق سوريا، عمل أبناء المنطقة على بناء شكل إداري خاص بالمنطقة تمثل بالإدارة الذاتية.

توجد في شمال وشرق سوريا 7 إدارات ذاتية هي (الفرات والجزيرة وعفرين ومنبج والرقة والطبقة ودير الزور).

تشكل مكوّنات المنطقة من كرد وعرب وشركس وسريان وأرمن قوام هذه الإدارات، وهذه أول مرة تتشكل إدارة مماثلة تتولى مهام إدارة هذه المنطقة.

ولعل أبرز وأهم ما أفرزته الثورة كان هذا الشكل الذي مكّن الشعب من المشاركة بشكل مباشر ومتساوٍ في إدارة مناطقهم على عكس الفترات السابقة التي كان فيها الحكم مركزياً يفتقر للديمقراطية والعدالة والمساواة.

كما أن مشاركة أبناء المنطقة بشكل مباشر في حماية أراضيهم ضمن قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي يُعتبر من الأمور المميزة والتي أفرزتها الثورة.

فالآن، يعتمد أبناء مناطق شمال وشرق سوريا على أنفسهم في حماية المنطقة من أية تهديدات خارجية، وهذا ما ساهم في انتصار الحرب على داعش، إذ خاض أبناء الأرض المعركة.

واقتصادياً، كان الاكتفاء الذاتي الذي استطاعت مؤسسات الإدارة الذاتية تحقيقه من الأمور المُلفتة التي جاءت بها الثورة، فالمنطقة وبعد مرور 7 أعوام على الثورة ورغم أنها محاصرة من جهاتها الأربعة، تعتمد على إمكانياتها الذاتية في تأمين كل المستلزمات.

ناهيك عن النهضة التي شهدها قطاع الاقتصاد في المناطق التي عادت الحياة إليها بعد دحر داعش، إذ افتُتحت مئات المشاريع التي حققت الاكتفاء الذاتي للمنطقة وساهمت في نمو عجلة الاقتصاد رغم أن المنطقة ما تزال تعيش حالة توتر.

وفي قطاع التعليم، كانت السياسة التعليمية مختلفة للغاية عن العهد الذي سبق قيام الثورة، فالآن هنالك ثلاث لغات تُدرّس في المدارس وهي الأرمنية والعربية والكردية.

كما لم تتوقف عجلة التعليم عن الدوران رغم أن المنطقة عاشت حالة حرب على مر أعوام عدة، خلافاً لمناطق سورية أخرى لم تفتح المدارس فيها لأعوام، وخاصة تلك التي سيطر عليها داعش.

تهديدات مستمرة تواجه الثورة

مما لا شك فيه أن الجهات التي تتربص بأمن الأراضي السورية ووحدتها لا تكف عن تهديد المنطقة سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء لها في المنطقة، كما حصل مع تركيا وداعش سابقاً، وجماعات مرتزقة من القاعدة حالياً.

منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة وحتى يومنا هذا، لا تكف أطراف إقليمية ومحلية عن المحاولة عبر انتهاج سياسات معادية هدفها إفشال الثورة وضرب المكتسبات التي حققتها.

ولعل أبرز الجهات التي تهدد المنطقة هي الدولة التركية التي ترى ثورة روج آفا والتطورات في شمال سوريا تهديداً لها!.

كما أن أطرافاً عدة مثل إيران، النظام السوري وروسيا ودول أخرى، لا يروق لها كل ما يحدث في هذه المنطقة، لهذا تشهد المنطقة بين فترة وأخرى توترات ومحاولات خلق فتنة ونزاع بين المكونات والأطياف التي تتعايش في المنطقة تحت سقف الإدارة الذاتية.

ورغم أن مناطق الإدارة الذاتية تعيش الآن حالة أمن واستقرار لا تتواجد في بقية المناطق السورية سواء الخاضعة لسيطرة النظام أو تلك التي تحتلها تركيا، إلا أن ذلك لا يرضي هذه الجهات التي لها مصالح تتعارض مع مصالح شعب المنطقة.

ويرى كثيرون أن نموذج الإدارة الذاتية المُطبّق في شمال وشرق سوريا يعتبر نموذجاً إدارياً مثالياً لإدارة المنطقة، إذ هو يضمن مشاركة جميع أبناء المنطقة في عملية الإدارة، ويضمن حقوق جميع المكونات ويصون حرية المعتقدات والرأي ويعتبر نظاماً ديمقراطياً لا نظير له في المنطقة.

(م)

ANHA


إقرأ أيضاً