حرب على الأرض وخسارات متتالية على البحر.. تركيا تفقد المتوسط وزحفها يتقلص؟

ساهمت الثورات التي اندلعت في العالم العربي وأسقطت الكثير من رموز الإخوان المسلمين وثورة شعب شمال وشرق سوريا والصحوة الأوروبية تجاه مطامع أردوغان في كبح جماح مخطط توسعي يرمي إلى إعادة إحياء السلطنة العثمانية بقيادة أردوغان.

لوهلة من الزمن كاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يعلن الانتصار ويفتخر أنه خليفة المسلمين في الدول العربية وأفريقيا، وذلك إبان وصول محمد مرسي إلى سدة الحكم في مصر وكذلك جماعة الغنوشي في تونس وانتعاش الإخوان المسلمين على الأرض السورية والعراقية مُجدداً بدعم من أردوغان وكذلك في ليبيا والسودان.

ولعبت مقاومة شعب شمال وشرق سوريا والكثير من التحالفات المناهضة للأطماع العثمانية في العالم العربي وبالأخص في شمال أفريقيا، في لجم أردوغان ودفعه لمراجعة حساباته الخاطئة.

الكرد كشفوا مخططات العثماني مبكراً وأفشلوها وجردوا السياسة التركية الخارجية

في إطار العثمانية الجديدة التي تستند إلى إحياء الميثاق الملي من أقصى الزاوية الغربية لحلب إلى أقصى الزاوية الشرقية لكركوك مروراً بالموصل والسيطرة على نقاط استراتيجية في البحر المتوسط، خططت حكومة العدالة والتنمية التركية بدقة متناهية، خلال العقد الأول من حكمها، في تهيئة الأرضية بجعل نفسها مركزاً للجماعات والتنظيمات السياسية والمسلحة المتشددة، لا سيما الإخوان المسلمين واتحاد المسلمين الأفارقة وجماعات ذات صلة بالقاعدة.

مقاومة شمال وشرق سوريا قد أضعفت الموقف التركي والقطري وأنهكته على الأرض، خاصة في سوريا التي تحولت إلى مركز لسياساتهم التوسعية.

وقلبت تلك المقاومة السياسية والتحالفات الدولية المعروفة الموازين، وعرّت سياسة حزب العدالة والتنمية في دعم الإرهاب والجماعات السياسية والعسكرية المتشددة.

تلك المقاومة التي بدأت في كوباني ومازالت مستمرة ضد المجموعات المرتزقة التي تدعمها تركيا، نجحت في تعرية حقيقة الأطماع العثمانية وأفشلتها إلى حد بعيد في سوريا، ويمكن اعتبارها بداية يقظة في الشرق الأوسط تجاه أطماع بناء العثمانية الجديدة على حساب الشعوب.

وعلى الصعيد الغربي، بدأ الاتحاد الأوربي بإثارة ملف، جزيرة قبرص وجزر اليونان وتدخلات تركيا بشؤون بلغاريا، ومارس الاتحاد ضغطاً على تركيا في الأجزاء التي تحتلها أو تتدخل فيها في البحر، ووافقت على فرض عقوبات ضدها.

كما علقت الكثير من الملفات المشتركة بينها وبين تركيا سياسياً واقتصادياً، وأخذت تدابيرها بشأن دعم الأخيرة للإرهاب وعدم فاعليتها في التحالف الدولي ضد داعش.

وساهم الغرب في دعم مصر وليبيا سياسياً للانقلاب على الجماعات المتشددة التي استولت على السلطة عبر الدعم التركي والقطري، وكذلك ضمان حفظ سواحلها وحدودها البحرية للتنقيب عن الغاز ضد تهديدات الدولة التركية.   

مصر صفعت تركيا في عدة جبهات من دول المنطقة وسواحلها

كانت مجرد أشهر فقط حين زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصر " المرسي" برفقة وفد حكومي واقتصادي ضخم، وأُلصقت صوره على طول الطرق في العاصمة بمراسم مُبهرة من قبل الحكومة ومن يواليه، والذين استقبلوه استقبال البطل، وقال في كلمته في تلك المراسم بأن " تركيا ومصر يداً واحدة ".

لكن كل شيء تغير بعد مغادرته بأشهر، حيث أودى الشعب المصري بالمرسي وحكومته إلى السجن، وحازت حكومة السيسي الجديدة بالاعتراف الدولي باستثناء تركيا الرافضة لها والتي اعتبرت السيسي " طاغية"، لينقلب كل شيء ويظهر كل ما خفي من الأطماع التركية المدروسة بدقة في مصر قبل هذا التمرد.

بداية ألغت مصر وتركيا خططها المُعدة لإجراء مناورات بحرية مشتركة في شرق بحر الأبيض المتوسط، ليلحقها طرد وزارة الخارجية المصرية للسفير التركي حسين عوني بوطصالي وطلب منه مغادرة البلاد في تشرين الثاني 2013.

تلا ذلك اتفاق مصر مع قبرص في 2013 لترسيم الحدود البحرية بين البلدين للاستفادة من المصادر الطبيعية في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين في شرق المتوسط، وذلك وفق القوانين والمبادئ الدولية التي أصدرتها الأمم المتحدة عام 1982، ومن ثم استِضافة العاصمة المصرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، قمة ثلاثية بينها وبين اليونان وقبرص، لترسيم الحدود البحرية شرق المتوسط لبحث سبل وإمكانيات التنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة السواحل القبرصية المصرية.

أثارت هذه الاتفاقية حفيظة الدولة التركية، التي لم تذق حتى فتات مما تبقى من تلك الخطوط الحدودية المرسومة والمدعومة دولياً، حيث ترى تركيا لنفسها الأحقية في تلك المنطقة، وتعتبرها "الوطن الأم الزرقاء" كجزء من حدود العثمانية الجديدة، وترفض الحدود المرسومة وتخطط للتنقيب عن الغاز في حدود قبرص وجزر اليونان أمام رفض دولي كامل ضده.

واشتعلت الحرب من هذا المنطلق لتمتد إلى الحرب بالوكالة الآن في ليبيا بين الحكومة المعترف بها والمدعومة دولياً وعربياً من قبل مصر والخليج والسعودية، وبين الميليشيات المتشددة التي تدعمها تركيا سياسياً ولوجستياً وعسكرياً.

ومن ثم في السودان التي كاد أن ينجح أردوغان في تحويلها إلى قاعدة بحرية استراتيجية ضد مصر والخليج، عبر قاعدتها في جزيرة سواكن بالاتفاق مع عمر البشير، لولا ثورة الشعب ضد الأخير وعزله ودعم مصر والدول العربية الأخرى للحكومة الجديدة ليبقى مخطط تركيا هناك في تلك الزاوية الجيوعسكرية والتجارية معلقاً لإشعار آخر.

ولم تتوقف مصر والسعودية وحلفائها عند هذا الحد بل شكّلت تحالفاً للضغط على تركيا بتوجيه ضربة إلى حليفتها الاستراتيجية قطر، وذلك بتشديد الحصار على الأخيرة وعزلها عربياً على كافة الأصعدة، حيث أعلنت عشرات الدول العربية دعمها لهذا التحالف ضد قطر، وذلك بسبب مواقفها وأهمها دعم قطر مع تركيا للجماعات المرتزقة في سوريا والعراق وعدة دول عربية لخلق الفوضى وزعزعة الاستقرار في هذه الدول.

وتُوّجت هذه المعارك لصالح جبهة مصر والخليج ومعهم عدة دول عربية وإفريقية وأوربية على الأرض والبحر المتوسط، بإعلان منتدى الشرق الأوسط للغاز في القاهرة يناير/ كانون الثاني 2019، حيث ضم سبع دول أساسية من بينها إيطاليا واليونان وإسرائيل والأردن.

بذلك تمكنت مصر من طرد تركيا من مساحات شاسعة، كانت الأخيرة تراها من ملكيتها، كما أغلقت مصر الباب أمام تركيا بهدف احتلال مساحات أخرى، في سواحل دول جارة على البحر، أو الاستثمار لفتح الطرق عبر تركيا الى أوربا وذلك عبر عدة اتفاقات مع إسرائيل وقبرص واليونان ولبنان والأردن وإيطاليا وليبيا وفلسطين.

اليونان وقبرص في مواجهة تركيا وليس للأخيرة حقوق في سواحل جزيرة قبرص رغم تعنتها

عجزت الدولة التركية عن إيجاد مصادر الطاقة من الغاز والنفط في سواحلها ضمن المتوسط، مما جعلها تطمع في حدود اليونان والقبرص للتنقيب فيها، كجزء من المخطط التوسعي الاستراتيجي في المنطقة، مخالفة اتفاقية الأمم المتحدة للبحار، لذلك مازالت الأزمة والتهديدات مستمرة بين تركيا وكل من اليونان وقبرص إلى جانب فرض الاتحاد الأوربي العقوبات على الأخيرة لأنها اخترقت المواثيق الدولية المعمول بها في البحار.

وتعتبر قبرص دولة واحدة تديرها العاصمة نيقوسيا المعترف بها دولياً، بالرغم من احتلال تركيا لجزء منها وتشكيلها لحكومة مستقلة تُدار وتمول من أنقرة، وترفضها دول العالم وتعتبرها قضية أزمة بالنسبة للاتحاد الأوربي.

وبعد الاكتشافات الهامة للغاز حديثاً في 2011 وبعدها 2018 في سواحل قبرص، أصبحت نقطة أكثر اهتماماً بالنسبة للدول الإقليمية والعالمية للمسارعة إلى التعاون وتقوية الدبلوماسية، لا سيما أوربا، من أجل الاستثمار ومد الخطوط الاقتصادية كخط منافس للغاز الروسي.

فوقعت قبرص اتفاقية مع مصر وإسرائيل خلال السنتين الماضيتين لرسم حدود المناطق الاقتصادية والجرف القاري، وكذلك اتفاقية مع اليونان وإسرائيل لمد أنبوب للغاز القبرصي والإسرائيلي ولاحقاً المصري والفلسطيني الى إيطاليا ومنها إلى أوربا لمنافسة الغاز الروسي، وكذلك لضرب الطريق التركي بالشلل وإبعاده عن أي اتفاق سياسي واقتصادي على البحر.

تأثير تركيا السياسي والعسكري في المنطقة ينهار ويتقلص

بالنظر إلى الخارطة السياسية والعسكرية للشرق الأوسط بحراً وبراً وبعد كل ما ذكر من اتفاقات وتحركات اقليمية ودولية آنفاً فإن تركيا تستنزف قوتها ويتقلص تأثيرها السياسي والعسكري في دول المنطقة حيناً بعد حين نحو داخلها.

فقفزتها النوعية إلى مصر وليبيا والسودان براً وبحراً، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، قد تراجع إلى حدود أنقرة وقصر أردوغان، وكذلك في بحر اليونان وقبرص وإسرائيل والأردن ولبنان فقدت السياسة والاقتصاد، وفي سوريا والعراق فقدت كل شيء والقضاء على وجودها على كافة الأصعدة باتت مسألة وقت.

حزب العدالة والتنمية يعيش اليوم أزمة حقيقية ألقت بتأثيرها على الداخل التركي أيضاً والتي تمر بمرحلة ديكتاتورية في العصر الحديث قد يؤدي إلى انفجار ينهي حكم العدالة والتنمية.

(م)

ANHA


إقرأ أيضاً