رئيس بلدية آمد المعزول: فزنا بصناديق الاقتراع وقرار العزل سياسي وليس قانوني

قال الرئيس المشترك لبلدية آمد الذي عزلته السلطات التركية، عدنان سلجوق مزركلي، إنه رغم كل القمع والعراقيل والبلطجة من جانب حكومة حزب العدالة والتنمية إلا أنهم فازوا بالانتخابات البلدية واستعادوا البلديات، وأكد أن عزل رؤساء البلديات بموظفي الحكومة هو قرار سياسي وليس قانونياً، معتبراً أنه "انقلاب" نظمه أولئك الذين شاهدوا إحياء ثقافة وأسلوب حياة أرادوا القضاء عليه.

قال الرئيس المشترك لبلدية آمد الذي عزلته السلطات التركية، عدنان سلجوق مزركلي، في مقالة بصحيفة العرب "في التاسع عشر من أغسطس، استيقظت جمهورية تركيا على انقلاب. تمثل هذا الانقلاب في واقع الأمر في استبدالي وكذلك استبدال أحمد تورك وبديعة أوزكزك جه أرتان، رؤساء البلديات المنتخبين من حزب الشعوب الديمقراطي بمعينين حكوميين.

في إطار المفهوم القانوني، كان الهدف من المعينين الذين جاءت بهم الحكومة، أو “الأوصياء”، معالجة الافتقار إلى الإدارة في الشركات المتعثرة من خلال استقدام موظفين قادرين على إعادة هيكلتها. في ضوء ذلك، لم يكن ما حدث لبلدياتنا في "جنوب شرق تركيا" سوى انقلاب.

يمكن للمرء أن يعود إلى تاريخ تركيا الحديث لفهم المنطق وراء هذا الانقلاب.

في عام 2014، حينما كانت عملية السلام التي أطلقها الحزب الحاكم في تركيا وحزب العمال الكردستاني ووعده بالديمقراطية الحقيقية لا تزال قائمة، كان حزب السلام والديمقراطية، الحزب الشقيق لحزب الشعوب الديمقراطي، قد فاز بأكثر من 100 بلدية. واتبعت هذه البلديات نهجا بديلا للحكومة المحلية، إذ احتضنت المناطق المحلية بما يمكن أن يسمى “نهج الشعب”.

زادت المكاسب التي تحققت أيضا بعد الانتخابات التي أجريت في السابع من يونيو 2015، عندما أصبح حزب الشعوب الديمقراطي أول حزب مؤيد للكرد يتجاوز النصاب القانوني اللازم لدخول البرلمان في تركيا ويفوز بمقاعد في البرلمان.

كانت تلك المرحلة التي انطلق فيها أولئك الذين خسروا على الصعيدين المحلي والوطني من أجل تبديد مكاسبنا. وتم التخلي عن عملية السلام التي بدأت في عام 2013، واختاروا بدلا من ذلك إشعال الصراع. وبذلك، قاموا بتطوير سياسات لخلق عدو جديد في أنظار الجماهير.

لقد وضعوا أعينهم على المكاسب البلدية المحلية للحركة السياسية الكردية من خلال تعيين ما يمكن وصفه بشكل أساسي بالحكام الاستعماريين. قام حزب العدالة والتنمية بإقالة 94 رئيس بلدية من حزب الأقاليم الديمقراطية من البلديات التي فشل في الفوز بها في الانتخابات، وسجن كثيرين منهم أيضا.

ثم حوّل أنظاره إلى الرؤساء المشتركين لحزب الشعوب الديمقراطي ونوابه في البرلمان، واعتقلهم أيضا. جرى كل هذا من أجل عرقلة عملية السلام.

بدا هذا أياماً مظلمة على البلاد كما ازداد القمع مع مرور كل عام. ومع ذلك، تحلى الكرد بالصبر وانتظروا فرصتهم للإدلاء بأصواتهم مرة أخرى. طوال الوقت، شاهدوا مدنهم تتحول إلى أنقاض في "عملية الدولة ضد المسلحين" وشاهدوا بلدياتهم ينهبها الإداريون الذين عينتهم الحكومة.

وعلى الرغم من كل هذا، انتظروا، على أمل أن تأتي أيام أفضل بعد الانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس.

جاء اليوم وتم إجراء الانتخابات، وحققنا الفوز. رغم كل القمع والعراقيل والبلطجة من جانب الحكومة، جلب لنا صندوق الاقتراع الأمل؛ لقد استعدنا غالبية البلديات التي تم الاستيلاء عليها بعد انتخابات 2014.

بقيت مرتبطاً بشرف البشرية لأني ملزم كطبيب بقسم أبقراط. وعلى الرغم من كل العوائق، دخلنا في مرحلة إعادة البناء. سعينا للعمل مع أهل آمد (الاسم الكردي لديار بكر)، وركزنا بشكل خاص على ذكريات المدينة. ولأن هذه الأراضي مرتبطة بجذورها، فهي لا تنسى.

لهذا السبب أطلقنا عليها، باللغة الكردية “آمد مدينة البيرة والحب”- آمد، مدينة الذكريات والشغف. انطلقنا في استعادة الذكريات التي حاولت الحكومة القضاء عليها بالقوة وعملنا مع الناس من الفن والثقافة إلى الاقتصاد، ومن اللوائح البيئية إلى النسيج الاجتماعي للمدينة.

ولا بد أن نكون قد نجحنا في مهمتنا، ويتضح ذلك من حرصهم على القيام بانقلاب بعد أربعة أشهر فقط. فاز فريقنا ولقد حققنا النجاح وهذا جعلهم يشعرون بالخوف.

استبدال رؤساء البلديات بموظفي الحكومة هو قرار سياسي وليس قانونيا. إنه انقلاب نظمه أولئك الذين شاهدوا إحياء ثقافة وأسلوب حياة أرادوا القضاء عليه.

ثمة شائعات الآن تقول إن 13 من رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب الشعوب الديمقراطي في آمد سيتم استبدالهم قريبا. وتقول محافظة ديار بكر، التي أثارت الشائعات عن طريق طلب بيانات عن رؤساء البلديات، إن هذا إجراء روتيني وإنه لا توجد خطة لاستبدالهم بموظفي الحكومة.

مع ذلك، لا يوجد تفسير لسبب أن مقدمة طلب البيانات تشير إلى “الإيقاف” ولا يوجد تفسير لأن الطلب جاء فقط بشأن رؤساء البلديات المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي. وتبين الوثيقة المعنية في حد ذاتها ما هو الموضوع السياسي فحسب.

لقد غاب القانون والعدالة منذ وقت طويل عن قاعات المحاكم في تركيا. كان هذا واضحاً مرة أخرى في الحكم الصادر في الأسبوع الماضي على جنان كفتانجي أوغلو رئيسة حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في إسطنبول.

يقولون إن الحكم بالسجن لمدة 10 سنوات جاء بسبب التغريدات التي نشرتها كفتانجي أوغلو قبل سنوات، ولكن في الحقيقة جاء الحكم بالسجن بسبب دعوتها إلى تضامن أقوى مع الشعب الكردي وقطاعات أخرى مضطهدة من المجتمع التركي.

تحمل هذه الحكومة ضغينة وغضباً ضد الشعب الكردي وضد اليساريين والنساء والأطفال وضد الطبيعة. من المستحيل توقع العدالة أو حكم القانون من مثل هذه العقلية. لقد رأينا الخسائر الفادحة لحكم الإداريين الذين عينتهم الحكومة لمدة عامين، وعدنا لإصلاح هذا الضرر. لم يبرر أي من تصرفاتنا في الأشهر الأربعة التي أعقبت الانتخابات فرض الحكومة لتعيين الإداريين.

يتحدثون عن الكيفية التي من المفترض أننا غيرنا بها أسماء الشوارع لإنشاء علامات مؤيدة للكرد، لكن القوانين التي وضعتها الدولة نفسها تقول إن سلطة تغيير أسماء الشوارع تقع على عاتق البلديات.

غيرت بلدية ديار بكر الأسماء بعد إقرار الاقتراح في تصويت أجري بالمجلس البلدي. لم تعترف المحافظة بهذا القرار وتم إلغاؤه. وبعد إلغاء القرار، لم يكرر المجلس قراره بتغيير أسماء الشوارع، ولم يتصل بالمحافظة في هذا الموضوع، لكن وسائل الإعلام خلقت انطباعا بأن الأسماء قد تغيرت، على أي حال.

هذه هي بالتحديد السياسة المنسوبة لوزير الدعاية في ألمانيا النازية جوزيف غوبلز “إذا قلت كذبة كبيرة بما يكفي وواصلت تكرارها، فسوف يصدقها الناس في نهاية المطاف”. وهكذا يتهموننا بهدم المساجد. هذه هي الحكومة التي تعهدت ببناء أكبر مسجد في ديار بكر منذ سنوات. المشروع لا يزال غير كامل. يجب أن نسأل لماذا.

أولئك الذين تركوا بناء المسجد نصف مكتمل، يشكون الآن بشأن مساجد لا وجود لها ويزعمون أننا هدمناها.

في ديار بكر، كما هو الحال في أي مدينة متطورة، تُؤخذ في الاعتبار المدارس وأماكن العبادة والمساحات الخضراء وغيرها من الضروريات عند تحديد المناطق المخصصة للتنمية.

لكن من الغريب أنه خلال عامين في ظل الإدارة المعينة من قبل الحكومة، في حين لم يتم بناء المساجد في المناطق المخصصة، تم تخصيص مساحات خضراء أكبر لبناء مساجد جديدة.

اتخذ المجلس البلدي قرارا بإعادة تخصيص هذه المساحات للمساحات الخضراء وتقديم الدعم اللازم لبناء مساجد جديدة في المناطق التي احتاجت إليها. وقد هاجمت وسائل الإعلام الموالية للحكومة هذه القرارات على الفور، حيث نشرت تقارير استفزازية تفيد بأننا “هدمنا المساجد”.

في الواقع، كانت بلدية المحافظة مشغولة بتنظيف حوالي 100 مسجد في الوقت المناسب بمناسبة حلول عيد الأضحى في شهر أغسطس.

في بلد لا تستطيع فيه المعارضة إعطاء الأمل، يركز الناس بدلا من ذلك على أكاذيب أولئك الذين تم الدفع بهم إلى الصفوف الأمامية “كمنقذين”، كما هو الحال مع غوبلز وآلة الأكاذيب. ويصدق الناس آلة الدعاية ويطيعونها ويقبلون أن الحكومة عينت إداراتها الخاصة للأسباب المذكورة. على أي حال، لا يوجد نظام قضائي فعال للمطالبة بالأدلة وتحديد الحقيقة.

وفي حين يتم تصوير العدالة عادة على أنها امرأة معصوبة العينين، إلا أن يديها الآن في تركيا مقيدتان أيضا ويجري التلاعب بها كدمية. وهذا هو السبب في أن غولتان كيشاناك رئيسة بلدية ديار بكر السابقة من حزب الشعوب الديمقراطي وكثيرين آخرين مثلها خلف القضبان، غير قادرين على الاستمرار في أداء واجباتهم.

هذه التطورات التي شرحتها تمثل جزءا من صورة أكبر عن كيفية الاستيلاء على بلدياتنا ولماذا، الأمر متروك للقراء لاستنتاج الحقيقة.

بالنسبة للمستقبل، لا بد للحكومة من الاستيلاء على المزيد من البلديات ما لم تزد الاحتجاجات داخل تركيا وخارجها.

ليس حزب الشعوب الديمقراطي فحسب هو الذي يتعرض للتهديد، بل المعارضة بأسرها في تركيا معرضة لذلك. تطلق الحكومة الآن تهديدها على رؤوسهم مثل سيف ديموقليس.

ونظرا لأننا لن نسمح بانجراف البلد إلى حفرة نظام الرجل الواحد، فقد استولوا على بلدياتنا، مما وجه ضربة لإرادة الشعب.

هذه هي النقطة الأساسية التي ينبغي فهمها.

عندما ترى الناس في الشوارع يحتجون على الإداريين الذين عينتهم الحكومة، فإن أياً منهم لا يفعل ذلك سعياً إلى مواقع النفوذ. لقد وقفنا في وجه هذه الضربة للديمقراطية في هذه الاحتجاجات، وتعرضنا للتهديدات والضرب والغازات المسيلة للدموع للقيام بذلك دون الرجوع إلى الوراء.

لقد عينت الحكومة الإداريين قبل عامين، وما الذي فعلوه، بخلاف إفراغ خزائن البلدية؟

كانت المهمة الأولى التي قاموا بها هي إزالة عناصر اللغة والثقافة الكردية من البلدية، وتبديد المكاسب التي حققتها المرأة ومحاولة تنشئة جيل من الشباب المذعن دون أي جدال. الأشخاص الذين فصلوا الآلاف من العمال يتحدثون الآن عن الحقوق والعدالة لأننا فصلنا الأفراد الذين أدينوا بالسرقة وغيرها من الجرائم المشينة.

لم يحقق الإداريون الذين عينتهم الحكومة شيئا سوى العمل على ربح حفنة من المقربين. جاؤوا إلى البلديات وخزائنها مملوءة تماما وتركوها مدينة بالمليارات من الليرات. تجد الآن ديار بكر وماردين ووان والكثير من المقاطعات والمناطق الأخرى نفسها غير قادرة على خدمة سكانها.

يرجع هذا بشكل محض إلى السرقة والانقلاب على الإدارات المحلية. يمكننا ترك هذا الأمر للناس ليقرروه، دعوا المعينين من قبل الحكومة يستقيلون في ديار بكر وماردين ووان، ويخوضون الانتخابات كمرشحين مستقلين.

أعتقد اعتقادا راسخا أن زميلي أحمد تورك، رئيس بلدية ماردين المفصول، سيفوز بأصوات أكثر من أصوات الثلاثة مجتمعين.

كشف استطلاع أجرته شركة أبحاث أن 81 بالمئة من سكان ديار بكر يرفضون المعينين الذين جاءت بهم الحكومة، وحصلنا على تأييد 63 بالمئة من المدينة في انتخابات الحادي والثلاثين من مارس. لذلك، ليس فقط أولئك الذين صوتوا لصالحنا هم الذين يعارضون هذا الوضع الذي فرضته الحكومة. الناس من قاعدة الناخبين التابعة للحكومة يتفقون معنا أيضا.

مسألة ما يمكننا القيام به ردا على هذا الوضع قيد المناقشة دائما. نحن لسنا مهندسين اجتماعيين. معا سنتوصل إلى قرار بشأن السياسة التي يجب اتباعها. القرارات لا تأتي من عقل مدبر وحيد، بل من خلال التشاور.

نتطلع إلى إنهاء الصراع وإدراك أن الحرب لن تحل المشكلات التي تواجهنا. تكمن طريقة الدعوة إلى وقف المعينين الحكوميين ووقف الفساد، الذي يمثل أولوية بالنسبة لنا، أولا في معارضة سياسات الصراع التي تنتهجها الحكومة. وثانيا، من الضروري استعادة البرلمان بسلطاته السابقة، وإنشاء نظام الضوابط والتوازنات الرقابية والفصل بين السلطات. ولكي يستأنف البرلمان واجباته ومسؤولياته في هذه المجالات، ويضمن توازن القوى، يجب أن تكون التشريعات والسلطة التنفيذية والقضائية مستقلة. نحن ندعو البرلمان للاضطلاع بمهامه. ويمكن لدستور جديد أن يضمن الاندماج في وطن مشترك.

ثالثا، يجب على الجهات الفاعلة في المجتمع أن تتقدم بلا خوف إلى الأمام. أولئك الذين يقبلهم المجتمع والذين تحمل كلماتهم وزنا في تركيا يجب أن يتحملوا نصيبهم من العبء. علاوة على ذلك، يجب على الجميع فعل شيء لوقف الظلم.

إن التزام الصمت في وجه الاضطهاد يعني التواطؤ، لذلك يجب أن نرفع أصواتنا بكل طريقة ممكنة ونوضح أننا لسنا في صفهم.

أكثر ما يخيفهم الوحدة والتكاتف. إنهم خائفون من الناس. نحن الشعب، لذلك الأمر متروك لنا للوقوف معا. نحن مستقبل هذا البلد. نحن الذين يدعون إلى وقف الفساد. لذلك، من أجل هذا البلد وشعبه، يجب أن نطالب بإنهاء الانقلابات والمعينين الحكوميين.


إقرأ أيضاً