صراع ممتد من سوريا إلى أرامكو.. هل الأيام القادمة ستكون حاسمة بخيارات غربية؟

يستمر التصعيد مع إيران بأخذ دوره في كل مناسبة ومحفل سياسي في الشرق الأوسط والعالم, فمن الخلاف حول ملفها النووي إلى الصراع في سوريا والعراق ولبنان واليمن وصولاً إلى حادثة أرامكو, وينتظر العالم كيفية سير مسار الأحداث التي تتراوح بين الحديث عن تفاوض جدي أو حرب شاملة في المنطقة.

مع ارتفاع ألسنة اللهب المشتعلة في المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو في السعودية والتي وقعت يوم السبت الـ 14 من سبتمبر/أيلول الجاري, عاد التصعيد مع إيران في المنطقة بقوة ويستمر حتى اليوم, حيث تتوجه أنظار العالم إلى نيويورك، إذ تجري اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء وجود الرئيسين الأميركي والإيراني هناك.

وقالت السعودية عقب الهجمات إن ما لا يقل عن 18 طائرة مُسيّرة وسبعة صواريخ كروز استُخدمت في هذه الهجمات، ولكن على الرغم من حجم الأضرار، ما زالت أرامكو مُتفائلة بشأن استئناف الانتاج بشكل كامل بحلول نهاية الشهر الجاري.

وأكّد وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير أن الهجمات التي استهدفت منشأتي النفط التابعتين لشركة "أرامكو" "تمت بأسلحة إيرانية" مُحملاً طهران المسؤولية عنها.

وقال الوزير في مؤتمر صحفي: "نحن متأكدون أن مصدره لم يكن اليمن ولكن شمال المملكة".

وأفاد مسؤول أميركي لوكالة فرانس برس، أن الولايات المتحدة باتت متأكدة بأن الهجوم الذي استهدف منشآت نفط سعودية، تم من الأراضي الإيرانية، وقد استُخدمت فيه صواريخ عابرة.

وزادت هذه الحادثة من حدة صراع قديم تقوده الولايات المتحدة ضد إيران, فمنذ أن وصلت إدارة ترامب إلى البيت الأبيض قامت بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران وشدّدت العقوبات عليها, ووضع ترامب استراتيجية للتعامل مع إيران يربط بين الاتفاق النووي والوضع في الشرق الأوسط.

المحلل السياسي والباحث في العلاقات الدولية، طارق وهبي وهو فرنسي من أصول لبنانية تحدث حول خلفية هذا التصعيد لوكالة أنباء هاوار قائلاً "الملف الإيراني يستقطب اهتمام عدد كبير من الدول التي تبحث عن الاستثمار في إيران في حال تم إعداد صفقة حقيقية تعود على جميع هذه الدول بالتنشيط الاقتصادي والحصول على مشاريع محلية، ولكن هذا السيناريو يمر عبر قبول إيران بشروط هامة تقصيها عن التدخل السياسي في منطقة الشرق الأوسط. إن قبول ايران بذلك معناه تخليها عن أذرعها في المنطقة وهذا تغيّر استراتيجي يؤدي إلى وضع بعض الزعزعة في صفوف كل من الحشد الشعبي، حزب الله، الحوثيين وحماس".

وبعد أن شدّدت الولايات المتحدة العقوبات على إيران, بدأت الأخيرة بتحريك حلفائها والتصعيد ضد واشنطن وأوروبا حيث شهدت مياه الخليج ومضيق هرمز حرباً بين الطرفين على الملاحة البحرية وتبادلوا احتجاز السفن.

وهبي أضاف في هذا السياق قائلاً "الذي يحصل في دفع الأذرع الإيرانية إلى الدخول في نوع من الانتحار المحلي لكي تصل إيران إلى مستوى عالٍ من السيطرة على ما سيتبقى منها، من الواضح إن ما حصل في المملكة العربية السعودية هو أمر إما مباشر أو غير مباشر لأوامر الحرس الثوري لكي ترفع سقف المواجهة، ويقول إن إيران قادرة على ضرب أي موقع في الدول الخليجية التي لا تريد الحوار معها. إن ضرب مواقع في أرامكو هي من أكبر الضربات في المملكة بعد الذي حصل في احتلال الكويت من قبل العراق، وهذا دفع أيضاً لطرح سؤال كبير: كيف تصرف المملكة المليارات لشراء معدات عسكرية لا تردع هكذا هجوم ؟

وما أثبته التحقيق السعودي الأمريكي الفرنسي إن الطائرات المُسيّرة قدمت من الشمال وبالتحديد من العراق أو من سوريا المنطقة المحاذية للحدود العراقية السورية وفي كلا الفرضيتين فإنها قادمة إما من الحشد الشعبي أو الفصائل الإيرانية في سوريا وعلى رأسهم حزب الله، الاتهام أُثبت عبر معلومات وصور رقمية من أقمار اصطناعية مسار الطائرات، وهذا بحد ذاته تطور غير مسبوق في التعدي على السيادة السعودية, والتنسيق من أجل ضرب المواقع التي أُرسلت منها الطائرات، وهو الحديث الاستراتيجي الآني للدول التي تساعد المملكة بالرد على هذا الهجوم".

ويرى المحلل السياسي "الموضوع ليس حرباً في المنطقة ولكن معارك على شكل تصفية حسابات سياسية بعيداً عن القوى المتصارعة, إيران تتحمل كل المسؤولية عن هذا التصعيد وهذا من اختصاصها في دفع الأوراق وحرقها لكي تعطي دفعاً لإيران في أية عملية لاتفاقية جديدة أو مُنقّحة".

وأضاف "الوساطة الفرنسية لا تزال قائمة لأنها بُنيت على أساس التنازل المتبادل، ولا تستطيع فرنسا الوصول إلى تقريب وجهات النظر دون وساطة أطراف بالتحديد كروسيا وألمانيا وبريطانيا، كل دولة تضغط على طرف مهم في العملية السياسية، فروسيا مثلاً تسطيع عبر دبلوماسيتها العمل مع إيران لكبح بعض الممارسات بالتحديد في سوريا أو في مياه الخليج، ألمانيا تدفع بالحليف الإيراني "تركيا" إلى التدخل لديها لضمانة عدم فتح الباب للمهاجرين السوريين وأيضاً كيفية التعامل مع الملف الكردي السوري في شمال وشرق سوريا، أما بريطانيا الحليف الأول لأمريكا تحاول أن تقنع دوائر البيت الأبيض بمصداقية الخطة الفرنسية وكيفية تطبيقها لمصلحة الأطراف جميعاً".

وحول مساعي التوصل لتفاهم قال وهبي "الاتفاق النووي لعام 2015 طعن به ترامب وهو يريد اتفاق جديد مبني على خطة عمل مهمة, النشاط النووي وارتباطه بتطوير الصواريخ الباليستية، ولن تصل القوى المتنازعة لأي اتفاق إذا لم يتم وضع كل عوامل الربح والخسارة للجميع وأمريكا تعتبر أنها أُقصيت من الاتفاق بعدم حصولها على عقود استثمار في إيران وعودتها ستكون من أجل ذلك ومن ورائه زعزعة حلفاء إيران روسيا والصين حيث ترغب أمريكا بالدخول معهم بسباق عسكري واقتصادي".

وأوضح أن "ماكرون يسعى لاجتماع في مجلس الأمن بين الدول الدائمة العضوية وإيران وألمانيا لإحياء ٥+٢ كبادرة حلٍ للنزاع، لأنه حتى اللحظة إمكانية لقاء ترامب روحاني هي بعيدة الأمل, وقد يشمل هذا الاجتماع طرح سلامة الملاحة البحرية وفقاً لقانون البحار والحد من الطروحات لكل من إيران وأمريكا, وباستقبال وفد إماراتي في إيران ومحادثات عُمانية عراقية قطرية وكويتية حول ذلك تدفع بإيران أن تطلب بقوى مشتركة لحماية الملاحة، ولكن الطرح الأمريكي يذهب أبعد بقوله إن الملاحة تعود للدول التي تستورد النفط وهي المستفيد بعد الدول المنتجة لذلك عليها أن تشكل مع الدول المنتجة فصيل حربي لحماية الملاحة، أما الطرح الإيراني يبحث عن تفتيت ما تبقى من التعاون الخليجي".

واختتم المحلل السياسي طارق وهبي حديثه بالقول "إيران تلعب أيضاً على تقسيم النفوذ الديني بين السنة على أن لا تسمح لأحد بالتطرق إلى زعامة المذهب الشيعي وبالتحديد بنظرية ولاية الفقيه، إيران أصبحت بتفرعاتها السياسية غير قادرة على إدارة ملفاتها وهي تتخبط وتستفيد من التناقضات الغربية والداخلية الخليجية والعربية، الأيام القادمة ستكون حاسمة بخيارات غربية قد يدفع ثمنها الخليج غالياً".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً