كوباني وهجوم الـ15 من أيلول.. بداية النهاية لداعش

في مثل هذا اليوم قبل 5 أعوام، قرعت طبول الحرب على أسوار مدينة كوباني، واجتمع الآلاف من مرتزقة داعش لتنفيذ مخطط احتلال المدينة مع بالقرى، لكن الخطة انقلبت، وتعرض داعش هناك لأولى هزائمه وأكثرها قساوة.

بدأ داعش يوم الـ15 من أيلول/سبتمبر عام 2014 بشن هجوم شامل وكبير على قرى مدينة كوباني التي كان داعش يحاصرها من ثلاث جهات بينما تحاصر تركيا الجهة الرابعة.

على طول 3 جبهات ومئات الكيلومترات، قرعت طبول الحرب بعدما بدأ داعش يحشد قواته على تخوم مقاطعة كوباني. ذلك بعد أن سيطر على الموصل وكذلك العديد من القطاعات العسكرية لجيش النظام السوري من أبرزها اللواء 93 في عين عيسى حيث استولى عندها على أطنان كبيرة من الأسلحة وعشرات المدرعات استخدمها في هجومه على المقاطعة.

كانت الخطة محكمة الرسم على ما يبدو لدى داعش الذي لم يكن ليوفر الوقت حتى بدأ الهجوم على جبهتين معاً، من الشرق والغرب، وسرعان ما احتل عدد من القرى نظراً للقوة الكبيرة التي كان يمتلكها إذا ما قورنت بتلك التي كانت بحوزة وحدات حماية الشعب.

ولابد لنا أن نذكر أن القوات المدافعة عن كوباني لم تكن تمتلك دبابة واحدة قط أو حتى مدرعة نقل جنود، خلافاً لمرتزقة داعش التي استخدمت في كل جبهة أكثر من دبابتين ناهيك عن استخدام مدافع 130 التي كانت لها القدرة لأن تقصف مركز مدينة كوباني من على بعد 30 كيلو متراً.

بدأ المرتزقة الهجوم والتوغل في عمق الحدود الطبيعية لمقاطعة كوباني التي كانت تحميها وحدات حماية الشعب.

أمام تفوق داعش العسكري والعددي على وحدات حماية الشعب والمرأة أبدت الوحدات مقاومة كبيرة قدمت فيها عشرات المقاتلين شهداءً وقد نفّذ العديد منهم عمليات فدائية أمثال "ريفانا، آرين ميركان، باران سرحد، إيريش وزوزان" محاولين ردع قوات العدو ومنعها من التقدم.

لكن المقاومة التي كانت بالأسلحة الفردية والقليل من الرشاشات لم تكن كافية لإيقاف زحف داعش صوب كوباني.

لقد حملت المقاومة في الريف طابعاً خاصاً مختلفاً بعض الشيء عن تلك التي عقبتها في شوارع المدينة، فتراجع وحدات حماية الشعب والمرأة أمام داعش كان الأول على الإطلاق منذ تاريخ نشأة الوحدات، ذلك ما كان يدفع مقاتلي الوحدات لتحدٍ كبير وهو استحالة التراجع خطوة أخرى إلى الوراء؛ الموت ولا التراجع.

مع اشتداد الهجمات، لم يكن على المدنيين إلا النزوح صوب مركز المدينة التي كان الحصار عليها يشتد مع مرور الأيام وبسرعة فائقة، وذلك تجنباً لمجازر أكيدة من الممكن أن يتعرضوا لها تكون شبيهة بتلك التي جرت في شنكال وراح ضحيتها أكثر من 5 آلاف إيزيدي.

ففي غضون 10 أيام شهدت كوباني نزوح أكثر من 300 ألف مدني صوب الحدود الشمالية للمقاطعة والواصلة مع شمال كردستان (باكور).

معظم المدنيين عبروا الحدود مع شمال كردستان وقصدوا منطقة سروج.

في صباح يوم الأحد الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2014، احتل داعش "تلة مشته نور" المطلة على المدينة من جهة الجنوب الشرقي بعد 20 يوماً من المعارك في الريف، وبدأ يقصفها بشكل عنيف.

المعارك التي بدأت في مدينة كوباني على شكل حرب الشوارع تطورت على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى كانت بوضع خط دفاعي للحد من تقدم مرتزقة داعش، وقد تحقق ذلك في 8 تشرين الأول/أكتوبر، أي بعد 3 أيام من انتقال المعارك إلى شوارع المدينة.

في ذلك اليوم نفّذ عدد من مقاتلي وحدات حماية الشعب عمليات فدائية ، حيث استهدفوا جميع المواقع التي تنطلق منها رصاصات المرتزقة وتمكنوا من التحكم بزمام المبادرة والحد من تقدم مرتزقة داعش.

كان الجو السائد في تلك الفترة هو أن المدينة معرضة للسقوط في أية لحظة وكان الجميع يروّج لذلك وفقاً لمصالحه، الجميع كان يتساءل هل سقطت كوباني أم لا؟ ومتى ستسقط؟.

في معارك ساحة الحرية تم الحد من تقدم داعش، وباشرت وحدات حماية الشعب بتحصين خطوطها الدفاعية كما دربت المقاتلين على أساليب حرب الشوارع. وهكذا مرت الأيام حيث استمرت الهجمات على الخطوط الدفاعية بشكل يومي دون أن يحرز المرتزقة أي تقدم، بل إن وحدات حماية الشعب كانت تحرر بين الفينة والأخرى بعض المنازل والشوارع، واستمر الوضع على هذا المنوال مدة 71 يوماً.

وبعد ذلك بدأت المرحلة الثانية، حيث بدأت وحدات حماية الشعب باتباع تكتيكات حرب الكر والفر وتنفيذ عمليات نصب الكمائن، زرع الألغام، القنص والهجمات الخاطفة والعديد من التكتيكات الأخرى. كما أكد عدد من قادة الوحدات في ذلك الوقت أن الضربات التي ألحقها المقاتلون بمرتزقة داعش كانت بفضل العمليات التي نفذتها قواتهم خارج المدينة، وبذلك تمكنت الوحدات من حماية خطوطها وكذلك دحر هجمات المرتزقة.

أما المرحلة الثالثة فقد بدأت بتاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر 2014 أي في اليوم الـ 94 للمقاومة. في ذلك اليوم بدأت حملة تحرير مدينة كوباني تحت اسم حملة الانتقام لشهداء كوباني، ومع بدء الحملة التي استمرت 40 يوماً حتى تحررت كوباني تغيرت موازين الحرب في كوباني وانقلبت الأوضاع تماماً.

التفاعل الإقليمي والعالمي مع كوباني

المقاومة العظيمة التي أبدتها وحدات حماية الشعب والمرأة في الدفاع عن مدينة كوباني جعلت أنظار العالم تلتفت صوب مدينة كوباني، حيث بدأت المدينة وفي غضون فترة وجيزة تحتل العناوين الرئيسية لمعظم الوسائل الإعلامية وحديث أبرز القادة الدوليين.

فور وصول داعش إلى كوباني كان الكرد في شمال كردستان (باكور) أول المنتفضين دعماً للمقاومة التي كانت وحدات حماية الشعب تبديها في مدينة كوباني، حيث انتفض أبناء الشعب الكردي في معظم المدن الكردية في شمال كردستان دعماً لكوباني.

وتوجه المئات من الكردستانيين إلى الحدود عند مدينة برسوس (سروج) المتاخمة لمدينة كوباني، ومنهم من اجتاز الحدود للمشاركة في عمليات الدفاع عن المدينة.

الانتفاضة الشعبية لأبناء شمال كردستان جرت أيام الـ6، 7 و8 من تشرين الأول/أكتوبر، وقد استشهد فيها نحو 40 مدنياً قمعتهم السلطات التركية في محاولة منها لطمس الأصوات المطالبة بالانتفاض لمساندة كوباني.

وبعد شهر ونصف على بدء المقاومة في كوباني وتحديداً في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، أعلن في العالم عن يوم التضامن العالمي مع كوباني وذلك بناء على دعوة المثقفين وكبار الحقوقيين في العالم، حيث خرج الآلاف في أكثر من 90 مدينة تابعة لـ 30 دولة في العالم لتبني مقاومة كوباني، تحت شعار “الاستنفار العالمي من أجل كوباني والإنسانية ضد داعش”.

تحرير كوباني

بعد بدء الهجوم على كوباني في الـ 15 من أيلول عام 2014، ومرور المعارك إلى المدينة بعد 20 يوماً من بدء الحملة، استطاع داعش بعد 94 يوماً من المعارك أن يحكم سيطرته على 70 بالمئة من إجمالي المساحة الكلية لمدينة كوباني.

هذه المقاومة مهدت لتدخل التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمساندة وحدات حماية الشعب والمرأة في معارك الدفاع عن المدينة، استطاعت القوات في كوباني دحر مرتزقة داعش وتحرير نقاط استراتيجية منه في كل يوم من أيام المعارك.

وقد جسدت وحدات حماية الشعب والمرأة في معارك كوباني ملاحم بطولية في الفداء عندما تمكنت من تحرير مدينة كوباني بعد 134 يوماً من المعارك المستمرة، حيث أعلن في الـ 26 من شهر كانون الثاني/يناير عام 2015 تحرير كامل مدينة كوباني من المرتزقة ونزع آخر الرايات السوداء عن سمائها واستبدالها بالرايات الخضراء، الحمراء والصفراء.

مقاومة كوباني أكثر من كونها مقاومة أبناء الشعب الكردي كانت مقاومة أممية شارك فيها أبناء أمم ومكونات مختلفة، فالعربي قاتل إلى جانب الكردي، والكردي قاتل إلى جانب الفارسي والفارسي قاتل إلى جانب الأمريكي والبريطاني والألماني التركي.

وقد استشهد في كوباني العديد من المقاتلين الأمميين وأكثرهم كانوا من الأتراك، وهو ما يثبت بجدارة أن مقاومة كوباني كانت مقاومة أممية عالمية، وانتصارها كان يعني انتصاراً لجميع الأمم.

نهاية داعش بدأت من هنا

مما لا شك فيه أن المقاومة التي أبدتها وحدات حماية الشعب في كوباني والتي أثمرت عن إلحاق هزيمة كبيرة وقاسية بداعش، كانت أولى هزائم المرتزقة على الإطلاق.

قبل إلحاق الهزيمة بداعش في كوباني، لم تقو جيوش المنطقة من الوقوف أمام زحف المرتزقة إذا ما توجهوا صوب مدينة أو منطقة ما، فمدينة الموصل والتي هي ثاني أكبر مدينة عراقية سقطت بيد داعش في غضون ساعات، وكذلك كانت مدينة الرقة السورية، وغيرها العشرات من المدن.

إن حرب "استنزاف داعش في مدينة كوباني"، إن صح التعبير، والتي خسر فيها داعش بحسب بعض المعلومات 6 آلاف من مرتزقته إضافة إلى عدد أكبر من الجرحى، أدت إلى تقهقر قوى داعش الذي لم يقو فيما بعد على مقاومة الحملات العسكرية التي كانت وحدات حماية الشعب ثم قوات سوريا الديمقراطية تطلقها لتحرير المناطق السورية من داعش شمال وشرق البلاد.

وعلى إثر ذلك، عقد التحالف الدولي لمحاربة داعش بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً مع وحدات حماية الشعب والمرأة ثم تم تأسيس قوات سوريا الديمقراطية من أبناء وبنات مناطق شمال وشرق سوريا، والتي بدورها عملت على تحرير شمال وشرق سوريا من داعش.

ولا شك في أن هزيمة داعش في كوباني أثرت بشكل كبير على تقهقر المرتزقة في العراق ايضاً، ففي المراحل التي سبقت هجوم داعش على كوباني، كان المرتزقة في تمدد دائم، بينما تغير الحال بعد هزيمة داعش في كوباني، إذ بدأت المرتزقة تخسر الأراضي التي سيطرت عليها حتى جرى القضاء عليها عسكرياً بشكل تام في قرية الباغوز بريف دير الزور في آذار/مارس من العام الجاري بعد أكثر من 4 أعوام مستمرة من الحرب ضد هذا التنظيم الإرهابي.

(م)

ANHA


إقرأ أيضاً