لحظات الحقيقة الثلاث في تركيا

يواجه النظام التركي الآن ثلاثة حقائق هي استبعادها من برنامج طائرات إف 35 في وقت لم يعد هذا النظام قادراً على إخفاء الوضع الاقتصادي المرير ويضاف إلى ذلك إعادة انتخابات اسطنبول التي تعني موت الديمقراطية في البلاد.

تحدث مقال نشرته مؤسسة "كارنيغي أوروبا" التي تتخذ من بلجيكا مقراً لها، بأن تركيا تشهد حاليًا تطورات مهمة على الصعيدين الداخلي والخارجي. على الجانب العسكري، البلاد على وشك أن تُستبعد من برنامج مقاتلة الشبح طراز F-35 بسبب نية تركيا نشر صواريخ S-400 الروسية على أراضيها. وعلى الجانب الاقتصادي، لم يعد بإمكان قيادة تركيا إخفاء الوضع المريع للبلاد. وعلى الجانب السياسي، فإن إعادة الانتخابات المقبلة لاختيار عمدة اسطنبول والمحاكمات غير الديمقراطية ستشكل اختبارات جوهرية للديمقراطية في تركيا. وأكد أن التطورات المستقبلية على هذه الجبهات الثلاث ستشكل الصورة التي سيحملها الرئيس التركي إلى قمة مجموعة العشرين في أوساكا في نهاية يونيو.

ويلفت المقال إلى أنه وبعد سنوات من المناقشات حول نشر صواريخ S-400 الروسية وكذلك نشر أحدث جيل من الطائرات المقاتلة الشبح الأمريكية الصنع F-35 في نفس الوقت، وصلت تركيا في هذه إلى لحظة الحقيقة.

فبعد تجاهلها على ما يبدو لتحذيرات متعددة من واشنطن بأن صواريخ S-400 لا يمكن أن تتواجد مع الطائرات الأمريكية الصنع، تم إخبار أنقرة الآن بعبارات لا لبس فيها أن الحديث قد انتهى وأن تركيا ستواجه عواقب وخيمة إذا تم نشر الأسلحة الروسية.

ويرى المقال بأن رسالة وزير الدفاع الأمريكي بالإنابة باتريك شاناهان إلى نظيره التركي في السادس من يونيو/حزيران كانت دقيقة: "ستوقف واشنطن تدريب الطيارين الأتراك، الذين يجب عليهم مغادرة الولايات المتحدة بحلول 31 يوليو/تموز، وأن تركيا التي تعتبر واحدة من ثمانية شركاء في مشروع صناعة مقاتلات "F-35" سيتم إخراجها من هذا المشروع، الذي تم بالفعل تحديد موردين بديلين له". بالإضافة إلى ذلك، تقول الرسالة أنه يمكن لواشنطن اتخاذ المزيد من الإجراءات بموجب التشريعات الأمريكية الحالية، وكذلك الخطوات التي يمكن أن تحد من التعاون التركي في المستقبل مع الولايات المتحدة وحلف الناتو.

وكان رد فعل الحكومة التركية عبارة عن بيان قصير صادر عن وزارة الدفاع شدد فيه على "أهمية مواصلة المفاوضات"، فيما كانت وسائل الإعلام الموالية للحكومة غامضة على حد سواء.

ويشير المقال إلى أنه إذا، كما قال الرئيس التركي مرارًا وتكرارًا، تم تنفيذ صفقة S-400، ستكون هذه لحظة فاصلة في تاريخ الناتو منذ انضمام تركيا إلى الحلف في عام 1951.

وعلى الجبهة الاقتصادية، هناك لحظة ثانية للحقيقة تلوح في الأفق. أدى وضع مزيج من مواطن الضعف الهيكلية، وتراكم الديون، وسياسات أسعار الفائدة الخاطئة إلى وضع الاقتصاد التركي في موقف صعب. ومن الصعب أن نرى كيف يمكن لأي مؤسسة بخلاف صندوق النقد الدولي (IMF) تغطية ضخ الأموال الهائلة التي تحتاجها البلاد لحل أزمة ديونها.

واستبعدت أنقرة هذا الخيار باستمرار، وذلك لأسباب انتخابية في الغالب. ولكن الحقيقة المجردة هي أنه لا توجد آلية أخرى متاحة لتركيا: روسيا ليس لديها نقد لتقدمه، وليس لدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أدوات مالية قابلة للتطبيق، ومعظم دول الخليج لديها موارد محدودة، في حين أن الصين والمملكة العربية السعودية لديها القدرة، ولكن الخلافات السياسية مع أنقرة تحول دون ذلك.

ويتوقع المجتمع المالي الدولي الآن من تركيا أن تتخذ عددًا من الخطوات الحاسمة: الدخول في حوار مع صندوق النقد الدولي، واستعادة استقلالية البنك المركزي التركي، وإلغاء نظريات لا معنى لها حول أسعار الفائدة، وترقية فريق الإدارة الاقتصادية في البلاد بشكل كبير.

ولحظة الحقيقة الثالثة تتعلق بموضوع ذو أهمية حيوية بالنسبة لتركيا: سيادة القانون. إذ تحول 23 يونيو من إعادة انتخاب رئيس بلدية اسطنبول إلى كاريكاتير. ففي الانتخابات المحلية المؤلفة من أربعة أجزاء في 31 مارس، اختار الناخبون رؤساء البلديات، ومسؤولي المقاطعات، ومستشاري البلديات، والمسؤولين المحليين. وفي إسطنبول، تم الإعلان عن انتخاب أول من هؤلاء الأربعة، والتي خسرها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، من الناحية القانونية، في حين لم يتم الطعن في الانتخابات الثلاثة الأخرى، التي فاز بها حزب العدالة والتنمية في ظل نفس الشروط.

والرسالة إلى ناخبي إسطنبول صريحة: الانتخابات حرة طالما فاز حزب العدالة والتنمية. الغضب الناتج والرهانات بالنسبة لجميع الأحزاب السياسية مرتفعة للغاية بحيث لا بد أن يكتسب هذا الاقتراع التجريبي أهمية على مستوى البلاد.

والرمز الآخر لديموقراطية تركيا المتلاشية هو أن تبدأ محاكمة جيزي في إسطنبول في 24 يونيو، أي اليوم التالي للانتخابات. وتتهم لائحة الاتهام في الجلسة المتهمين الستة عشر الآخرين بتدبير احتجاجات جيزي بارك، وموجة من المظاهرات والاضطرابات المدنية في عام 2013. وفي نظر الأتراك الليبراليين والمراقبين الغربيين، فأن هذه محاكمة سياسية لا تحتوي على أدلة تهدف إلى إيصال رسالة مفادها أن التفكير الحر والاتصالات مع الوكالات الثقافية الأجنبية - ناهيك عن المعارضة - لم يعد مسموحًا بها.

وعلى الرغم من العواقب الوخيمة على الآلاف من العائلات، فإن الانهيار الديمقراطي لتركيا له تأثير واضح، فلقد تدهورت الصورة السياسية للبلاد وظل الاستثمار الأجنبي المباشر بعيدًا. وبشكل أعم، من خلال تجريم القيم الديمقراطية الأوروبية وتصويرها كأدوات للإرهاب، فإن القيادة في أنقرة لم تدر ظهرها لطموحاتها الأوروبية المعلنة فحسب، بل أطلقت نفسها أيضًا في مدار سياسي وقانوني وأخلاقي مختلف.

سيحدث الكثير في الأيام والأسابيع القادمة. ولكن من المؤكد بالفعل أن الزعيم التركي الذي سيكون جالسًا على مائدة مجموعة العشرين في أوساكا في الفترة من 28 إلى 29 يونيو، سيبدو مثل القادة الصينيين والروس والبرازيليين أكثر من القادة الغربيين. قد يبدو هذا جيدًا من حيث المصافحة على التلفزيون. ومع ذلك، فإن نصف مواطني تركيا لا يتفقون مع زعيمهم، ولا يمكن للاقتصاد التركي البقاء على قيد الحياة بدون الأسواق الغربية، ورأس المال، والتكنولوجيا. هذا هو المكان الذي يكون فيه الاستقطاب الثنائي الاستراتيجي والتناقض الاقتصادي والاستبداد الشديد أكثر من غيرهما.

وفي نهاية المطاف، فإن المسار الذي اختاره رئيس تركيا قد يكون راسخًا في اعتقاده بأن مستقبله السياسي مضمون بشكل أفضل عن طريق التحالف مع روسيا منه مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. من بين تلك بتحالفها مع موسكو "الفوائد"، تتخلص أنقرة من اعتبارات حقوق الإنسان، ولكن هل سيرى المواطنون الأتراك أن تركيا التي ابتعدت عن الغرب هي أفضل طريق بالنسبة لهم؟

(م ش)


إقرأ أيضاً