ماذا لو فرّ الدواعش في حال هجوم تركي .. من سيدفع الثمن ؟

كثيراً ما حذرت قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من مخاطر مرتزقة داعش المعتقلين وعوائلهم الموجودين في المخيمات، وتزاد هذه المخاطر مع التهديدات التركية، ولكن هل يعي العالم أجمع من سيدفع الثمن لو فرّ الدواعش مع هجوم تركي على المنطقة؟

لطالما تلمح قيادات قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى خطر خروج السجون الذي يأوي الدواعش الأكثر تطرفاً في العالم عن السيطرة والذين ينحدرون من أكثر من 50 دولة عربية وغربية.

ويجب هنا التذكير إلى أنه تتعرض الدول الغربية لهجمات إرهابية بين الفينة والأخرى، حيث ينتشر في أوروبا وأمريكا أناس متعاطفون بشدة مع "الفكر المتطرف"، ولكن ليس لديهم القدرة التنفيذية على القيام بهجمات إرهابية قاتلة، ولكن إذا تمكن الدواعش المعتقلون في شمال وشرق سوريا من الهروب، فإن الدول الأوروبية ستتعرض لهجمات إرهابية قاتلة ربما أكبر بكثير مما كانت تتعرض له الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من قبل.

وبحسب التقارير الإعلامية ومراكز الدراسات الاستراتيجية فإن الدواعش المسجونين (النساء منهم والرجال وحتى الأطفال) لدى قوات سوريا الديمقراطية هم من أخطر أنواع الإرهابيين، لأنهم "يملكون فكراً متطرفاً أكثر من غيرهم، وهم الوحيدون الذين قاتلوا مع داعش حتى النهاية في قرية الباغوز بريف دير الزور".

وتشير المعلومات إلى أن غالبية هؤلاء المرتزقة والمتطرفين ما زالوا يحملون جوازات سفر أوروبية وبمقدورهم- في حالة تعرض شمال وشرق سوريا لهجوم تركي وانشغال قوات سوريا الديمقراطية لصد هذا الهجوم– الهروب إلى أوروبا عبر تركيا التي لطالما لم تبذل أي جهد في منعهم من القيام بذلك، حيث كانت الحدود التركية – السورية من أكثر الحدود التي عبر منها الدواعش من مختلف أصقاع العالم إلى ما كان يسمى يوماً ما "أراضي الخلافة"، وعادوا منها أيضاً وعبر تركيا إلى بلدانهم.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قرار ترامب تسليم مهمة حراسة الدواعش في سورية إلى تركيا ليس خطأً فحسب، بل سيكون كارثة بكل معنى الكلمة على العالم أجمع وليس الشرق الأوسط.

تركيا التي طالما تهدد الدول الأوروبية باللاجئين السوريين "غير الإرهابيين" التي تراهم الدول الأوروبية عبئاً ثقيلاً عليهم، فما بال الدول الأوروبية إذا تمكنت أنقرة من السيطرة على السجون التي تأوي الدواعش، فلن تدخر أنقرة جهداً بإرسال هؤلاء المتطرفين إلى أوروبا من أجل إخضاعهم لرغبات أنقرة.

وتشير تقارير مختلف الوكالات والصحف والمواقع والمحطات التلفزيونية الأجنبية والعربية إلى هؤلاء الدواعش الذين أتوا عبر تركيا وبتسهيل من مخابراتها وتم إلقاء القبض عليهم من قبل قوات سوريا الديمقراطية في الحرب ضد داعش.

ويحذر المسؤولون في شمال وشرق سوريا من أن هناك مناطق شاسعة معرضة لخطر شديد لعودة  داعش إلى هناك خصوصاً وأنه لم يتم القضاء على خلاياه النائمة، والمناطق المعرضة لخطر عودة داعش تشمل مدينة الرقة التي كانت سابقًا "عاصمة الخلافة"؛ محافظة دير الزور؛ ومعسكر الهول، حيث يتواجد عشرات الآلاف من نساء وأطفال داعش المؤمنون بفكره حتى النخاع.

ويحذر الخبراء من أن دعم ترامب لخطة تركيا في شن هجمات على شمال وشرق سوريا قد يسبب الفوضى في المنطقة ويعيد إنتاج داعش.

ويؤكد المحللون أن قرار الولايات المتحدة بالوقوف جانباً والسماح لتركيا بشن هجمات على شمال وشرق سوريا يهدد بمزيد من زعزعة استقرار المنطقة التي مزقتها الحرب، ويقوض الحرب ضد داعش ويشعل صراعاً أوسع بين تركيا والمقاتلين الكرد، بحسب محطة "ان بي سي" الأمريكية.

وقالت لينا خطيب، رئيسة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس" البريطاني: "إن التوغل التركي في شمال شرق سوريا لن يفتح المجال للاشتباكات التركية -الكردية فحسب بل يوفر لداعش فرصة لمحاولة تجديد نفسه في تلك المنطقة".

وقال مايكل ستيفنز، وهو باحث في معهد رويال يونايتد للخدمات، وهو مركز أبحاث آخر مقره لندن، إنه لم يفاجأ تمامًا بالقرار الأمريكي وحذر من أنه قد يكون له عواقب بعيدة المدى على المنطقة.

وأضاف "في النهاية لم يكن السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب، ولكن متى وكيف. وما يثير القلق أكثر، بالطبع، هو كيفية إدارة داعش من هذه اللحظة".

لمقاتلي قوات سوريا الديمقراطية دور فعال في القتال ضد داعش في معاقله السابقة مثل الرقة. وهم يحتجزون حاليًا الآلاف من الدواعش في معسكرات وسجون، وكثير منهم أجانب خطرون رفضت القوى الغربية استعادتهم.

وفي التقرير السنوي الفصلي الأخير حول العمليات الأمريكية في سوريا، والذي صدر في آب/أغسطس، قال المفتش العام بوزارة الدفاع "إن داعش لا يزال يشكل تهديدًا في العراق وسوريا".

وقال البيت الأبيض في بيان الاثنين إن تركيا ستكون الآن مسؤولة عن جميع مرتزقة داعش في المنطقة التي تم القبض عليهم خلال العامين الماضيين.

وقالت لينا الخطيب، من تشاتام هاوس، "من الصعب للغاية تخيل كيف سيكون هناك تسليم سلس للسجون التي تحتجز عناصر داعش والتي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية حاليًا إلى تركيا".

وعلق بدوره إيلان غولدنبرغ ، مدير برنامج الأمن في الشرق الأوسط في مركز الأمن الأمريكي الجديد، إلى الاحتجاجات في العراق والانسحاب الأمريكي وقالت "من المحتمل أن تمهد الطريق لغزو التركي وهي ستشكل فرصة  هائلة لداعش".

ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن قادة قوات سوريا الديمقراطية قولهم إن مصير عشرات الآلاف من مرتزقة داعش المشتبه بهم وعائلاتهم غير مؤكد، بعد أن بدأت القوات الأمريكية في الانسحاب المفاجئ من الحدود التركية السورية، تاركة حلفاءهم في "قسد" لمواجهة احتمال الهجوم التركي وحدهم.

ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم مجلس سوريا الديمقراطية، أمجد عثمان، يوم الاثنين إنه لم يتضح ما الذي سيحدث للسجناء وقال "دعينا مرارًا وتكرارًا الدول الأجنبية إلى تحمل مسؤولية مواطنيها من الداعش. ولكن لم يكن هناك رد".

وترى الصحيفة أنه من غير الواضح ما إذا كانت تركيا لديها القدرة - أو الرغبة - في احتجاز المعتقلين المحتجزين في سجون "قسد" المزدحمة ومعسكرات النزوح، في الوقت الذي تتحدث قيادات "قسد" عن ذهاب مقاتليها إلى الحدود في الوقت الذي يسعى فيه المرتزقة باستخدام  السجون والمخيمات لإعادة تجميع صفوفهم.

ويتم احتجاز حوالي 70 ألف امرأة وطفل في مخيم الهول (معقل العنف والإيديولوجية المتطرفة)، حيث يحرسهم فقط 400 جندي من "قسد".

وترى الصحيفة بأنه حتى لو تحملت القوات الفرنسية والبريطانية مسؤولية تأمين تلك المخيمات والسجون في حال ترك مقاتلي "قسد" مواقعهم هناك، فإنها غير قادرة على القيام بذلك وخاصة بأنها بحاجة إلى عدد قوات ضخمة لتأمين ذلك.

وفي سياق متصل عبر مجموعة من السياسيين الأمريكيين الحاليين والسابقين عن مخاوفهم من عودة داعش وتمكن الدواعش المعتقلين لدى "قسد" من الهروب، حيث أشارت صحيفة الواشنطن بوست في وقت سابق أن المتعاطفين مع داعش في المناطق المحيطة بمخيم الهول قد تمكنوا من تهريب مجموعة من الدواعش، حيث تحدثت بعض التقارير أن هناك البعض منهم ممن يحملون جوازات سفر أجنبية تمكنوا من اجتياز الحدود التركية السهلة.

وقالت المندوبة السابقة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي: "إذا أردنا أن يدعمنا حلفاؤنا فعلينا دعمهم بنفس القدر. كان لقوات سوريا الديمقراطية دور فعال في قتالنا الناجح ضد داعش في سوريا. تركهم للموت هو خطأ كبير".

ووصفت النائبة ليز تشيني، وهي أحد أعضاء قيادة مجلس النواب، قرار ترامب بأنه "خطأ كارثي يعرض مكاسبنا ضد داعش للخطر ويهدد الأمن الأمريكي".

وأضافت في تغريدة: "هذا القرار يتجاهل درس الحادي عشر من سبتمبر. يمكن للإرهابيين على بعد آلاف الأميال استخدام ملاذاتهم الآمنة لشن هجمات ضد أمريكا".

كما عبّر النائب بيت كينغ، الذي يشارك في لجنتي الاستخبارات والأمن الداخلي، عن رفضه: "لا أوافق بشدة على ترامب بالسماح لأردوغان بغزو سوريا، هذا يعتبر خيانة للكرد ويقوي تنظيم داعش ويعرض الوطن الأمريكي للخطر".

وقال كريس فان هولن عضو مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة عن الديمقراطيين: "وقف الكرد السوريون معنا في الحرب ضد داعش عندما لم تفعل تركيا. قرار ترامب خيانة هؤلاء غير معقول. يجب على الكونغرس أن يوضح أن تركيا ستدفع ثمناً باهظاً إذا هاجمت الكرد السوريين".

وتابع هولن: "هذه خيانة كاملة لحليفنا الأكثر فعالية في الحرب ضد داعش. سيؤدي ذلك إلى إلحاق أضرار جسيمة بمصالحنا الأمنية، ويؤدي إلى التطهير العرقي، ويولد حالة من عدم الاستقرار على المدى الطويل في المنطقة. أحث البيت الأبيض على تغيير قراره".

كما حذّر السيناتور الجمهوري المقرب من ترامب ليندسي غراهام في تغريدة من أنه إذا اتبع ترامب خطة سحب القوات الأمريكية فإنه سيقدم قرارًا لمحاولة معارضته رسميًا. ولم يتمكن متحدث باسم غراهام على الفور من مشاركة تفاصيل القرار، لكنه أشار إلى أنه تمت صياغته.

واستهجن غراهام القرار الذي وصفه بـ "كارثة في طور الإعداد" وقال إن قرار ترامب سيُحفّز على عودة مرتزقة داعش.

فيما أشار المبعوث الأمريكي السابق لدى التحالف بريت ماكغورك في إحدى تغريداته بأن ترامب بقراره الانسحاب من شمال وشرق سوريا بعد مكالمة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قدم هدية مُجزية إلى كل من روسيا وإيران وداعش، مؤكداً أنه لطالما حذّر من هذا التصرف.

وأكد ماكغورك بأنه ليس لدى تركيا أي نية أو رغبة أو قدرة على إدارة 70 ألف محتجز داعشي في معسكر الهول، وهو ما تُحذّر منه وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الدفاع الأمريكية من نواة لداعش. وقال "الاعتقاد بخلاف ذلك هو مقامرة مُتهورة على أمننا القومي".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً