مجلة أمريكية: على واشنطن إعادة التفكير في القضية الكردية

نشرت مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكية مقالاً لممثل حزب الشعوب الديمقراطي في واشنطن غيران أوزجان تحدث فيه عن القضية الكردية في كل من سوريا وتركيا، حثّ فيها واشنطن على لعب دور الوسيط لحل القضية الكردية، وكذلك كبح جماح السياسات العدوانية التركية تجاه الكرد.

ويشير أوزجان في مقاله إلى أنه في الشهر الماضي، توصلت الولايات المتحدة وتركيا إلى اتفاق مؤقت بشأن "منطقة آمنة" مقترحة في شمال وشرق سوريا، الأمر الذي يراه الكاتب بأنه يمثل أحدث دفعة في نمط من التهديدات والمفاوضات التي ميّزت السنوات القليلة الماضية من علاقات البلدين. وفي حين يبدو أن الولايات المتحدة قد منعت هجمات تركية الأحادية الجانب ضد المنطقة في الوقت الحالي، فإن تفاصيل الخطة غامضة، بحسب أوزجان.

ويصر الكاتب إلى أنه وبدلاً من التفاوض من موقف القوة، تدخّل الدبلوماسيون الأمريكيون في اللحظة الأخيرة، وأولوا حلاً يتيح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن ينقذ ماء وجهه بدلاً من إجبار حكومته على معالجة الأسباب الجذرية للصراع الحالي.

ويرى الكاتب بأن هذه الأزمة هي مجرد عرض لمشكلة أكبر من الاستراتيجية الإقليمية. حتى الآن، ارتكبت إدارة أمريكا للتوترات بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية ثلاثة أخطاء رئيسة: أعطت امتيازاً لتاريخ تركيا في حلف الناتو على حساب منعطف "أردوغان" المعادي للغرب، ونظرت إلى الكرد على أنهم جهات فاعلة عسكرية دون إمكانية المشاركة السياسية، وفصلت النزاعات في تركيا وسوريا على الرغم من العلاقة الوطيدة التي لا يمكن إنكارها. كل هذه الافتراضات الفاشلة مبنية على رؤية قديمة للشرق الأوسط والدور الذي تلعبه القوى الخارجية، بما في ذلك الولايات المتحدة. كما أن كل تلك الافتراضات تهدد قدرة أمريكا على تحقيق أهدافها المُعلنة في سوريا. وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى سحب قواتها من سوريا مع ضمان الهزيمة النهائية لـ"داعش" والعمل على إيجاد حل سلمي تفاوضي للنزاع المستمر منذ ثماني سنوات في سوريا، فإن الدروس المستفادة من أزمة "المنطقة الآمنة" تبرز استراتيجية جديدة.

ويلفت الكاتب إلى أن تركيا عضو في الناتو منذ ما يقرب من سبعين عاماً. وطوال هذا الوقت، أكسبها هذا دعماً أمريكياً غير مشروط لأهداف سياستها الخارجية، حتى تلك المتعلقة بظروف جيوسياسية مختلفة عن تلك التي انضمت إليها.

وعند انضمامها إلى الحلف، وافقت تركيا على "تسوية أي نزاع دولي يمكن الانخراط فيه بالوسائل السلمية بطريقة لا يتعرض السلام والأمن والعدالة الدوليان للخطر" و"حماية الحرية والتراث المشترك والحضارة" لشعوبها، القائمة على مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون. وسيكون من الصعب القول بأن توغلات أردوغان من جانب واحد في الأراضي السورية، والتمييز ضد المكوّنات العرقية والدينية، وسجن عشرات الآلاف من السياسيين والناشطين والصحفيين والأكاديميين والمعارضين، يلبي المعيار الذي فرضه حلف الناتو. وسيكون من الأصعب الادعاء بأن علاقاته السياسية والعسكرية المُتعمقة مع روسيا - التي تأسست منظمة حلف الناتو في الأصل لمواجهتها - تتوافق مع روح المعاهدة.

ويرى الكاتب بأنه بالنسبة لأردوغان، أصبحت التزامات تركيا تجاه الناتو الآن لا تعدو عن كونها مجرد كلمات على الورق.

ويجب أن تعترف واشنطن أيضاً بأن دور أردوغان الاستبدادي لا ينفصل عن تقاربه مع روسيا، وتميل أقوى الأصوات المؤيدة لروسيا داخل حكومته إلى أن تكون أقوى مؤيدي القمع في الداخل والعدوان في الخارج. إن إعادة توجيه تركيا نحو الناتو سوف يتطلب، وهي مفارقة إلى حد ما، الدعم الغربي للقوى الديمقراطية والتعددية التي لم تسمع اهتماماتها دولياً لعقود خوفاً من إثارة غضب الشريك في الناتو.

وسيكون النهج السياسي الجديد ضرورياً أيضاً لمعالجة القضية الكردية. تاريخياً، نظرت الولايات المتحدة إليهم من خلال عدسة عسكرية، ولم تولِ سوى القليل من الاهتمام للأسباب السياسية لمقاتلتهم. كان هذا النمط راسخاً في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.

ويرى الكاتب بأنه اليوم، نجازف برؤية هذا الاتجاه يعيد نفسه في سوريا، لقد حررت قوات سوريا الديمقراطية المزيد من الأراضي السورية من مرتزقة داعش أكثر من أي جهة فاعلة أخرى في النزاع، لكن لم يتم منح مظلتها السياسية مقعداً على طاولة المفاوضات. وعلى الرغم من ذلك، تبدو الولايات المتحدة حذرة في الانخراط، بدلاً من ذلك تسعى إلى إيجاد حلول تعالج القضايا الأمنية السطحية مع تجنب البحث عن حلول لجذورها السياسية.

إذا استمرت الولايات المتحدة في هذه النظرة المُبسطة، فستفقد الأدوار الأساسية التي يمكن أن يلعبها الشعب الكردي في إعادة تنظيم الشرق الأوسط. يوجد الآن حوالي 40 مليون كردي يعيشون في أربع دول أساسية للسياسة الإقليمية: مليونان في سوريا وستة ملايين في العراق و12 مليون في إيران و20 مليون في تركيا. ويستند البرنامج السياسي الأكثر انتشاراً بينهم اليوم إلى العلمانية وحقوق المرأة ورؤية الدولة التي تغض الطرف عن أساس العرق أو الدين، ولكنها تستوعب التنوع الغني في المنطقة من خلال اللامركزية. يجب على الولايات المتحدة الالتزام بالمشاركة السياسية مع الكرد التي تتبنى هذه القيم في جميع أنحاء المنطقة، والسماح للشراكة العسكرية الناجحة مع قوات سوريا الديمقراطية، لتكون بمثابة بداية لاستراتيجية جديدة، وليس تكراراً لاستراتيجية فاشلة.

ومن بين الافتراضات الأمريكية الفاشلة حول الدولة التركية والشعب الكردي التي تمت مناقشتها حتى الآن على حد سواء الإصرار على فصل نزاعهم عن حدود الدولة. هذا شكل من أشكال التقسيم لا يشترك فيه أي طرف بمفرده. تكمن جذور أزمة المناطق الآمنة السورية في مخاوف تركيا من قضية الكرد المحلية. تصر الحكومة الحالية على حل عسكري لأن هذا هو النهج الذي اتبعته دوماً داخل تركيا. الكرد السوريون، من ناحية أخرى، يخشون من غزو تركي لأنهم يعرفون كيف تمت معاملة الكرد على الجانب الآخر من الحدود.

لقد أدركت الولايات المتحدة، بحسب الكاتب، أن التوترات التركية الكردية في شمال وشرق سوريا تتطلب تسوية عن طريق التفاوض، وأن المزيد من العمل العسكري سيكون ضاراً، وأن لها دوراً مهماً في التوسط في مثل هذه القضية. ومع ذلك، لم تتمكن بعد من توسيع هذا المنطق للوصول إلى نقطة انطلاق حقيقية للحل، حيث إن مشاركة الولايات المتحدة من أجل السلام في شمال وشرق سوريا تتطلب مشاركة الولايات المتحدة من أجل السلام في تركيا.

وفي الآونة الأخيرة، كانت الأصوات الأمريكية الأكثر نفوذاً، تشارك في هذه الفكرة أكثر من أي وقت مضى. ووجد التقييم المؤقت لمجموعة العمل حول سوريا، الذي نُشر في أوائل مايو، أن "الحل طويل الأجل لتوترات وحدات حماية الشعب مع تركيا يكمن في عملية سلام متجددة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني". في مقالته الأولى منذ تقاعده، كتب قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل أن "الحل الأمثل للمعضلة الأمنية لجميع الأطراف المعنية هو أن تقوم تركيا بحل مشكلتها الكردية الداخلية بسلام"، وأن "الولايات المتحدة يجب أن تظل ملتزمة دبلوماسياً بتشجيع الحل السلمي".

ويصر أوزجان على أن الدعم الأمريكي لعملية السلام سيتطلب أنماطاً جديدة من العلاقة مع تركيا والكرد على حد سواء. وفي هذا العام، أبدت عناصر من الحكومة الأمريكية استعدادها للاعتراف بحملة القمع ضد الأصوات المؤيدة للسلام، خاصة حزب الشعوب الديمقراطي. ودعت لجنة "توم لانتوس" لحقوق الإنسان في مجلس النواب الأمريكي إلى إثارة قضية المعتقل السياسي الأكثر شهرة في حزب الشعوب الديمقراطي، وهو الرئيس المشترك السابق المسجون حالياً صلاح الدين دميرتاش.

للعمل حقاً من أجل التوصل إلى حل، يجب على الولايات المتحدة أن تمضي قدماً في حث تركيا صراحة على فتح مساحة للمشاركة السياسية الكردية ووضع حد لتجريم المعارضة المؤيدة للكرد. بعد أربعين عاماً من الحرب، أصبح الشعب الكردي أكثر من يرغب في متابعة السُبُل السياسية لمعالجة مظالمه. إن الحكومة التركية الحالية هي التي جعلت هذه الطرق غير متوفرة، وجعلت من غير الممكن تجنبها، وهي حقيقة ينبغي على الولايات المتحدة أن تساعدها على تحقيقها.

سيتعين على الولايات المتحدة أيضاً فتح طريق للمشاركة السياسية مع حزب العمال الكردستاني، بدلاً من الاستمرار في التعامل معه باعتباره مشكلة أمنية. ووجهت قيادة المجموعة عدة دعوات جادة للعودة إلى المفاوضات. في مايو/أيار، أصدر القائد عبد الله أوجلان بياناً، من خلال محاميه، أكّد فيه دعمه للسلام في تركيا، ودعا قوات سوريا الديمقراطية إلى الالتزام بحل سياسي وأن تأخذ المخاوف الأمنية التركية تجاه كرد سوريا بعين الاعتبار.

إن الاستراتيجية الجديدة التي تعترف بحقيقة تحول تركيا الاستبدادي، وتتجاوز المشاركة العسكرية المُركّزة مع الكرد، وتعالج الطبيعة العابرة للحدود النزاع التركي الكردي وستعالج جميع المشاكل التي تدعي المنطقة الآمنة حلها. لن يكون لتركيا ما تخشاه من وجود قوات سوريا الديمقراطية على حدودها إذا حلت المسألة الكردية الخاصة بها: خلال المحاولة الأخيرة للمفاوضات، وستعالج عملية السلام في تركيا أيضاً الطابع الاستبدادي للدولة التركية الذي سمح لحكومتها الحالية بالتحالف مع المستبدين في جميع أنحاء العالم، وسيؤدي هذا إلى سياسة خارجية تركية أكثر عقلانية في سوريا وخارجها، وهو بالتأكيد شيء تبحث عنه الولايات المتحدة.

سيكون مثل هذا التغيير أيضاً خطوة نحو رؤية أمريكية محدثة للمنطقة: خطوة تعترف بالشعب الكردي كقوة ديمقراطية  في وقت يتحول فيه الكثير من العالم نحو الاستبداد. يمكن استبدال النظرة المنفصلة للمسألة الكردية التي كانت الولايات المتحدة تتبناها تاريخياً بسياسة كردية متماسكة، وهي خطوة من شأنها أن تفيد النهج الأمريكي في مواجهة التحديات الإقليمية المتعددة.

(م ش)


إقرأ أيضاً