مخطط احتلال شمال سوريا وتعزيز جبهة المقاومة

خالد أرميش

من المحتمل أن تشن دولة الاحتلال التركي هجوماً على مناطق شمال سوريا، وفي حال تم هذا الهجوم فإن ذلك سيفتح الباب أمام احتمال تغير التوازنات العالمية بشكل كامل. إن الحرب ضد شمال سوريا من الممكن أن تشكل ضربة قاصمة للفاشية المتمثلة في الدولة التركية وأردوغان.

فهل  ستنتصر الفاشية أم  سينتصر أمل الشعوب في الحياة المشتركة والحرية؟ من المؤكد أن المقاومة هي التي سوف تحدد ذلك.

في تصريحه الذي أدلى به في 12 كانون الأول الجاري كشف أردوغان للعالم أجمع أنه يزمع احتلال مناطق شمال سوريا خلال الأيام القادمة. وفي نفس اليوم شن جيش الاحتلال التركي هجوماً على سريه كانيه. وفي يوم 13 كانون الأول هاجمت الدولة التركية منطقة سريه كانيه كما شنت هجوماً جوياً على مناطق شنكال ومخمور.

من المعلوم أن تصريحات الدولة التركية ليست بجديدة، ولكن الملفت هو تحديد توقيت الهجوم. فما هو الاتفاق الخفي المبرم الذي دفع أردوغان للإدلاء بمثل هذا الصريح؟ مع أي الأطراف تم الاتفاق ومقابل ماذا؟ وبالتزامن مع التصريح بـ "سوف نحتلها عاجلاً" ماهي نوايا الأطراف؟ وما هو المخطط المراد تمريره؟

منذ بدء الأزمة السورية وحتى يومنا الراهن لم يخفِ أردوغان يوماً عداءه للشعب الكردي. وعندما سنحت له الفرصة شن هجومه. أما حين لم تسنح له الفرصة وفي إطار العداء المستمر للشعب الكردي مد يد الدعم والمساندة للمجموعات المرتزقة مثل داعش والنصرة المدرجة عالمياً على لوائح المنظمات الإرهابية. والحقيقة أن أردوغان تبوأ دوراً رئيساً في كل الخراب والدمار الذي حل بسوريا.

فقد عمدت الدولة التركية إلى تنظيم المرتزقة من مختلف أنحاء العالم وإرسالهم إلى سوريا عبر استنبول وديلوك. وإذا كانت سوريا قد فقدت خلال عدة أشهر قسماً كبيراً من أراضيها فإن الطرق الذي يقف خلف هذا الأمر هو أردوغان.

أردوغان الذي عمد إلى تدريب وتنظيم مرتزقة داعش الوحشية في إطار عدائه للشعب الكردي ومن ثم نشرهم في سوريا، إنما كان يسعى من وراء الستار خلف إعادة إمجاد العثمانيين.

سعى أردوغان إلى إحياء الميثاق المللي على يد المرتزقة

أهداف أردوغان لم تتوقف عند حدود سوريا فقط، بل سعى إلى بسط سيطرته على بقعة جغرافية واسعة تمتد من خط الموصل- كروكوك وصولاً إلى وسط العراق كحدود جديدة للدولة العثمانية. أردوغان الذي أرسل قواته إلى بعشيقة كان يقول إن "اتفاقية لوزان ليست نصاً لا يمكن المساس به" في إشارة إلى حدود الميثاق المللي. وهو يؤكد من خلال ذلك أن لوزان تعتبر خسارة بالنسبة لتركيا.

طبعاً مخطط أردوغان لم يكن مجرد مخطط على الورق، فمن جهة حول مرتزقة داعش والنصرة والمدعومة من أردوغان، المنطقة إلى مستنقع للدماء، ومن جهة أخرى، وأيضاً بأوامر أردوغان، أضر هؤلاء المرتزقة كثيراً بالتركيبة السكانية في المنطقة. حيث نزح مئات الآلاف من سكان سوريا والعراق من مناطقهم.

في الفترة التي كان فيها مرتزقة داعش والنصرة يرتكبون المجازر في المنطقة، كان أردوغان هو العدو اللدود لكل من بشار الأسد ورئيس الحكومة العراقية المكلف آنذاك حيدر العبادي. وقتها لم يطلق أردوغان جزافاً كلمته المعروفة "إن شاء الله سوف نقرأ الفاتحة على قبر صلاح الدين الأيوبي ونصلي في المسجد الأموي". كما تحدث وقتها عن كركوك والموصل وذكر الميثاق المللي الذي يضم كلاً من السليمانية وهولير.

وعندما طلب العبادي من أردوغان سحب قواته من بعشيقة أجابه أردوغان "أنت لست في مستواي" في تصريح واضح إلى أن المخطط لا يزال قيد التنفيذ.

مقاومة الشعوب أفشلت آمال الميثاق المللي

مقاومة الشعب الكردي هي التي أفشلت هذا المخطط. فلو أن الشعب الكردي لم يدحر مرتزقة داعش في كوباني، لكان من الممكن أن يصلي أردوغان في المسجد الأموي في دمشق. وكذلك احتلال الموصل وكركوك.

مخطط أردوغان في إحياء الامبراطورية العثمانية على يد مرتزقة فشل على أسوار مقاومة الشعب الكردي التاريخية، مما اضطره لتجديد صداقته مرة أخرى مع كل من الأسد والعبادي بعد أن كان أعلنهم كأعداء. إلا أن أردوغان كان قد اشترط إسقاط حكومة الأسد مقاتل الصلاة في المسجد الأموي.

إذا كانت هذه الدول قد حافظت على وجودها وأنقذت نفسها من السقوط في مواجهة مرتزقة داعش فإنها في ذلك مدينة للشعب الكردي الذي أعلنوه عدواً لهم. وبعد أن تم القضاء على مرتزقة داعش، جن جنون أردوغان راعي المرتزقة، وبدأ بالهجوم على الشعب الكردي، وهذه القوى هي نفسها وقفت هذه المرة إلى جانب أردوغان.

ولكن يا ترى هل يعتبر هذا الوضع أمراً غريباً؟ بالتأكيد هو ليس بالأمر الغريب، لأن الطرفين يتعاملون مع الشعب الكردي بنفس العقلية والسياسة. فطالما أن إدارة الأسد لم تلغِ اتفاقية أضنة التي تسمح لتركيا باحتلال أجزاء من أراضيه، رغم كل العداوة التي بينهم، فإن ذلك يشير بشكل مكشوف إلى اشتراكهما بنفس العقلية في عدائهم للسياسة الكردية.

وعليه فإن تهديدات أردوغان الجديدة باحتلال شمال سوريا لا تثير الاستغراب. لأن أردوغان إنما ينفث حقده الدفين تجاه الكرد والذي ورثه عن أجداده. وبالنظر إلى مجمل هذه الأمور، فلا مبرر لطرح سؤال؛ ماذا يريد أردوغان. فحتى الأطفال الكرد يعرفون جيداً إجابة هذا السؤال. فمن جهة عمد أردوغان إلى التدخل بكل قوته من أجل منع حصول الكرد على هويتهم وتأسيس كيانهم، ومن جهة أخرى يسعى إلى بسط سيطرته على المنطقة. ويهدف من وراء ذلك أيضاً إلى إضعاف تأثير الدول العربية في المنطقة.

روسيا الداعم الأكبر لأردوغان

الأمر المهم هنا هو أن مخططات أردوغان الاحتلالية، سياسات هذا المخطط تطبق منذ أمد طويل على مستوى عالمي، وكما حصل في احتلال عفرين والمجازر التي ارتكبت هناك فإن الداعم الأكبر لأردوغان كانت روسيا.

من المؤكد أن تركيا تتلقى الدعم الأكبر من روسيا. روسيا التي تنتهج سياسة التحول إلى القوة العظمى في العالم، تعتبر الشرق الأوسط منطقة لا يمكن الاستغناء عنها، وعليه فإن الداعم الأكبر لسياستها هي تركيا وأردوغان. لأن أردوغان لم يتلقَ الدعم اللازم من التحالف الدولي فيما يتعلق بمعاداة الشعب الكردي، الوجود الروسي في المنطقة وكذلك السياسة الروسية أصبحت نعمة كبيرة لتركيا، روسيا التي ساءت علاقتها مع التحالف الدولي بسبب الكرد، تستخدم تركيا كورقة ضد التحالف الدولي.

طبعاً بات من الصعب جداً من الآن فصاعداً أن يتمكن أردوغان من تحقيق أحلامه العثمانية، ولكنه في نفس الوقت لا يقبل أي وجود للشعب الكردي. الحسابات الروسية في المنطقة الرامية إلى أن تكون قوة عالمية، وكذلك الاتفاقيات الأمريكية الأوروبية تشكل مصدر قوة لتركيا.

روسيا التي تسعى إلى تعزيز سلطتها في الشرق الأوسط على حساب إبادة الشعب الكردي، سوف تجعل من كل من تركيا وإيران لاعبين أساسيين في المنطقة ومركزها سوريا، وبالتالي سوف تعزز وجودها الدائم في المنطقة. ورغم صعوبة تحقيق الخيالات العثمانية، فإن أردوغان سوف يسعى ويحاول مرة أخرى تحقيق أحلامه العثمانية على الأراضي السورية، كذلك تحقيق بعض أهدافه من خلال السعي إلى القضاء على الشعب الكردي.

إن تنفيذ هذا السيناريو عبر تركيا التي هي عضو في حلف الناتو سوف يسهل الأمر على روسيا. لأنها تعلم جيداً أن القوى الدولية لن تقبل بمواجهة عسكرية مع تركيا التي هي عضو في حلف الناتو. أما تركيا فإنها تعتبر أنه من الممكن لها أن تستهدف بعض المناطق التي قد لا تلقى احتجاجاً من قبل أمريكا، للهجوم على الشعب الكردي والإدارة المشتركة لشعوب شمال سوريا.

وخلال الشهر المنصرم اختبرت تركيا هذه المساعي ولم تلقَ أي رد فعل من جانب المجتمع الدولي مما شجعها على التمادي.

ما هي ماهية مخطط الاحتلال المحتمل؟

من المحتمل أن تبدأ هجمات الدولة التركية ضد شمال سوريا منطقة كري سبي (تل أبيض)، وهناك سببان رئيسيان لاستهداف كري سبي.

الأول هو أن أردوغان يسعى إلى كسب دعم الشعب العربي أو العشائر العربية، وإذا لم تتدخل بنفسها فإنها ستسعى إلى خلق حرب عربية كردية وبالتالي تفكيك الكيان السياسي الموجود في المنطقة، إلا أن الشعوب التي حاربت داعش سوية من الصعب انجرارها إلى مثل هذه الفتنة.

والسبب الثاني هو السيطرة على خط عين عيسى وكري سبي وبالتالي فصل إقليم الفرات عن إقليم الجزيرة وقطع العلاقات بين الإقليمين، وتسعى بالتالي للوصول إلى الرقة ومن هناك إلى دير الزور، وفي دير الزور سوف تسعى إلى إنعاش مرتزقة داعش الذين يلفظون أنفاسهم الأخيرة.

إذا استطاع أردوغان تحقيق هذه الأهداف والمخططات فإن ذلك سوف يشكل خطراً كبيراً على الدول العربية، وسوف تحاصر الدول العربية في الخليج فقط، وفي الوقت نفسه فإن الدولة التركية إذا نجحت في تحقيق أهدافها في هذه المناطق سوف تسعى إلى ديمومة وجودها في هذه المناطق لتصبح القوة الرئيسية الأكبر في المنطقة، مما سيعني أن تركيا ستتحول إلى قوة أساسية في المنطقة لأن الدولة التركية سوف تسعى إلى السيطرة على جميع المناطق البترولية وكذلك طرق التجارة العالمية، وهذا يعني بدوره تغيير جميع التوازنات الإقليمية والعالمية رأساً على عقب، مما سيؤدي إلى ظهور أزمة جديدة في المنطقة.

النقطة المهمة الأخرى هي؛ مع من اتفق أردوغان من أجل تنفيذ مخطط الهجمات؟

القوى الرئيسية التي تحالفت من خلف الستار مع أردوغان هي روسيا والنظام السوري. وكذلك لإيران دور في هذا المخطط، طبعاً ليس من المعروف بعد مدى دعم ومساندة القوى العالمية الأخرى أو ما هي ردود أفعالها. ولكن فيما لو التزمت كل من أمريكا وأوروبا الصمت إزاء هذا المخطط فإن ذلك سيعني موافقة هذه القوى على تنفيذ خطة الهجوم. والمؤشرات الظاهرة حتى الآن تلمح إلى هذا الواقع.

ماذا سيحدث لو تم الهجوم؟

عندما تسنح الفرصة لأردوغان لشن الهجوم فإنه سوف يهاجم مثل الثور الذي رأى الستارة الحمراء. وفي وضع كهذا فإن قوى شمال سوريا إضافة إلى شعوب المنطقة سوف تدافع عن المنطقة. المنطق الذي يعتبر أن القوي هو الذي يكسب المعركة لا ينطبق على ميدان المعركة. قوات شمال سوريا تستطيع تنظيم صفوفها بشكل جيد وخوض مقاومة مؤثرة. وفي هذه الحال سوف يفشل هجوم أردوغان الاحتلالي، ما سيظهر في حال الهجوم هو حالة الحرب الشعبية، جميع أبناء الشعب سوف يستنفرون جميع إمكانياتهم في خدمة هذه المقاومة. تطور وخوض مقاومة كبيرة سوف يؤثر على جميع شعوب العالم كما حدث في مقاومة كوباني، ولذلك فإن على الشعب الكردي خوض نضال دبلوماسي قوي على الساحة الدولية.

أردوغان الذي سوف يهزم في شمال سوريا، سوف يضطر إلى الخروج من سائر مناطق سوريا، وهذا يعني حل الأزمة السورية.

على جميع الكرد الانتفاض

من المؤكد أن دحر هذه الهجمات ودحر فاشية أردوغان عن الشعب الكردي يعتبر مسؤولية، يجب على الشعب الكردي من روج آفا إلى باشور وباكور وصولاً إلى أوروبا، الانتفاض في كل منطقة يتواجدون فيها.

بداية على الشعب الكردي في باشور كردستان تحويل كل المناطق إلى ساحات للانتفاضة ضد فاشية الدولة التركية وهجمات الإبادة. وكذلك على الشعب الكردي إجبار جميع الأطراف السياسية التي تتحالف مع الاحتلال التركي وبشكل خاص الحزب الديمقراطي الكردستاني على التراجع عن مواقفهم، وإرغام هذه الأطراف على تحقيق الوحدة الوطنية. كما أن على جميع المثقفين والأكاديميين والفنانين وجميع فئات المجتمع توحيد كلمتهم ضد هذا الاحتلال.

على الشعب الكردي في شمال كردستان اعتبار الهجوم على روج آفا وشمال سوريا هجوماً على باكور كردستان، والتوجه نحو القرى والمدن الحدودية، من المحتمل أن تمارس الفاشية التركية مختلف أشكال الهجمات، ولكن قوة الشعب والتضحيات الكبيرة سوف تلحق الهزيمة بالفاشية.

وكذلك الأمر بالنسبة لأبناء الشعب الكردي في أوروبا، يجب عليهم الانتفاض ليل نهار، يجب أن ينظموا الفعاليات الدبلوماسية بدون تأخير، وبشكل خاص يجب على الشعوب الأوروبية الانتفاض ضد الفاشية، يجب عليهم فضح وكشف فاشية أردوغان وهجمات الإبادة والاحتلال للعالم أجمع، وتنظيم الشعب في جبهة مناهضة الفاشية. إذا تم ذلك فسوف يتم دحر وهزيمة فاشية أردوغان، إذا تم ذلك فإن أسلحة أردوغان وتقنياته العسكرية لن تكون ذات جدوى ولن تنجيه من الهزيمة.

على الكرد بشكل خاص عدم الاعتماد على القوى الخارجية، بل تعزيز ثقتهم بقوتهم الجوهرية والثقة بنضالهم من أجل الحرية، إذا كانت هناك طريقة لتحقيق النصر، فهي القوة الجوهرية وتصعيد النضال.

(ك)

ANHA