من الذاكرة...6 مقاتلين ومدنيان تحولوا لأجراس الحياة في كوباني

من أجسادٍ في قرى منسية على مر عقود إلى قصصٍ خالدةٍ على صفحات التاريخ كتبوا لحظاتها بدمائهم، وأحيوا مجتمعاتٍ واجهت خطر الإبادة الجسدية والثقافية، هذه قصة 6 مقاتلين ومدنيان أنقذوا أرواح الآلاف من الأهالي خلال مجزرة كوباني.

بعد منتصف الليل وقبيل ساعات من بزوغ الفجر تسللت مجموعة يتراوح عددها ما بين الـ75 إلى 85 مرتزقاً يرتدون الزي الرسمي لوحدات حماية الشعب، من القرى الجنوبية لمقاطعة كوباني شمال سوريا متجهين إلى عمق المدينة، التي خسروها قبل ذلك بأشهر وفقدوا أكثر من 5 آلاف من مرتزقتهم في معارك طحنت الحجر والبشر.

تفرّقت المجموعة إلى مجموعتين واحدة انطلقت إلى المدينة بشكل مباشر، وأخرى انتشرت في قرية برخ باتان إحدى أكبر القرى جنوب المقاطعة وذات الدور الكبير لأهلها في المعارك ضد داعش، هدفاً من الأخير بقتل أكبر عدد من المواطنين، وفي مخطط جديد يهدف إلى السيطرة على المقاطعة التي تحررت حديثاً آنذاك عبر الهجوم على شكل عصابات بدءاً من القرية جنوباً وبلدة شيوخ غرباً والانتشار في المدينة شمالاً.

على الطريق السريع الذي يربط المدينة بالقرى الجنوبية استغلت المجموعة حلكة الليل والزي الخاص بوحدات حماية الشعب لدخول المدينة قبيل شروق الشمس.

تعجب مدنيان من سكان قرية برخ باتان، التي دخلها داعش وارتكب مجزرة بحق أهلها في ذات اليوم، من رتل السيارات الذي اتجه إلى المدينة، وأخبروا ما شاهدوه لقوى الأمن الداخلي "الأسايش" التي كانت قريبة من القرية قبل دقائق من انتشار داعش فيها.

6 مقاتلين من قوى الأمن الداخلي الآسايش، 4 منهم من أبناء القرية، استقلوا عربة ولحقوا بالرتل وأيقنوا أن من دخل المدينة هم ليسوا مقاتلي وحدات حماية الشعب، إلى أن وصلوا إلى مدخل المدينة من الجنوب وتعرضوا لوابل من الرصاص الذي انهمر عليهم.

وصلت أصوات النيران التي أُطلقت ذلك الصباح وقبل شروق الشمس إلى كل قرية وكل حي في المدينة، التي خرج أهلها للاحتفال ظناً منهم  بأن إرهابيي داعش طردوا من بلدة صرين جنوب المقاطعة، بالتزامن مع قتالٍ محتدم على تخوم البلدة كانت تخوضه وحدات حماية الشعب والمرأة.

20 دقيقة مرت على اصطدام المقاتلين الـ6 من قوى الأمن الداخلي بالرتل العسكري لداعش هز تفجيرٌ أرجاء المدينة بعد دخول سيارة مفخخة شمال المدينة عبر البوابة الحدودية مع تركيا.

اختلف الأمر عندما شاهد المواطنون بأن أشخاصاً يرتدون زي وحدات حماية الشعب يطلقون النار عليهم، وبدأت ملامح المخطط تنكشف.

المقاتلين الـ6 استشهدوا بعد الاشتباك مع المرتزقة بالقرب من مبنى إدارة المقاطعة في المدينة، لتدخل المدينة الى حرب شوارع، بينما اعتلى أخطر قناصي داعش أسطح المدارس والأبنية ذات المواقع الاستراتيجية في المدينة وبدأوا بقنص كل ما يشاهدونه.

ففي الوقت الذي كانت وحدات حماية الشعب تشن حملة عسكرية ضد داعش في بلدة صرين بدعم جوي من طيران التحالف الدولي فتحت تركيا معبرها "معبر مرشد بينار" بالقرب من مدينة كوباني لعبور عربة مفخخة هُيئت لدخول مرتزقة داعش إلى المدينة من جديد بعد 5 أشهر من المعركة التي خسروها في الـ26 من يناير/كانون الثاني عام 2015.

يقول سلامة جعجي أحد أعضاء قوى الأمن الداخلي "الآسايش" في قرية برخ باتان وشقيق الشهيد محمد جعجي، أحد أعضاء المجموعة الستة، بأن المقاتلين الستة تحولوا إلى "أجراس الحياة" لسكان المدينة، وأنقذوا أرواح آلاف المواطنين، عدا خسارة المدينة حسب التخطيط الذي وضعه داعش.

4 ساعات من المقاومة المحلية التي أبداها أهالي قرية برخ باتان أجبرت عشرات المرتزقة من الانسحاب من القرية وبعد أن قُتل 28 مدنياً من أهلها، فيما تمكن سكان القرية من قتل عددٍ من المرتزقة.

أما في المدينة تحوّلت الشوارع إلى برك دماء إذ فقد 230 شخصاً منهم الأطفال والنساء لحياتهم جراء إطلاق النار على المدنيين مباشرة من قبل داعش.

بعد 3 أيام من المعارك المتواصلة في المدينة تمكنت وحدات حماية الشعب والمرأة من قتل 85 مرتزقاً ممن تحصنوا في المدارس وفوق أسطح المنازل، لتبقى مجزرة كوباني من أقسى المجازر التي ارتكبت خلال الحرب السورية.

وكان للشهداء الستة الفضل في إنقاذ كوباني من مجزرة كانت ستكون أكبر بكثير من التي وقعت بحق أهلها، إذ عمل هؤلاء الشهداء على كشف مخطط المرتزقة الذين كانوا ينوون الانتشار في المدينة وإحكام السيطرة على مداخلها ومخارجها والتمركز في الأماكن الاستراتيجية قبل أن يبدأوا بقتل الناس، لكن وصول مجموعة الأسايش واشتباكهم مع المرتزقة كشف المخطط وأيقظ المدنيين والعسكريين الذين جابهوا المرتزقة.

نصبٌ تذكاريٌ على شكل 6 شموع ونسر وضع بالقرب من المكان الذي فُقد فيه المقاتلين الـ6 محمد جعجي، جمعة جنيد، بوزان مصطفى، مظلوم أحمد، إسماعيل إسماعيل، وحسن دوندر لحياتهم، ليبقى شاهداً وذكرى خالدة لمن أراق دمائه في سبيل أن يحيا من يجولُ اليوم بالقرب من ذلك النصب.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً