هل تستطيع تركيا الهروب من كرة النار في إدلب؟

أشار الكاتب التركي فهيم تاشتكين في مقال لموقع المونيتور الأمريكي، إلى أنه أثارت سلسلة من التطورات الهامة في محافظة إدلب السورية التي يسيطر عليها المرتزقة المدعومين من أنقرة  في الأسابيع الأخيرة شبح السيناريو الخطير الذي ينتظر تركيا في الأزمة السورية. وبدء كل شيء بفشل تركيا في حماية مرتزقتها في إدلب.

وأفضى هجوم النظام إلى سقوط خان شيخون الشهر الماضي وكذلك محاصرة نقطة المراقبة التركية في مدينة مورك، الأمر الذي أدى الى هروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو، ليعود خالي الوفاض، حيث اقتحم مئات السوريين حدود تركيا، غاضبين من تقاعسها عن العمل.

ولفت الكاتب إلى أن المظاهرات بعد صلاة الجمعة التي كانت من الأمور الثابتة في سوريا منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011، تحولت  في 30 أغسطس ضد تركيا. ومن الواضح أن رحلة أردوغان إلى موسكو في 27 أغسطس، والتي تم مشاهدته وهو يلعق الآيس كريم مع نظيره فلاديمير بوتين ويعجب بالطائرات الروسية في معرض للفضاء الجوي، دفعت ما يسمى بـ "المعارضة السورية" إلى الاعتقاد بأن إدلب "تم بيعها". وما حصل عليه أردوغان في موسكو كان مجرد حماية الشرطة العسكرية الروسية للمواقع التركية المحاصرة ووعداً بوقف إطلاق النار مؤقت وانتقائي. ورد السوريون الغاضبون من خلال السير إلى الحدود تحت شعار "الملايين يمزقون الحدود التركية".

وفي مشاهد غير عادية عند معبرين حدوديين بين تركيا وإدلب، ردد المتظاهرون شعارات تصف تركيا والمتعاونين مع روسيا بالخونة. وهتف بعض المتظاهرين "نحن في طريقنا إلى ريحانلي لتعليمهم معنى بيعنا"، في إشارة إلى بلدة تركية عبر الحدود، بينما أحرق آخرون ملصقًا لأردوغان. وأُصيب العديد منهم بجروح عندما استخدمت قوات الأمن التركية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لإيقاف حشود الناس، وأطلقت أعيرة نارية تحذيرية في الهواء. وقد نُظمت احتجاجات مماثلة في إدلب وبلدات جسر الشغور وسرمدة.

بالكاد يمكن للمرء أن يرى الاحتجاجات كرد فعل مدني، بالنظر إلى أنها وقعت في المناطق التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام وحلفائها. وكما توحي الشعارات والخطابات الغاضبة، فإن الاحتجاجات تهدف إلى ممارسة ضغوط متعددة الأبعاد على تركيا، أي إجبارها على تخفيف سياستها الحدودية، التي لم تعد مفتوحة أمام اللاجئين، واستخدام نقاط المراقبة العسكرية في إدلب لوقف هجمات النظام. وهناك توقع واضح آخر هو أن أوروبا، التي تشعر بالقلق إزاء موجة جديدة من اللاجئين، ستضغط على روسيا كي تخفف حملتها على إدلب.

وقد يقترح البعض أن مثل هذه الضغوط على الحدود ستلعب في صالح أردوغان، بالنظر إلى سجل الأخير في استخدام اللاجئين لابتزاز أوروبا. وسارع وزير الخارجية التركي، الذي كان يزور النرويج يوم الاحتجاجات، إلى التحذير من أن "الهجمات في إدلب يمكن أن تطلق موجة هجرة جديدة إلى أوروبا".

وتبع أردوغان حذوه بعد أيام قليلة، حيث لوح ببطاقة اللاجئين للضغط على رؤيته للمنطقة الأمنية في مناطق شمال وشرق سوريا. وقال "نحن نخطط لإعادة توطين مليون شخص على الأقل من [اللاجئين السوريين في تركيا] في المنطقة الآمنة التي سننشئها على طول الحدود" ، مقترحًا بناء منازل جديدة في منطقة على عمق 30 كيلومترًا. (حوالي 19 ميلا). وقال "أعطونا الدعم اللوجستي لبناء تلك المنازل ... وإلا، فسنضطر لفتح البوابات"، مما يعني أنه سيسمح للاجئين بالذهاب إلى أوروبا.

ومع ذلك، يرى الكاتب بأنه لا ينبغي تجاهل نقطتين. أولاً، الضغط على الحدود، والذي قد يظهر حاليًا كورقة رابحة لأردوغان، وقد يؤدي إلى تطورات تهدد الوجود العسكري التركي في سوريا، والتي تمتد من عزاز وجرابلس والباب إلى عفرين وإدلب. ثانياً، يمكن أن يتحول الموقف الودي نسبياً للجماعات في إدلب إلى عداوة ضد تركيا.

وتزداد احتمالية سقوط تركيا في المصيدة لأن وجودها العسكري في إدلب لم يعد من الممكن أن يصبح درعًا للمرتزقة وسط الخناق المشدود لقوات النظام المدعوم من روسيا.

السبب الوحيد لعدم قيام المرتزقة بتسليم أسلحتهم بالفعل إلى تركيا هو أن الحدود التركية لا تزال هي شريان الحياة. في الواقع، كان استياء المرتزقة من أنقرة ملموسًا منذ انضمام تركيا إلى عملية أستانا مع روسيا وإيران في عام 2016.

وفي مقابلة مع رويترز في مايو، عبر فواز هلال، رئيس الذراع المدني لهيئة تحرير الشام، عن خيبة أمله تجاه تركيا. وقال إن تركيا سُمح لها بإنشاء مواقع عسكرية على أمل أن يوفر وجودها الحماية للشعب "لكن الحقيقة تقول إن هذه المواقع غير قادرة على حماية نفسها اليوم". ودعا تركيا إلى "الدفاع عن هذه المواقع التي أقاموها والمناطق التي يدخلونها ومنع الطائرات الروسية والسورية من الطيران في المناطق التي يتواجدون فيها ، وقصف المناطق المحيطة"، مضيفًا أن أنقرة يجب أن توضح "دورها وماذا يريدون من هذه المواقع".

ومع ذلك، وبخلاف هذه التوقعات، يبدو أن هناك نية لجذب تركيا مباشرة إلى القتال، وكما يتضح من الملاحظات المذهلة لأحد الأعضاء الألمان في مرتزقة حراس الدين التابع لتنظيم القاعدة أثناء لقاء الباحث أيمن جواد التميمي معه، أعرب المرتزق عن أمله في أن تشارك تركيا "في هذه الحرب مباشرة لتقسيم سلطة الكفار"، مضيفًا أن هذا "سيأخذ الجهاد إلى تركيا." وتابع قائلاً: "إذا لم يحدث هذا، فعلى تركيا فتح حدودها كما كانت تفعل مع مرتزقة داعش". وصف المرتزق تركيا بأنها قوة "مرتدة"، لكنه أكد أن المصالح "الجهادية" أصبحت الآن في صالح تركيا وأنه يجوز استغلال المرتدين في الحرب ضد الكفار. وقال "في الوقت الحالي ... لا يمكننا العيش بدون تركيا. جميع أنواع الأشياء تأتي عبر تركيا. إذا أغلقت تركيا الحدود، فنحن بالفعل تحت الحصار".

ولذا، فإن المعابر الحدودية هي العنصر الرئيسي الذي سيشكل علاقة تركيا مع المجموعات المرتزقة في إدلب.

وعلى الرغم من معضلاتها في سوريا، فإن أنقرة غير راغبة في مغادرة إدلب، ليس فقط بسبب حساباتها فيما يتعلق بمستقبل سوريا والكرد السوريين، ولكن أيضًا لتجنب استعداء الجماعات المرتزقة في إدلب. ومع ذلك، بعد أن فشلت في الوفاء بالتزاماتها في إدلب بموجب اتفاق سوتشي، فإنها ليست في وضع يمكنها من إيقاف الاستراتيجية التشغيلية لروسيا.

وفي أعقاب سقوط خان شيخون، تهدف المرحلة الأولى من هذه الاستراتيجية إلى السيطرة على معرة النعمان وسراقب لإعادة فتح الطريق السريع M5 الذي يربط حلب ودمشق. تهدف المرحلة الثانية إلى الاستيلاء على أريحا وجسر الشغور لإعادة فتح الطريق السريع M4 الذي يربط بين حلب واللاذقية. إن تحقيق هذه الأهداف يعني أن أكثر من نصف أراضي إدلب ستخضع لسيطرة النظام السوري.

ويرى الكاتب بأن الهدف النهائي هو بسط سيطرة النظام السوري على طول الحدود التركية، ولكن قد تختار روسيا صيغة وسط من أجل علاقاتها مع تركيا. في يناير، أثار بوتين احتمال إعادة تفعيل اتفاق أضنة لعام 1998 بين تركيا وسوريا. وهذا بالطبع يتطلب تعاون أنقرة مع دمشق. وربما تعتمد الصيغة على المنطق التالي: منع تدفق اللاجئين والمرتزقة إلى تركيا سيبقي أنقرة ضمن حدود استراتيجية روسيا، ويقلل من المخاطر في عملية التسوية السياسية، ويساعد على إنشاء لجنة دستورية ويوفر مهلة لرؤية شمال وشرق سوريا.

ويتوقع  الكاتب بأن إقامة منطقة آمنة على طول الحدود التركية ستبقي قوات النظام السوري بعيدًا، ولكن هل ستزيل خطر الجماعات المرتزقة؟ أو هل تستطيع تركيا ضمان عدم المواجهة في المنطقة؟ إن عمليات إعادة فتح الطريقين السريعين M4 و M5 ستترك حتماً مراكز المراقبة التركية في دائرة النار، كما حدث في مدينة مورك. وقد تفشل بوليصة التأمين الروسية في العمل بشكل صحيح في كل مواجهة بين الجيشين التركي والسوري. علاوة على ذلك، حتى إذا تم الانتهاء من المرحلة الأولى دون إخراج الشراكة التركية الروسية عن مسارها، فإن مشكلة أنقرة ستبقى مستمرة.

تتطلب التزامات تركيا بموجب اتفاق سوتشي فصل "الفصائل المعتدلة "عن "الفصائل المتطرفة والقضاء على الجماعات الإرهابية". ومع ذلك، فإن إنشاء مجموعات شاملة مثل مرتزقة الجيش الوطني السوري ومرتزقة الجبهة الوطنية للتحرير لم يفشل فقط في كسر هيمنة مرتزقة هيئة تحرير الشام والقاعدة، ولكن تمكنت هيئة تحرير الشام من توسيع سيطرتها الإقليمية في إدلب إلى 90 ٪. ومما زاد الطين بلة، وقفت الجماعات المرتزقة المدعومة من قبل تركيا مع هيئة تحرير الشام في المواجهات الأخيرة. وتتعاون الآن هذه المجموعات المرتزقة المتناحرة التي قاتلت بعضها البعض في العام الماضي في غرفة عمليات مشتركة تسمى "الفتح المبين".

إن منع أيدي هذه الجماعات والقبول بوجودها على طول الحدود يمكن أن يمنع الأشياء من الخروج عن نطاق السيطرة فقط على المدى القصير. علاوة على ذلك، فإن المجموعات المستوحاة من تنظيم القاعدة والتي ستُجبر على الخروج من طريقي M-4 و M-5 سوف تنسحب حتماً إلى نفس المنطقة الآمنة. تلك جماعات ترفض أي تسوية سياسية، ومصممة على شن الجهاد حتى الموت. باختصار، لن تؤدي صيغة منتصف الطريق إلا إلى تمديد الاضطرابات على المدى الطويل، مع استمرار تركيا في حمل كرة النار في حضنها.

(م ش)


إقرأ أيضاً