هيفيدار دارا...مثال المرأة المقاومة

19 عاماً من النضال في جبال كردستان وإلى جانب أهالي روج آفا في ثورة الحرية التي قاموا بها، كانت كافية لتثبت هيفيدار دارا أنها مثال للمرأة المقاومة التي لم ترض الاستسلام.

ولدت المناضلة بسنة خالد علي الاسم الحركي هيفيدار دارا في منطقة كركي لكي عام 1974، وترعرعت في حضن عائلة وطنية تعرّفت على حركة التحرر الكردستانية منذ الأعوام الأولى لدخولها إلى روج آفا، وشاركت في تسيير الفعاليات والنشاطات الخاصة بالحركة سراً عندما كان النظام البعثي يحكم المنطقة.

اتصفت بسنة(هيفيدار دارا) بين الجوار باجتهادها ونشاطها، كان شعور الانتماء الوطني حاضراً في نفسه منذ الصغر، وهذا كان العامل الأكثر تأثيراً في صنع شخصيتها الثورية.

حس وطني منذ الصغر

تقول شقيقتها فاطمة خالد، وهي تتذكر ذكريات طفولة شقيقتها، بأن "بسنة كانت مجتهدة كثيراً في الدراسة، وتعلّقت منذ صغرها بحركة التحرر الكردستاني التي كان كوادرها يترددون إلى منزلنا على الدوام".

وتضيف" في إحدى الأيام أظهرت لي صورة للقائد أوجلان كانت تحتفظ بها بين صفحات دفترها، وسألتني فيما إذا كنت أعرفه، قلت إني لا أعرفه، ثم قالت لي "هو قائد الكرد وأنا أحبه كثيراً"، سألتها وماذا سيفعل لنا، قالت إنه "سيجلب لنا الحرية لنعيش جميعنا في كردستان حرة"، كانت حينها ما تزال صغيرة، لذا قلت لها أن عليها إكمال دراستها وعدم الانشغال بهذه المسائل".

وتتابع تذكر "اللحظات الجميلة" للمناضلة الصغيرة، وتقول "في إحدى الأيام وجدتُ في المنزل حقيبة مخبئة تحت القش، كانت تحتوي على مبلغ من المال، سألت والدي ووالدتي عنها فلم يعرفوا بأمرها، وعندما عادت بسنة من المدرسة قالت بأن الحقيبة لها، وقد ساعدت كوادر حركة التحرر الكردستاني بجمع المساعدات من الأهالي".

الانضمام إلى الثورة

يوماً بعد آخر، كان الحس الوطني داخل بسنة يتنامى ويكبر، حتى قررت في عام 1994 الانضمام إلى حركة التحرر الكردستانية التي كانت تخوض حينها أشرس المعارك ضد الجيش التركي في جبال كردستان وعلى ساحات عدة أخرى، سياسياً وعسكرياً وفكرياً.

أخبرت بسنة والدها بقرارها، ثم بعد نقاش طويل قالت لوالدها بأنه سيكون فخوراً بها إذا انضمت إلى الحركة وشاركت في حملات المقاومة ضد أعداء الوطن.

لم يستطع الوالد الاعتراض على قرار بسنة التي بدا عليها الاندفاع الهائل والحماس الشديد الذي كان من الصعب أن يقف في وجهها أي شيء، وأخبرها في اللحظة الأخيرة من النقاش "ليكن النصر حليفك".

صديقة بكل معنى الكلمة

بعد انضمامها إلى صفوف الثورة ووقوفها إلى جانب قوافل المناضلين الثوريين الذين حملوا السلاح في جبال الوطن دفاعاً عن ربوعه وكرامة شعبه وسعياً للحرية، تغيّر نمط حياتها، إذ لم تعد بعد الآن شخصاً عادياً بل باتت في عداد الثوريين وقد وضعت الاستشهاد في سبيل الوطن نصب عينيها.

وأُصيبت هيفيدار في معارك ضد جيش الاحتلال التركي في منطقة بوطان في باكور(شمال كردستان) ، لكنها لم تتوقف، في الاستراحات كانت تضع رجلها المصابة في الماء المالح خشية على الدماء من أن تفسد، وعندما عادت من المعركة، قالت أنها قد تعلمت الكثير.

العودة للديار الثائرة!

بعد مرور أعوام كثيرة على انضمامها إلى نضال الجبال، اندلعت شرارة الثورة في ديارها، فقد شهدت روج آفا منتصف عام 2012 ثورة خرج بها الشعب وحرر مناطقه من النظام السوري وبدأ بتنظيم نفسه وبناء مؤسساته وقواته العسكرية.

قررت هيفيدار العودة إلى ديارها لتشارك في الثورة، فعادت وساهمت في بناء وحدات حماية الشعب والمرأة التي تولت مهام الدفاع عن مكتسبات ثورة روج آفا.

وعملت فور وصولها على تشجيع الشباب والشابات للانضمام إلى الوحدات في منطقة تل تمر، ثم كُلّفت بمهمة في منطقة سري كانيه التي كانت تتعرض لهجمات شرسة من قبل "جبهة النصرة"(هيئة تحرير الشام حالياً) بدعم تركي، إذ شاركت في المعارك هناك وساهمت في تحرير العديد من القرى الكردية والعربية والآشورية الواقعة بين منطقتي سري كانية وتل تمر، إلى جانب قرية غيبش الواقعة على الطريق الدولي (رودكو).

وأسست هذه المناضلة بعد عمل دؤوب كتيبة من المقاتلين والمقاتلات باسم كتيبة الشهيدة سلافا وعملت على تدريب الشابات فكرياً مُؤكدة على أهمية تحرير المرأة في المجتمع.

تتذكر فاطمة شقيقة الشهدة هيفيدار حينما زارتهم شقيقتهم بعد نحو 18 عاماً من الغياب عن المنزل، وتقول "كنت جالسة مع والدتي عندما رأيت عدداً من السيارات تقف بجانب منزلنا، خرجت لأستفسر ثم رأيت عدداً من مقاتلات وحدات حماية المرأة يخرجن من السيارات".

وتضيف "قلت لهن، هل أتيتم تخبرونني أن هيفيدار قد استشهدت، فقالوا إنها معنا وهي هنا بقصد الزيارة، أنا لم أعرفها، وكذلك أمي، فقد كانت ملامحها قد تغيرت كثيراً".

لم تستسلم حتى نالت الشهادة

في عام 2013، كانت جبهة النصرة تشن هجمات عنيفة على منطقة سري كانيه، فوضعت وحدات الحماية مخططاً لتحرير عدد من القرى الواقعة بين منطقتي سري كانيه وتل تمر وهو ما سيُضعف تأثير الهجمات التي تشنها المرتزقة.

فنجحت الخطة، وحُررت العديد من القرى ومن ضمنها قرية غيبش الواقعة على الطريق الدولي (رودكو)، لكن المرتزقة شنوا هجمات معاكسة على نقاط تمركز الوحدات وتمكنوا من محاصرة بعض النقاط، حينها حاولت هيفيدار برفقة عدد من المقاتلين الآخرين التقدم ومساندة رفاقهم المحاصرين لكنهم وقعوا في أحد الكمائن التي نصبها المرتزقة فتتعرض هيفيدار ورفيقة لها للإصابة بينما يستشهد سائق السيارة التي استقلتها.

كان ذلك يوم الـ20 من تشرين الأول عام 2013، حينها كان المرتزقة يحاصرون المكان، فاحتضنت هيفيدار رفيقتها المصابة وفجّرت إحدى القنابل كي لا تقع في الأسر، لتصبح رمزاً للمرأة المقاومة.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً