واشنطن وطهران صراع لأعوام.. كيف بدأ وهل سينتهي بتسوية؟

تحتل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية جزءً كبيراً من أزمات الشرق الأوسط وتؤدي دوراً معمقاً لها , ولا يوجد في ذاكرة الجميع سوى التوتر والخلاف بين هاتين الدولتين, ولا أحد يتذكر علاقة الصداقة بينهما والتي من الممكن أن تعود.

ما بين عبارة (رأس محور الشر) التي يُطلقها مسؤولو الولايات المتحدة لوصف إيران و(الشيطان الأكبر) كما يرد بها قادة إيران لوصف أميركا, تسير العلاقة بين الطرفين إلى اتجاهات ومسارات معقدة تتراوح ما بين الحرب والتسوية الشاملة.

واشنطن وطهران أصدقاء...!

خارج إطار ما يجري الحديث عنه الآن من توتر وصراع والوقوف على شفا حرب أحياناً بين واشنطن وطهران, كان بين الدولتين علاقات ود وتفاهم اعتماداً على "اتفاقية صداقة" موقّعة في عام 1955 بين الطرفين، أيام الشاه محمد رضا بهلوي, وهذه الاتفاقية استمرت طوال سنوات الثورة الإسلامية في البلاد دون أن يلغيها أي طرف منهما.

منحت هذه الاتفاقية إيران موضعية الدولة الأكثر تفضيلاً من حيث حق الوصول إلى الأسواق الأميركية مع ضمانات التصدير، والتسهيلات الائتمانية المدعومة من الحكومة الفيدرالية.

أميركا وضعت أساسات السلاح النووي الإيراني

والأهم من ذلك، أن هذه الاتفاقية فتحت الطريق أمام إيران لشراء الأسلحة والعتاد العسكري من الولايات المتحدة، والشروع في عملية نهاية سبعينيات القرن الماضي تمكنت إيران وفقاً لها من الحصول على الأسلحة النووية الأكثر تطوراً من الولايات المتحدة.

وكانت اتفاقية عام 1955 إيذاناً ببدء النفوذ الأميركي المتزايد داخل إيران، وأفضت إلى التوقيع على 18 معاهدة واتفاقية أخرى أرست أركان التحالف الراسخ بين البلدين في ذلك الوقت. ومن بين هذه الاتفاقيات، والتي أبرمت تحت مظلة "البرنامج الذري الأميركي من أجل السلام"، تركيب أول مفاعل نووي في إيران، والذي تحملت الولايات المتحدة تكاليف تشييده وأعباء إدارته بالكامل ولعدة سنوات.

كما قدّمت الولايات المتحدة أيضاً منحاً دراسية لأول 20 طالباً جامعياً إيرانياً ممن كانوا يدرسون العلوم النووية في الجامعات الأميركية. ومهدت اتفاقية ثنائية أخرى الطريق لتدريب العسكريين الإيرانيين وموظفي أجهزة الاستخبارات الإيرانية في الولايات المتحدة، لا سيما الطيارين المقاتلين والفنيين.

وبحسب محللين فإن الولايات المتحدة كانت تهدف من تلك الاتفاقية التي لم تقطعها, لأن يكون لها نفوذ في إيران لكي تصل من خلالها إلى الصين, وهذا ما يحاول تكراره ترامب حيث يسعى لتعزيز وجود نفوذ بلاده وسط آسيا.

ومن الملفت للنظر والغريب أن هذه الاتفاقية استمرت على الرغم من كل ما حصل بين الدولتين من هجوم على السفارة الأميركية في إيران والهجمات على الطرفين, إلى أن دقت طهران باب محكمة العدل الدولية خلال شهر أغسطس/آب من العام 2018 بشأن رفع شكوى ضد الولايات المتحدة الأميركية، وذلك للانتهاك المزعوم من قبل واشنطن للاتفاقية المشتركة الموقعة من قبل إيران والولايات المتحدة في عام 1955.

ماذا حصل للأصدقاء وكيف انطلق العداء بينهما؟

شهدت إيران اضطرابات سياسية على خلفية انتخاب مجلس النواب محمد مصدق رئيساً للوزراء عام 1951 حيث لم ينتظر مصدق كثيراً حتى أصدر مرسوماً بتأميم النفط والغاز ما أدى لغضب بريطاني وأميركي.

وظهر خلاف بين الشاه ومصدق على توزيع مناصب الحكومة إلا أن الشاه اضطر للموافقة على قرارات مصدق, ليقوم الجيش بالإطاحة بحكومة مصدق وذلك بمساعدة من الاستخبارات البريطانية والأميركية, وتم إعادة الأمور والسلطة إلى الشاه ليقوم هو بحملة اعتقالات واسعة ومنها انتشر العداء وسط الإيرانيين ضد الولايات المتحدة.

واستغل ذلك الخميني وبدأ بحشد أنصاره ليثوروا على الشاه, حيث تمكنوا من الإطاحة به عام 1979, ليتولى الخميني منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية, وبعدها بفترة قصيرة اقتحم عشرات الطلاب السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا عشرات الدبلوماسيين والموظفين لمدة 444 يوماً مطالبين بتسليم الشاه الذي فرّ إلى الخارج لمحاكمته.

وقطعت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع إيران عام 1980 وحجزت الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة وقطعت العلاقات التجارية معها وحظرت تصدير معظم السلع إليها.

وفي نفس العام فشلت محاولة إنقاذ الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران عندما اصطدمت مروحيتان أمريكيتان ببعضهما أثناء عملية إنزال في صحراء لوط وقتل 8 جنود في هذا الحادث.

وأطلقت إيران سراح الرهائن الأمريكيين عام 1981 بعد أيام من استلام الرئيس، رونالد ريغان، مقاليد الأمور في الولايات المتحدة خلفاً لجيمي كارتر. وفي عام 1984 صنفت واشنطن إيران في خانة "الدول الراعية للإرهاب".

التوتر والصراع مع إيران.. بين الصقور والحمائم في إدارة البيت الأبيض

وشهد عهد الرئيس جورج بوش والمعروف بأنه من الصقور في الولايات المتحدة ارتفاع حدة الخلاف بين واشنطن وطهران حيث وضع بوش إيران عام 2002 ضمن دول "محور الشر", ورفع مستوى العقوبات عليها, فيما بدوره أعاد الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد, عام 2005 العمل في برنامج بلاده النووي لتخصيب اليورانيوم ما أدى لزيادة التوتر بين الدولتين.

واستمر التوتر حتى قدوم الرئيس باراك أوباما والذي سعى خلال رئاسته للبيت الأبيض إلى تهدئة التوتر في الشرق الأوسط, حيث توصلت في منتصف العام 2015 كل من إيران والدول العظمى في مجلس الأمن الدولي وبوساطة من الاتحاد الأوروبي لاتفاق عُرف باتفاق (5 +1).

أما في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي على ما يبدو أنه يحاول أن يدفع التفاوض والحل بالقوة والتهديد, فكان الملف الإيراني من أولويات إدارته، فمنذ الترويج لحملته الانتخابية أعلن رفضه الاتفاق النووي الموقع مع إيران ووصفه بأنه (أغبى اتفاق على الإطلاق), وأعلن في عام 2017 الانسحاب من الاتفاق النووي وشدد العقوبات على إيران بشكل مراحل.

ربط الملف النووي بالصراعات في الشرق الأوسط..

ووضع ترامب استراتيجية منذ البداية، تربط بين الاتفاق النووي الإيراني والنزاع بشكل عام في الشرق الأوسط, واشتد ذلك بعد اختيار كل من مايك بومبيو كوزير خارجية وجون بولتون كمستشار للأمن القومي الأميركي والمعروفان بأنهما من كبار الصقور.

وقال بومبيو في أحد خطاباته "أن إيران استغلت الاتفاق النووي الموقع عام 2015 لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة حروب وصراعات، واستخدمت الأموال التي حصلت عليها بفضل الاتفاق لتوسيع نفوذها وتمويل أنشطتها الإرهابية وتقديم الدعم لحزب الله والحوثيين والميليشيات الأخرى في العراق".

ووضع بومبيو شروطاً على إيران لتخفيف الضغط عليها منها وقف أنشطتها النووية والباليستية, وإيقاف دعم جماعتها في الشرق الأوسط.

أصابع واشنطن وطهران على الزناد.. حرب أم تسوية

ومع اشتداد الصراع في الشرق الأوسط بدءاً من سوريا إلى لبنان وفلسطين واليمن وصولاً إلى المنطقة الأكثر سخونة وهي مياه الخليج احتدم الصراع بين إيران وأميركا حتى باتت المنطقة على شفا حرب كبرى.

الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية الدكتور إياد المجالي تحدث حول ذلك لوكالة أنباء هاوار قائلاً "هذا الشكل من العقوبات يشكل حرباً اقتصادية شرسة تصعيدية, مما دفع السلطة السياسية في إيران عبر أجهزتها ووزارة الخارجية إلى ممارسة استراتيجية حافة الهاوية في مواجهة الاجراءات الامريكية, واستثمار أوراق القوة التي تمتلكها سواء كان الاتفاق النووي الذي يتمسك به الشركاء الأوروبيين في المحافظة علية وحمايته, إضافة إلى ورقة الضغط الأخرى المتمثلة بأذرع إيران في أربع دول مجاورة وحجم تهديدها كقوة عسكرية لمصالح أمريكية وقواعدها الجوية في المنطقة, التي أصبحت في مرمى ضربات القوة الإيرانية, كما تضمنت أوراق القوة الإيرانية سيطرتها ونفوذها على مياه الملاحة في الخليج ومضيق هرمز الحيوي".

ويضيف المجالي "الورقة الأقوى في سلم أولويات إيران لمواجهة التصعيد الأمريكي جاء بإعلان النظام السياسي الحاكم في طهران البدء بخطوات تدريجية تنص على تقليص التزامات إيران من قيود الاتفاق النووي والبدء في زيادة إنتاج اليورانيوم المخصب بنسب تفوق ما هو مسموح به وثم تبعها خطوة أخرى وهي بصدد العمل على البدء بتنفيذ الخطوة الثالثة لتطوير أجهزة الطرد المركزي والتخلص من الأجهزة التقليدية وتفعيل برنامجها النووي بشكل أقلق الولايات المتحدة وحلفائها".

وهذا المسار التصعيدي بحسب المجالي، عاد بالمنطقة إلى بؤرة التوتر وقرع طبول الحرب بين أطراف الأزمة, ومارسته إيران لدفع الشركاء الأوروبيين للقيام بمسؤولياتهم تجاه الاتفاق النووي وحمايته من الانهيار ودفع الاتحاد الأوروبي لكسر العقوبات والضغط على الولايات المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية.

وحول مسار الأحداث يوضح المجالي "محور الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران يدعم مساراته أطراف فاعلين, أبرزهم الاتحاد الأوروبي ومنهم شركاء في الاتفاق النووي يسعون لتهدئة التصعيد القائم.

وقد نشطت الدبلوماسية الأوروبية في هذا الجانب لطرح مبادرات سياسية تدفع بإيران للجلوس على طاولة الحوار وتوسيع حجم الملفات والقضايا التي لا زالت الإدارة الامريكية تسعى لتسويتها مع النظام الإيراني الحاكم, منها دورها المحوري في الأزمات السياسية القائمة في دول الجوار ودعم إيران لحركة أذرعها في المنطقة.

كما أن الولايات المتحدة تسعى من خلال إحكام قبضة العقوبات لإرغام السلطة السياسية الإيرانية من تعديل سلوكها السياسي في تمددها وتدخلها في شؤون دول الجوار وإعادة تناول ملف الصواريخ الباليستية الإيراني الأكثر أهمية في ملفات التفاوض المطلوبة, وتحديد أولويات حماية الملاحة الدولية في مياه الخليج.

ويختتم الباحث في الشؤون الإيرانية حديثه "الجهود الدبلوماسية من أطراف المجتمع الدولي تسير في مسارات تهدئة وتقريب وجهات النظر, وهي في طريق تحقيق بعض التقدم باتجاه لقاء مرتقب بين الرئيس روحاني والرئيس ترامب يمكن أن يذيب بعض الجمود في موقف الطرفين, ويحقق إمكانية الجلوس على طاولة المفاوضات".

هل دفع بولتون ثمن التسوية مع إيران؟

وقامت إدارة ترامب خلال الفترة الأخيرة بعدة تحركات دبلوماسية تتناقض مع وجود كبير الصقور جون بولتون في إدارة البيت الأبيض ما دفع الأخير للاستقالة خلال الأيام الماضية, حيث تسرب حديث بأن هناك مفاوضات مباشرة بين واشنطن وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن والتي لا يمكن حدوثها من غير إيران, وتحدثت وسائل إعلام أميركية عن أن المفاوضات هي حلقة أولى من تسوية شاملة مع إيران.

كما أكّد مراراً الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الإيرانيين يرغبون في التفاوض, حيث يختلف وضعه عن المسؤولين الإيرانيين الذي يلقون صعوبة في الحديث عن التفاوض مع واشنطن (الشيطان الأكبر) كونهم مرتبطين بعقيدة ولي الفقيه وغيرها من الشعارات.

ومن المنتظر أن يجتمع كل من الرئيسين ترامب وروحاني خلال الفترة المقبلة, وبات من المؤكد بأن النقاش لن يكون مختصراً على الملف النووي بل سيكون على الصراع في الشرق الأوسط, وكما من المرجح أنه لن يكون سهلاً على الدولتين الإعلان عن تفاهمات سريعة, لكن ليس من المستحيل أن يكون هناك اتفاقات عبر إيقاف قرع طبول الحرب في المنطقة والتفاوض بشكل سري بشأن تسوية شاملة.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً