درعا إلى الواجهة مجددًا.. انعكاس للتجاذبات الجارية بين القوى المتدخلة في البلاد

مع قرب الأزمة السورية من إنهاء عامها العاشر، عادت محافظة درعا إلى الواجهة مجددًا بعد التحشيدات الأخيرة لقوات حكومة دمشق والفرقة الرابعة الموالية لإيران، ويؤكد المحلل السياسي السوري غياث نعيسة أن ما يجري هناك يعكس التجاذبات الجارية بين القوى المتدخلة في البلاد.

تفاقمت الأوضاع مجددًا في درعا التي تتمتع بأهمية استراتيجية كبيرة، كونها تقع جنوب سوريا بالقرب من الحدود السورية الأردنية، وتشكل نقطة ربط بين المناطق الجغرافية المرتبطة بالعاصمة دمشق، وهي مهمة لمختلف الأطراف في سوريا، فهي تقع بالقرب من الجولان المحتل والحدود الإسرائيلية، بالإضافة إلى رمزيتها في الثورة السورية إذ اندلعت منها الشرارة في ربيع عام 2011.

وعادت درعا الواجهة مجددًا بعد أن استقدمت قوات حكومة دمشق والفرقة الرابعة المعروفة بقربها لإيران، وهددت باقتحامها إن لم يسلم المسلحون أسلحتهم الخفيفة والثقيلة إلى قوات الحكومة، بعد أن كثرت عمليات الاغتيال في المنطقة.

'التسويات الروسية..'

وخضعت أجزاء كبيرة من محافظة درعا خلال الأزمة السورية لسيطرة المجموعات المسلحة، ولكن بعد إيقاف الدعم الغربي عن المسلحين ودخول روسيا وإسرائيل إلى الخط والاتفاق بين المتدخلين، بدأت قوات حكومة دمشق في حزيران/ يونيو 2018 حملتها العسكرية في جنوب درعا بدعم من روسيا، ووصلت الحملة في بداية آب/ أغسطس إلى الختام. وسرعان ما سيطرت قوات الحكومة على الأجزاء الشمالية الشرقية من محافظة درعا قبل أن تنطلق باتجاه الحدود مع الأردن.

وخلال حملة قوات الحكومة حينها، كانت المفاوضات التي تقودها روسيا بين الحكومة وممثلي المسلحين تُعقد في مدينة بصرى الشام في محافظة درعا، هذه العملية التي اتخذت فيها التسويات أساسًا، تمخّضت عن إقامة مناطق كان وجود الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة فيها إما ضعيفًا أو معدومًا، أما مسار حكومة دمشق، فتمثّل في مساعي الحصول على اتفاقات استسلام من المسلحين، كي تتمكّن من بسط وجود أمني أقوى.

وكانت مجموعة "قوات شباب السنّة"، أول فصيل يقبل بشروط روسيا في تموز/ يوليو 2018، في حين عارض آخرون، ومن ضمنهم مسلحون مُتمركزون في مدينة درعا وطفس وبعض الممثلين المدنيين الذين شاركوا في المفاوضات، الصفقة في البداية، ووصفوها بأنها "مُهينة" ولكن في كل مرة كانت تنفضّ فيها هذه المجموعات المسلحة عن طاولة المفاوضات، كانت روسيا والحكومة تصعّدان هجماتهما ضدها وينجحان في السيطرة على مناطق جديدة، لتخضع بعدها المجموعات المسلحة في نهاية المطاف إلى شروط روسيا.

واتفقت روسيا خلال التسوية الأولى مع المجموعات المسلحة على أن أجهزة الحكومة الأمنية وقواتها العسكرية المُتمركزة خارج هذه المناطق، لن تقوم بعمليات كبرى، على غرار الاعتقالات، داخل نطاق هذه البقعة، ولكن التسوية سمحت بعودة مؤسسات الحكومة المدنية والناظمة، كالمجالس البلدية.

 واستنادًا إلى هذه التسوية، وبفضل التسهيلات الروسية، استطاع المسلحون تسوية وضعهم الأمني وانضموا إلى صفوف الفيلق الخامس الذي تدعمه روسيا.

'دمشق لا تقبل ببقاء مناطق خارج سيطرتها'

ورغم التسويات الروسية التي خرجت إلى العلن وبعضها طرحت سرًّا، إلا أن حكومة دمشق بقيت غير راضية عن الوضع في الجنوب السوري، وهذا ما أكده مرارًا وتكرارًا، مسؤولون في حكومة دمشق، حيث لا تقبل الحكومة بقاء مناطق خارج سيطرتها.

ورغم هذه التسويات، وخروج من لم يرغبوا به إلى إدلب، حيث سيطرة المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًاً والمصنفة على لائحة الإرهاب الدولي)، إلا أن التفجيرات وعمليات الاغتيال واستهداف حواجز قوات الحكومة لم تتوقف.

وفي أيار/ مايو 2020، استغلت حكومة دمشق مقتل تسعة عناصر من الشرطة المحلية على يد مسلحين سابقين، لتعزز مواقعها في الأجزاء الجنوبية الغربية من محافظة درعا، وأرسلت الحكومة وحدات عسكرية لترقية وجودها في المنطقة التي كانت سيطرتها فيها حتى ذلك الحين محدودة.

'قوات الحكومة تلوّح بعملية واسعة'

وبدأت الفرقة الرابعة الموالية لإيران والتي يقودها ماهر الأسد في الـ 20 من كانون الثاني الجاري باستقدام تعزيزات عسكرية ضخمة نحو مواقعها في محافظة درعا، تمثلت بعشرات الآليات من دبابات وشاحنات محملة بمعدات عسكرية ولوجستية، بالإضافة إلى جنود نحو مدينة درعا، قادمة من العاصمة دمشق.

وأنشأت الفرقة الرابعة حواجز جديدة في عدة مناطق، كإنشاء حاجز بجانب الكنسوره في بلدة المزيريب وحاجز المساكن، وجرى قطع الطرقات وإغلاقها في وجه الحركة المدنية.

وفي يوم الإثنين، طالبت قوات حكومة دمشق والفرقة الرابعة مجموعة من أعيان ووجهاء محافظة درعا بتسليم أو ترحيل 8 أشخاص إلى الشمال السوري خلال فترة أقصاها 72 ساعة، وتسليم السلاح في مدينة طفس، تجنبًا لشنها عملية عسكرية عنيفة في المنطقة، ومنحت قوات حكومة دمشق مهلة حتى يوم الخميس لتنفيذ مطالبها.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فأن الاجتماع جرى بحضور ممثلين عن الجانب الروسي والشرطة العسكرية الروسية، التي هددت باستخدام سلاح الجو في حال لم يتم تنفيذ المطالب حتى انتهاء المهلة.

وفي هذا السياق يؤكد المعارض والمحلل السياسي السوري غياث نعيسة أن التوتر الجاري في درعا وجنوب سوريا، يعكس في الواقع التجاذبات الجارية بين القوى المتدخلة في البلاد، روسيا وإيران-النظام وتركيا والولايات المتحدة.

وقال: "النظام مع إيران يشعر أن الوضع في درعا يفلت عن سيطرته مع تهميش متزايد له وإيران لصالح روسيا والفيلق الخامس التابع لها، إضافة إلى أن المناوشات التي تصيب بشكل دوري عناصر قواته من مقاتلين معارضين له ساهمت في تهشيم سيطرته على درعا ورغم أن قوات النظام حاولت اقتحام طفس وفشلت وتستعين مجددًا بالروس للتوصل إلى تسوية هناك".

وبيّن نعيسة أن روسيا تسعى (بتوافق مع اسرائيل) إلى تقليص وتحجيم الوجود الإيراني - والفرقة الرابعة محسوبة على إيران إلى حدوده القصوى لصالح "ميليشيات" تابعة لروسيا.

وأضاف قائلًا: "النظام بوضع ضعيف إلى حد كبير، ولكن باعتماده على حلفائه إيران وحزب الله ما يزال قادرًا بحدود أضيق من قبل على إزعاج روسيا في مشروعها لإخراج إيران من جنوب سوريا، وبقية المناطق، وهو ما يتناسب مع المصالح الأمريكية أيضًا".

وأشار المعارض والمحلل السياسي السوري غياث نعيسة في نهاية حديثه إلى أن اللاعبين الأساسيين هي الدول المتدخلة والمحتلة لسوريا، واللاعبين الثانويين هم السوريين بشتى تسمياتهم العسكرية.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً