​​​​​​​آخر المضافات.. تذكّر الأهالي بإرث الأجداد

كان للمضافات الموجودة في القرى دور بارز في التراث الاجتماعي الكردي، حيث كانت تعد مكاناً للتجمع وتوطيد أواصر الألفة والمحبة بين الأهالي بالإضافة إلى تبادل الخبرات الحياتية. أهالي قرية مصطفاوية في ناحية كركي لكي لا يزالون يحافظون على مضافة القرية  التي يعود بناؤها إلى حوالي 150 عاماً.

المضافات، أو كما تسمى باللغة الكردية (Ode)، هي عبارة عن مكان مخصص لاستقبال الضيوف والأهالي، موجود في كل قرية تقريباً، ويشرف عليها عادة أحد وجهاء أو أعيان القرية، وتسمى غالباً باسمه.

وكانت تستخدم لاستقبال وإيواء الضيوف الغرباء، وكذلك يجتمع فيها أهالي القرية أنفسهم لقضاء أوقاتهم، خاصة خلال فترات المساء والليل، حيث لم تكون توجد وسائل أخرى للتسلية والترفيه وقضاء الوقت.

وعادة ما تكون المضافة أكبر من المنازل، وتبنى على شكل خيمة، أو تُبنى باللَّبن والطين أو الحجر الأسود، بحسب طبيعة البناء في كل منطقة. وكان الضيوف الغرباء القادمون إلى القرية أو ممن يمرون بالقرية يتوجهون مباشرة إلى المضافة، حيث يتم استقبالهم من قبل الأهالي ويُقدم له الطعام والمأوى.

وفي أوقات ما بعد العمل، وخاصة خلال فترات المساء والليل يجتمع أهالي القرية في المضافة لقضاء الوقت والتسلية، حيث يتبادلون الأحاديث والقصص فتتراكم لديهم تجارب الحياة. وأحياناً كان يقصد بعض المغنيين الشعبيين المضافات فيجتمع حولهم الأهالي للاستماع إلى الأغاني التراثية الشعبية.

وأثناء قضاء الوقت في المضافة كان يقدم فيها المشروبات الساخنة مثل القهوة والشاي، وأحياناً الطعام أيضاً في حال وجود ضيوف في القرية.

وفي قرى آليا في ناحية كركي لكي كان هناك عدة مضافات وقد هدمت وتلاشت مع مرور الزمن بسبب عدم استخدامها، نظراً لتغير الأوضاع الحياتية، وتغير العادات، وازدياد أعداد سكان القرى، حيث لم يعد الناس يرتادون المضافات لقضاء أوقات الفراغ.

إلى أن أهالي قرية مصطفاوية التابعة لناحية كركي لكي لا يزالون يحتفظون بمضافة القرية كإحدى الذكريات التي تربطهم بالماضي. ويعود تاريخ بناء مضافة القرية إلى أكثر من 150 عاماً، وتعتبر من أقدم المضافات في المنطقة، وقد بناها أعيان عشيرة عباسا. ورغم عدم استخدام المضافة في وقتنا، إلى أنّ بناءها لا زال قائماً في قرية مصطفاوية.

المضافة مبنية من اللبن والطين على مكان مرتقع وسط القرية، بطول 12 متراً وعرض 4 أمتار.

المضافات مدرسة لتبادل الخبرات و حل الخلافات

عبدالله فتاح فارس(80 عاماً) والذي بنيت المضافة على يد أجداده من قرية مصطفاوية، قال إن المضافات كانت بمثابة المدرسة لأهالي القرى، حيث يجتمع الناس في المضافة، فيتبادلون التجارب والخبرات والمعلومات من خلال تبادل أطراف الحديث، وقص الحكايات والقصص والأحداث. كما كان يتم عقد الصلح وحل المشاكل بين الأهالي في المضافة.

رواية القصص والحكايات وسرد الأحداث

وأضاف فارس " كانت المضافة تستقبل كافة الأهالي من كافة الشرائح دون  تفرقة بين أحد، كنا نتبادل الأحاديث  والقصص والقصائد والأغاني  فيما بيننا في الصباح حتى المساء، نمضي أغلب أوقاتنا داخل المضافة، ونقوم على تقوية العلاقات الاجتماعية وأواصر المحبة بين الجميع".

ويقول عبدالله فارس إنه كلما نظر إلى مضافة القرية يتذكر إرث الأجداد، وتلك الأيام الجميلة التي قضاها في المضافة.

تعزيز العمل التشاركي في المضافة

ويقول العم عبدالله فتاح فارس، إن جميع أهالي القرية كانوا يتشاركون في كل الأعمال الخاصة بالمضافة، فأثناء الصيانة كل عام، كان جميع أهالي القرية يعملون معاً لصيانة المضافة، كما يقدم الأهالي بشكل تشاركي مستلزمات المضافة وخاصة الحطب والوقود من أجل التدفئة وكذلك من أجل إعداد القهوة والشاي.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً