​​​​​​​الكل يتحدث عن كورونا .. لكن ماذا عن الحداثة الرأسمالية ودعائمها الثلاث؟

في وجه المشاكل والأزمات والفوضى العارمة التي تسبب بها نظام الحداثة الرأسمالية، تظهر أهمية الامة الديمقراطية كمشروع لحل.

القسم الثالث

يشبه القائد عبد الله أوجلان في مؤلفه الذي يحمل عنوان "الفوضى في حضارة الشرق الأوسط والحلول المحتملة"، التدخلات المتعددة في الشرق الأوسط، بمعالجة مريض في  الغيبوبة بالأسبرين. ويقول "ابتداء من التيارات الإسلامية إلى الأحزاب الشيوعية ومن القومية إلى الليبرالية ومن الاتجاهات المقاومة المختلفة وحتى جميع أشكال الضغط على طراز إسرائيل، تم الإثبات بشكل وافٍ أن كل هذه التيارات لم تستطع لعب دور أكثر من تأجيج أبسط المشاكل، وتبين هذه الحقيقة أن التشخيص والمعالجة بعيدة عن واقع البنية، فقد تم تكوين كيان مصطنع بمصطلحات مصطنعة، ومن ثم يعتقد أنه سيتم القيام بالعمل من خلال التشخيص والمعالجة.

إن كل ما يوجد في الشرق الأوسط باسم الحداثة لا يتعدى كونه نموذجاً استعراضياً، فحتى المنطقة لا تعرف نفسها وتعيش جهالة سوداء وتغرباً عميقاً عن مسائل التاريخ، وغدا المجتمع كالخرسانة، وأصبحت مؤسسات السياسة والدولة تشكل ورماً سرطانياً، وكأن الروح المظلمة لكبريات المراحل تتجول، إذ يتم معايشة وضع تخريبي أكثر عمقاً وتفسخاً مما أحدثه المغول والآشوريون بأضعاف مضاعفة؛ وهكذا فالشرق الأوسط يشبه لغزاً غامضاً ومعادلة تضم مجاهيل كثيرة لم يتم حلها حتى الآن".

وخلال تواجده في حبسه الانفرادي بجزيرة إمرالي منذ عام 1999، توصل القائد إلى أن حل المشاكل التي يواجهها العالم بسبب نظام الحداثة الرأسمالية وأزماته البنيوية، يكمن في نظرية الأمة الديمقراطية.

وفي هذا السياق يقول القائد عبد الله أوجلان في مانيفستو الحضارة الديمقراطية "القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية" إن "نظرية  الأمة الديمقراطية هي عنصر الحل الرئيسي في العصرانية الديمقراطية. ففيما عدا نظرية الأمة الديمقراطية، ما من نظرية اجتماعية قادرة على إعادة توحيد صفوف المجتمع البشري العالمي وإحيائه ضمن أجواء مفعمة بالحرية، بعدما قطعت نظرية الدولة القومية للحداثة الرأسمالية أوصاله كالقصاب. فالنظريات الاجتماعية الأخرى لا تستطيع من حيث معناها أن تذهب أبعد من أداء دور هامشي إزاء القضايا الراهنة العالقة. أما النظريات الليبرالية الرأسمالية، فهي غير قادرة على فعل شيء، عدا ما يشبه مداواة المريض بالسرطان البيولوجي بإعطائه أدوية لإطالة عمره؛ بدلاً من تأمين الشفاء العاجل للمجتمع من خلال حل الأمراض المزمنة والسرطانية التي سلطتها  الرأسمالية على البشرية. بمعنى آخر، فجميع الحلول التي تقترحها تلك النظريات، إنما تفاقم من القضايا وتطيل من عمر الحداثة الرأسمالية.....

والأبعاد التفصيلية للأمة الديمقراطية يرتبها القائد عبد الله أوجلان على النحو التالي:

1– الفرد - المواطن الحر وحياة الكومونة الديمقراطية في الأمة الديمقراطية:

ينبغي أن يكون الفرد المواطن كومونالياً (تشاركياً) في الأمة الديمقراطية بقدر ما يكون حراً. فالفرد الذي يتمتع بحرية زائفه، والذي تستثيره الأنانية الرأسمالية ضد المجتمع، إنما يحيا ضمنياً أعتى أشكال العبودية. لكن الأيديولوجية الليبرالية تعكسه وكأنه يتمتع بحريات لا محدودة داخل المجتمع.

2- الحياة السياسية وشبه الاستقلال الديمقراطي في الأمة الديمقراطية:

يستحيل تصور الأمة الديمقراطية من دون إدارة ذاتية. فالأمم عموماً والأمم الديمقراطية خصوصاً هي كيانات مجتمعية لها إدارتها الذاتية. ولئن ما حرم مجتمع ما من إدارته الذاتية، فهو يخرج حينها من كونه أمة. ولا يمكن تصور أمة من دون إدارة ضمن الوقائع الاجتماعية المعاصرة، وبل وللأمم المستعمرة أيضاً إدارتها، حتى لو انحدرت من أصول غريبة عنها.

3- الأمة الديمقراطية والحياة الاجتماعية:

كينونة مجتمع الأمة الديمقراطية هي أول شروط العيش كمجتمع سليم. فهي تعيد المجتمع الذي استهلكته الدولة القومية إلى أصله. والمجتمع السليم ينشئ فرداً سليماً، والفرد الذي ينعم بالصحة الذهنية والروحية، تزداد مناعته تجاه الأمراض الجسدية التي تغدو قليلة حينها. ونظراً لتطلع مفهوم التعليم والتدريب في الأمة الديمقراطية إلى المجتمعية والفرد المواطن الحر، فإنه يعاد تحقيق تطور الفرد بالمجتمع وتحقيق تطور المجتمع بالفرد ديالكتيكياً، ويعاد إبراز دور العلوم الذي يفضي إلى النعيم بالمجتمعية والحرية والمساواة، وهكذا، فالأمة الديمقراطية هي الروح القومية في المجتمع الذي اكتسب الوعي الصحيح بحق نشوئه.

4- الحياة الندية الحرة في الأمة الديمقراطية:

يتميز تحرر المرأة بعظيم الأهمية خلال التحول إلى أمة ديمقراطية، فالمرأة المتحررة تعني مجتمعاً متحرراً، والمجتمع المتحرر هو أمة ديمقراطية. هذا ويلزم بناء العلاقات على خلفية بناء المجتمع والأمة الديمقراطية، حتى لدى العيش مع المرأة في ظل حياة الشراكة الندية. أي علينا تجاوز النظرة التي تنيط المرأة بأدوار من قبيل الزوجة أو الأم أو الأخت أو الحبيبة، مثلما الحال دوماً في الحداثة وفي الحدود التقليدية المرسومة.

5- الأمة الديمقراطية وشبه الاستقلال الاقتصادي:

اتخاذ شبه الاستقلال الاقتصادي أساساً في الأمة الديمقراطية، لأنه أدنى حدود الوفاق الذي سيحقق بين الدولة القومية والأمة الديمقراطية، وأي وفاق أو حل أدنى مستوى منه، يعد استسلاماً دالاً على العبارة الآمرة "انته!". أما الانتقال بشبه الاستقلال الاقتصادي إلى منزلة الاستقلال، فيعني بناء دولة قومية مضادة. وهذا ما مفاده في نهاية المآل الاستسلام للحداثة الرأسمالية. في حين أن التراجع عن شبه الاستقلال الاقتصادي يعني الاستسلام للدولة القومية الحاكمة. وبالمقابل فإن مضمون شبه الاستقلال الاقتصادي لا يتخذ من الرأسمالية الخاصة ولا من رأسمالية الدولة أساساً له. بل يعمل أساساً بموجب الصناعة الأيكولوجية والاقتصاد الكومونالي "التشاركي" باعتبارها انعكاساً للديمقراطية على قطاع الاقتصاد. إن شبه الاستقلال الاقتصادي نموذج يختزل في الربح ومراكمة رأس المال إلى الحدود الدنيا. وإلى جانب عدم رفضه السوق والتجارة وتنوع الانتاج والرقابة والعطاء، إلا أنه لا يقبل إطلاقاً بنود الربح وبتكديس رأس المال. الاقتصاد الكومونالي الديمقراطي هو سبيل الحل الأمثل لتمكين بعث الحياة الإنسانية مجدداً داخل المجتمع، الذي صيرته الرأسمالية حشداً من العمال العبيد والعاطلين عن العمل، حصيلة نزعة الربح الأعظم لديها.

6- البنية القانونية للأمة الديمقراطية:

يعتمد القانون الديمقراطي على التنوع. والأهم أنه قلما يلجأ إلى الإجراءات  القانونية. بل يتميز ببنية بسيطة غير معقدة. في حين أن الدولة القومية الحاكمة من أكثر أشكال الدولة التي تصوغ الإجراءات القانونية على مر التاريخ، والسبب في ذلك يعود إلى تدخلها في كل شاردة وواردة في المجتمع بصورة عامة، وإلى سعيها للقضاء على المجتمع الأخلاقي والسياسي بصورة خاصة. فالقانون هو فن الإدارة بعدد فاحش من القواعد الحقوقية المرتكزة إلى مفهوم العدالة الصورة في شرعنة أشكال الظلم التعسفي الذي أفرزته الرأسمالية على مدى التاريخ؛ أكثر مما هو تكامل القوانين التي ترتب حقوق وواجبات الفرد والمجتمع حسبما يروج له. إن الحكم بالقوانين بدلاً من القواعد الأخلاقية والسياسية هو أمر خاص على الأغلب بالحداثة الرأسمالية.

ولذا فإن الأمة الديمقراطية يقظة حيال القانون وبالأخص حيال القانون الدستوري. فالأمة الديمقراطية هي أمة أخلاقية وسياسية أكثر منها أمة قانون. وتبرز حاجتها إلى القانون عندما تعمل أساساً بموجب الوفاق مع الدول القومية والعيش معها تحت سقف سياسي مشترك، وحينها يكتسب التمييز بين القوانين الوطنية وقوانين الإدارة المحلية أهمية ملحوظة.

7- ثقافة الأمة الديمقراطية:

البعد الثقافي عامل مهم في نشوء الأمم. لذلك تسعى الأمة الديمقراطية إلى تكوين نفسها من خلال إعادة المعنى الحقيقي إلى التاريخ والثقافة. أي، وكأن التاريخ والثقافة المعرضين للتشويه والإبادة يشهدان النهضة خلال التحول الوطني الديمقراطي.

8- نظام الدفاع الذاتي في الأمة الديمقراطية:أ

الأمة الديمقراطية تتخذ من نظام الدفاع الذاتي أساساً. فلكل نوع في عالم الكائنات الحية نظام دفاعي خاص به. وما من كائن حي بدون آلية دفاع. بل وبالمقدور اعتبار المقاومة، التي يبديها كل عنصر أو جسيم في الكون للحفاظ على وجوده، دفاعاً ذاتياً. إذ يبدو جلياً أنه لا يمكن إيضاح مقاومته إزاء أي عطل أو خروج من الكينونة إلا بمصطلح "الدفاع الذاتي". وفي حال فقدان  تلك المقاومة فإن ذاك العنصر أو الجسيم يفسد، ويخرج من كينونته، ويتحول إلى عنصر آخر مغاير. أما في عالم الكائنات الحية، فبمجرد تحطم حصن الدفاع الذاتي، فإن ذاك الكائن يغدو فريسة سهلة لكائنات أخرى أو يموت. ويسري النظام عينه بشكل أكبر على النوع البشري والمجتمع البشري. إذ لا يستطيع نوع لطيف كالإنسان وكيان منفتح على المخاطر كالمجتمع البشري أن يحافظا على وجودهما مدة طويلة من الزمن في حال غياب الدفاع الذاتي المنيع. فالدفاع لدى النوع البشري مجتمعي بقدر ما هو بيولوجي. إذ يعمل الدفاع البيولوجي بغرائز الدفاع الموجودة في كل كائن حي. أما في الدفاع المجتمعي، فجميع أفراد الجماعة يلوذون عن أنفسهم بشكل مشترك. بل ويطرأ التغير المستمر على تعداد المجموعة وشكل تنظيمها، وفق ما توفره فرص الدفاع الذاتي، وعليه فالدفاع وظيفة أصيلة في المجموعة، بحيث لا يمكن للحياة أن تستمر من دونه.

9- دبلوماسية الأمة الديمقراطية:

دبلوماسية الأمة الديمقراطية وسيلة لتكريس السلم والعلاقات المفيدة، لا لإشعال فتيل الحروب، وهي تعبر عن وظيفة أخلاقية وسياسية نبيلة يؤديها الناس الحكماء. وتؤدي دوراً مهماً في تطوير وتمكين سيرورة المراحل التي تدر بالنفع المتبادل وتعزز علاقات الصداقة بين الشعوب المتجاورة ومجموعات الأقارب على وجه الخصوص. كما تعتبر قوة بناء المجتمعيات المشتركة والتركيبات الجديدة لمجتمعات أرقى.

تجربة الإدارة الذاتية في سوريا

إن تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا التي تستند إلى نظرية الأمة الديمقراطية، استطاعت أن تثبت نجاعة هذه النظرية وخصوصاً في دولة مثل سوريا تعيش أزمة منذ 9 سنوات وتدخلت فيها قوى عالمية وإقليمية خدمة لمصالحها.

فهذه الإدارة الذاتية التي تم الإعلان عنها في 21 كانون الثاني/يناير من عام 2014، استطاعت أن تدير المنطقة بالاعتماد على امكاناتها الذاتية فقط ودون أن يقدم لها أحد أي دعم. وعلى العكس لم يتركها محيطها وشأنها بل استمرت الهجمات عليها عسكرياً من قبل داعش وما يسمى الجيش الحر الذين تحولوا مؤخراً إلى مرتزقة لتركيا وشنوا معها الهجمات على هذه الإدارة، إلى جانب هجمات الحكومة السورية وسعيها بشكل مستمر إلى خلق الفتن والنعرات الطائفية في المنطقة، هذا عدا عن الهجمات في المجالات الأخرى.

ومؤخراً عندما بدأ فيروس كورونا بالظهور، أثبت هذه الإدارة قدرتها على إدارة الأزمة رغم عدم توفر الامكانات لديها وتخاذل المجتمع الدولي عن تقديم الدعم لها بسبب الحصار الاقتصادي المفروض عليها وازدواجية مؤسسات الأمم المتحدة وخضوعها لأجندات القوى الإقليمية والدولية وعدم أداءها لواجباتها التي تأسست من أجلها.

فهذه الإدارة تحملت مسؤولياتها وبدأت باتخاذ الإجراءات اللازمة من تعقيم المؤسسات وغسل الشوارع وتعقيمها، وتجهيز أماكن الحجر الصحي في حال حدث إصابات، إلى جانب فرض حظر للتجوال في عموم مناطق الإدارة الذاتية، كما أظهر الشعب الذي يعيش في هذه المنطقة وعيه في التعامل مع مثل هذه الظروف بفض الوعي الأخلاقي والسياسي الذي تكون لديه مع بدء تشكل هذه الإدارة الذاتية.

(ح)

ANHA

 


إقرأ أيضاً