​​​​​​​انعكاس الأزمة الاقتصادية على لبنان .. هجرة وفقر وبطالة

تدهورت الأوضاع في لبنان على كل المستويات منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وارتفعت نسبة الفقر والبطالة، لذا بات قسم كبير من اللبنانيين يسعى إلى الهجرة دون عودة.

خيبة الأمل لدى اللبنانيين كبيرة؛ أيًّا كان مستوى تعليمهم، فالوظائف غير متوفرة، والرواتب لا تؤمّن احتياجاتهم، وهو ما ساهم في تصعيد الاحتجاجات الراهنة غير المسبوقة.

ويحتج المتظاهرون اعتراضًا على التراجع الشديد في مستوى المعيشة والأوضاع المالية والاقتصادية، والتدهور البالغ في الخدمات العامة، مثل الكهرباء والمياه والنفايات والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، حتى بات حلم الكثير من اللبنانيين الهجرة إلى دولة تحتويهم من قسوة العيش.

حلم الهجرة بلا عودة

مراسل وكالتنا في لبنان زار بعض خيم المعتصمين، والتقى عددًا من الشباب الذين إمّا يعاني البطالة منذ تخرجه في الجامعات، أو منذ فصله من عمله بسبب تذرع أصحاب المؤسسات بالأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وارتفاع الدولار مقابل الليرة اللبنانية، ويُجمع الكل على هدف واحد "هجرة بلا عودة".

لا ينكر أحمد عنتر أن كندا كانت حلمًا يراوده منذ نعومة أظفاره، إلّا أنّه فضّل البقاء في لبنان؛ لأنّه يحظى بوظيفة قادرة على تأمين بعض مستلزمات الحياة وادّخار البعض، ويقول لوكالتنا: "بعد الاحتجاجات في تشرين الماضي ثم إغلاق البلد بسبب جائحة كورونا، حُسم أكثر من نصف راتبي، وأنا أنتظر أن تفتح السفارة لأقدم أوراقي للهجرة"، ويتابع بغصة: "كان أملنا أن يكون لدينا دولة تحترم الإنسان، لذلك نزلنا إلى الشارع ورفعنا الصوت، ولكن يبدو هذا حلمًا فقط، والوجهة هذه المرة المطار".

ميرنا نادر طالبة في قسم الرياضيات في الجامعة اللبنانية، تقول: "قدّمت أوراقي للهجرة إلى كندا لمتابعة دراستي في ظلّ الأوضاع الاجتماعية والأمنية المخيمة على لبنان"، وأضافت لوكالتنا: "هذا العام الدراسي لم نحضر أغلب الأشهر بسبب الإضرابات ووباء كورونا، وأنا جدًّا خائفة من أن أضيّع عامي الجامعي، لذا قدّمت منذ مدّة وجيزة طلب إكمال الدراسة عبر موقع السفارة وجامعة أوتوا، وكانت النتيجة إيجابية، ومن المتوقع أن أنتقل للعيش هناك بعد أشهر".

ولأن الأوضاع الاقتصادية لا تتوقف على عمر معيّن أو على طائفة معيّنة في لبنان، بل ضرر يصيب الجميع، دق ريمون قزي أبواب السفارة السويديّة طالبًا الهجرة إليها مع أسرته، ليستكمل أبناؤه دراستهم في الجامعة، فلم يعد باستطاعته أن يلحقهما بالجامعات اللبنانية، التي باتت أقساطها المالية فوق الخيال.

ريمون البالغ من العمر60 عامًا؛ رب أسرة مكونة من شابين، يقول لوكالتنا: "قدّمت طلب هجرة منذ 10 أعوام تقريبًا عبر محامٍ، ووصلت أوراقي، وانتقلنا عام 2017 إلى السويد، ثم عدت السنة الماضية عسى أن يجد أبنائي وظائف لهم في وطنهم، لكن يبدو قرار العودة كان خاطئًا، وبمجرد فتح المطار، سنعود إلى السويد".

إحصاءات: 42 % من اللبنانيين يرغبون بالهجرة

وتشير التقديرات إلى أن 23 ألف لبناني غادر خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، مقارنة بـ 20 ألفًا من الفترة نفسها في العام الماضي، وبحسب دراسة أجرتها المؤسسة "الدولية للمعلومات" للأبحاث والإحصاءات، مطلع العام الحالي، أظهرت أنه منذ منتصف كانون الثاني/ يناير وحتى منتصف تشرين الثاني/ ديسمبر 2019 وصل عدد اللبنانيين الذين سافروا ولم يعودوا إلى 61.924 لبنانيًا مقارنة بــ 41.766 لبنانيًا خلال الفترة ذاتها من العام 2018، أي بزيادة 20.158، ما نسبته 42 في المئة.

ويقول الباحث في "المؤسسة الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين: "إن هذه الأرقام تصدر على صعيد سنوي، لذا لا يمكن أن نتوقّع ما إذا كانت ستزيد النسبة هذا العام، خصوصًا أنّ ظروف العمل في الخارج تزداد صعوبة، فربما أكثر من 90 في المئة من الشعب اللبناني يتمنى الهجرة من البلد بفورة عاطفية ونتيجة الظروف التي نعيشها، إنما لا شك أنّ السفر بات أمرًا صعبًا، فالدول ما عادت تستقبل المهاجرين بسهولة، حتى أنّ ظروف العمل في الخارج باتت صعبة، إلّا أننا ما زلنا نلمس رغبة لدى الشباب اللبناني أو الطلاب بالهجرة، خاصة إذا لم يوفّروا مسكنًا خاصًا بهم، أو لم يؤسسوا أسرة، وبالتالي يمكن التأكيد على أنّ الرغبة بالهجرة موجودة لدى الجميع، إلّا أنّ الظروف ليست مؤاتية أو لا تساعد".

ويؤكد شمس الدين أن ما قد يحد من الهجرة هو رزوح معظم دول العالم تحت أوضاع اقتصادية صعبة، وارتفاع نسب البطالة في صفوف مواطنيها، لذلك هي لن تستقدم المزيد من العاطلين عن العمل إلى بلدانها.

طرد.. وارتفاع في نسبة البطالة

ويقول تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن "مليون لبناني سيصبحون بلا أعمال ورواتب في النصف الثاني من 2020"، وهذا يؤكد ارتفاع نسبة البطالة التي كانت قبل 17 تشرين الأول بشكل عام 39 في المئة، وفي صفوف الشباب 50 في المئة، أما اليوم فهي بحدود 42 في المئة بشكل عام، وتبلغ 60 في المئة بين الشباب".

هيثم الشامي لبناني (أب لطفلين) يعمل في شركة تصنيع مولدات كهربائية منذ 22 عامًا، يقول لوكاتنا: "عندما تزوجت قررت شراء منزل بالتقسيط، وبقي منه سنتان، لأتفاجأ بتبليغي من دون سابق إنذار توقيفي عن العمل بذريعة الأزمة المالية والوضع الاقتصادي".

الشامي واحد من عشرات الموظفين المُسرّحين من عملهم في الشركة نفسها، إضافة إلى المئات في مؤسسات أخرى، يقول لوكالتنا بحسرة: "أبلغت الشركة الموظفين بتسريحهم منتصف شهر أيار/مايو الماضي، في وقت بدأت أسعار السلع الأساسية بالارتفاع الجنوني، وبالتالي فإن الراتب الذي كان بالكاد يكفينا لآخر الشهر، بات اليوم مفقودًا، ما يشكّل أزمة حقيقية، في ظل المستحقات الكبيرة التي تنتظر هنا".

ويبين الشامي أّنّ "حجّة الشركة حصول تراجع في إيراداتها بسبب تراجع عملية التصدير إلى الخارج في ظل أزمة تحويل الأموال من الخارج، وأن إدارة الشركة – بحسب قولها – كانت أمام خيارين؛ تسريح نصف الموظفين، واقتطاع نصف الرواتب".

ويستغرب هيثم في نهاية حديثه كيف أن "الشركة التي راكمت أرباحًا هائلة في السنوات الأخيرة، والتي ساعدها في جنيها، مجهود العمال والموظفين من جهة، والنظام الاقتصادي غير العادل من جهة أخرى، ورغم ذلك، وفور تراجع أرباحها، لم تصبر على موظفيها شهرًا واحدًا، ولجأت لخيار التسريح وحسم الرواتب".

هل يصبح لبنان بلد المليون عاطل عن العمل؟

لا تتوفر أرقام رسمية حول أعداد العاطلين عن العمل ونسبة البطالة في لبنان، وذلك على الرغم من أهمية هذا الأمر كمؤشر اقتصادي واجتماعي، فنسبة البطالة التي أعلنتها إدارة الإحصاء المركزي بعد مسح بالعينات جرى بين نيسان 2018 وآذار 2019 هي 11.6 في المئة، لكنّ الواقع هو خلاف ذلك، فتشير استطلاعات "الدولية للمعلومات" إلى أن عدد العاطلين عن العمل قبل 17 تشرين الأول 2019 كان نحو 350 ألفًا، أي بنسبة 25 في المئة من حجم القوى العاملة، وهذا الرقم يؤكده بعض وزراء العمل السابقين، ونتيجة حالة الشلل التي شهدها لبنان منذ 17 تشرين الماضي، والتي زادت حدةً مع تفشي وباء كورونا، فقد صرف من العمل نحو 80 ألفًا، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 430 ألفًا، أي بنسبة 32 في المئة، ولكنّ المؤشرات والأوضاع الاقتصادية التي يعيشها لبنان ومعظم دول العالم تشير إلى إمكانية ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل في الأشهر القادمة إلى نحو مليون عاطل عن العمل، أي بنسبة 65 في المئة، ويبقى هذا الرقم في معرض احتمال الحصول ما لم تحصل خطوات عملية سريعة من الجميع لتداركه.

وأمام هذا الكابوس الذي يخيم على الشباب اللبناني، تظهر مبادرات فردية تحاول مساعدتهم بإيجاد فرص عمل.

"وظيفتي" إحدى نتائج الأزمة النقدية والأزمة المالية التي تعيشها البلاد – ويبدو لن تكون الأخيرة – وهي صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي، أنشأها أربعة شبّان يعملون في مجالات مختلفة، لكن بسبب تردّي الأوضاع الاقتصادية والمالية، قرّروا اختراع عمل خاصّ إلى جانب وظائفهم، فأطلقوا هذا المشروع، بهدف تأمين مدخول إضافي، لكن بمسؤولية اجتماعية، من خلال تأمين وظائف للمئات من الذين فقدوا وظائفهم خلال الأشهر الأخيرة.

ويقول القائمون على مبادرة "وظيفتي": إنهم "أرادوا تحسين ظروفهم وظروف الآخرين، ويوميًا يتّصل بهم أكثر من 400 شخص يبحثون عن عمل"، برأيهم أنّ "الناس أحبّت الفكرة وتحمّست لها"، لكنّ الحقيقة أنّ الناس في كارثة بطالة مخيفة وكبيرة جدًّا.

ويؤكدون أنّ "الشركة مسجّلة قانونيًا، والهدف منها هو تأمين فرص عمل للبنانين، ووقف نزيف العملة الصعبة خارج لبنان"، وأنّ 1300 طلب عمل خلال أيام قليلة، بينهم 1100 لبناني ولبنانية يبحثون عن عمل".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً