​​​​​​​باحث: المشهد العراقي أشبه بثورة قد تُعيد تشكيل جميع الأوراق في المنطقة

اعتبر المحلل والباحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية الدكتور إياد المجالي أن التصعيد المتزايد في العراق مرتبط بتعاظم الصراع الأمريكي والإيراني على النفوذ في العراق.

 يشهد العراق منذ أسابيع احتجاجات كبيرة، ترافقت مع أحداثٍ دامية أفضت لتقديم رئيس الحكومة عادل عبد المهدي استقالته، لكن ذلك لم يُؤد إلى تهدئة الأحداث، كما ترافقت هذه الاحتجاجات مع أخرى مماثلة في كل من لبنان وإيران، ما دفع البعض لطرح تساؤلات حول خلفياتها.

وتعقيباً على ذلك أجرت وكالة أنباء هاوار حواراً مع المحلل والباحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية الدكتور إياد المجالي.

وجاء نص الحوار كالتالي:

*شهد العراق احتجاجات دامية, تركّزت في المحافظات الجنوبية, ماهي خلفية هذه الاحتجاجات برأيكم؟

انطلاقاً من بغداد، ثاني العواصم المُكتظة بالسكان في العالم العربي، امتدت التظاهرات التي تطالب برحيل "الفاسدين" وتأمين فرص عملٍ للشباب لتطال معظم المدن الجنوبية, التي تعاني كغيرها من محافظات العراق التي أنهكتها الحروب،  من مستوى متدني للخدمات الأساسية وانقطاعاً مُزمنا للتيار الكهربائي ومياه الشرب منذ سنوات، ويحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم، بحسب منظمة الشفافية الدولية.

 وتشير تقارير رسمية إلى أنه منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق.

وبعد عامين من هزيمة داعش، يعيش سكان البلاد الذين يقترب عددهم من 40 مليون نسمة في أوضاع متدهورة رغم ما يملكه العراق من ثروة نفطية غنية.

المُثير للجدل في تحليل خلفيات هذه الاحتجاجات التي عمّت كافة محافظات الجنوب إضافة إلى بغداد أنها كانت خالية تماماً من التوجه الطائفي، فقد تجنب المتظاهرون الشعارات الطائفية عقب التجربة المريرة التي تمثلت في ظهور داعش، وذلك على الرغم من بقاء بعض التوترات الطائفية, كما أن الاحتجاجات بدأت أساساً في العاصمة بغداد والجنوب الذي يغلب عليه الشيعة، لكن لا تتداخل فيها خطوط عرقية وطائفية.

كما أن الغضب مُوجّه لطبقة سياسية لا لطائفة معينة، مقارنة مع الاحتجاجات التي وقعت في العامين 2012 و2013 واستغلها داعش في كسب التأييد في صفوف السُنة.

*هل هناك دور للصراع بين الولايات المتحدة وإيران في هذه الاحتجاجات, ولماذا برأيكم أتت هذه الاحتجاجات بعد زيارة المسؤولين الأمريكيين إلى العراق ؟

حرب ترامب على إيران هي مرحلة من مسارات الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، ومشهد التوتر والتصعيد المتزايد يأتي في إطار معركة النفوذ الأولى على أرض العراق, وتعاظم الصراع الأمريكي والإيراني على النفوذ في العراق، فبلاد الرافدين مشروع أمريكي منذ عام 2003، لكنّ الشارع وكواليس السياسة تُمهّد اليوم البساط الأحمر لإيران, ويتزامن كل هذا مع دعوات عراقية لإنهاء الوجود الأمريكي بشكل كامل.

لا شك أن مظاهر الاحتجاج السياسي هي مؤشرات لحراك اجتماعي سياسي متعدد الجوانب، والتي يمكن أن يكون لها أكثر الأشكال تنوعاً بما في ذلك الإجراءات السياسية التقليدية وغير التقليدية والممارسات السلوكية، فيما يظهر المشهد السياسي العراقي بهذا الجانب أشبه ما يكاد أن يكون ثورة تعيد تشكيل جميع الأوراق في العراق والمنطقة، وهي تهديد حقيقي لإيران، التي لها علاقات كبيرة بالساسة العراقيين الذين تولوا السلطة في العراق منذ عام 2003، وعِبْر شعاراتهم وأفعالهم عَبّر المتظاهرون عن رفضهم للتأثير الإيراني، وأيضاً عن أيّ طموح يهدف إلى إبقاء وديمومة السلطة ونخبة البلاد السياسية، ولم تعد القاعدة الشعبية في العراق تحدد مُواطنتها وفقاً لوضعها الطائفي، ولكن قبل كل شيء بموجب انتمائها القومي.

خاصة وأن الشعارات التي رفعها المحتجون في الميادين والساحات العراقية تضمّنت مشاعراً مُعادية لإيران هي مصطلح مرن إلى حد ما، ولذا أعتقد أن العديد من العراقيين معادين لإيران بطريقة تميل أكثر نحو الاستياء وليس تجاه العداء الأيديولوجي، وهي عميقة للغاية لأنها تتمحور في نهاية المطاف كوظيفة للغضب من النظام السياسي العراقي، وهذه السببية من التظلّم من المهم أن نأخذها في عين الاعتبار، لأن الهدف من الغضب اليوم هو النظام السياسي العراقي والأوليغارشية "حكم الأقلية" وبذلك فإن المشاعر المُعادية لإيران هي نتيجة ثانوية لهذا الغضب المناهض للنظام، وهذا هو السبب في وصف الاحتجاجات على أنها مُعادية لإيران مع القليل من التأهيل الإضافي.

في الوقت الذي يسود المشهد العراقي خطابٌ شيعي يطالب بعرض قضية إنهاء الوجود الأمريكي في البلد على البرلمان للتصويت عليها من خلال ممثلي الشعب,  مثل هذا المقترح لو لقي قبولاً، قد ينفخ في أشرعة رحيل الولايات المتحدة عن العراق، لاسيما أنّ القوى السياسية السنية لا تستطيع أن تُدافع عن الوجود الأمريكي وهي التي ما برحت تصفه بالاحتلال، وبـ "ما بُني على باطل".

*كيف تُقيمون الحالة السياسية والاجتماعية في العراق بعد هذه الاحتجاجات, وإلى أين تتجه الأمور؟

 يبدو أن تطور الأوضاع في المشهد السياسي العراقي في أعقاب استقالة عبد المهدي ستُهدّئ الشارع لكنها لن تُوقف الاحتجاجات, وتأتي استقالة عبد المهدي في ظل تفاقم الأزمة في العراق ويومٍ دامٍ في محافظة ذي قار في جنوب العراق حيث قُتل فيه عشرات المتظاهرين، وجرح أكثر من 250 منهم. ومع ازدياد زخم الاحتجاجات واتساع رقعتها، زادت حدة الضغط على الأحزاب والحكومة للتحرك والتغيير, لا أظن أن هذا المتغير في المشهد السياسي العراقي سيُحدث فراغاً دستورياً، لأن من صلاحية رئيس الجمهورية أن يقوم خلال أسبوعين باختيار من يقوم مقام السيد عادل عبد المهدي في الحكومة الجديدة، ويبدأ مشوار التصويت على حكومة جديدة.

إذا فشل البرلمان لمرتين في الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة، يمكن لرئيس الجمهورية أن يحل البرلمان ويدعو إلى انتخابات مبكرة. هذه الإجراءات الدستورية واضحة في حال استقالة رئيس الحكومة أو إقالته.

أظن أن تشكيل حكومة جديدة مؤقتة، لمدة ستة أشهر أو عام كأقصى حد تُمهّد لانتخابات مُبكرة، وهي وحدها يمكن أن تُساهم في حل أزمة العراق, لكن الأزمة لن تنتهي إلا بتحقيق مطالب الجماهير التي لا يزال الكثير منها يعتقد أن المطالب اقتصادية أكثر من كونها سياسية.

*هل يمكن الربط بين الهجوم التركي على شمال وشرق سوريا والأحداث في لبنان والعراق؟

 بالتأكيد انعكست الأحداث والوقائع ومآلات العمليات العسكرية التركية على مختلف دول الإقليم بشكل أو بآخر، فهي ذات نتائج كارثية وخطر يُهدد أمن واستقرار المنطقة, في ظل صراع دول كبرى ضمن مسار الأحداث في الأزمة السورية وشمال شرق سوريا.

(م)

ANHA


إقرأ أيضاً