​​​​​​​في ذكرى تحريرها...فسيفساء سوريا إدارة ناجحة تواجه الخطر التركي

سدَ تحرير منبج الطريق أمام تحكم تركيا في العمق السوري بذراعها المتمثل بداعش، في عملية تشاركية بين المكونات الذين نجحوا في انتزاع المدينة من السياسات الإقليمية الخبيثة، وبناء نظامٍ ديمقراطي تشاركي تعددي في ظل التهديدات التركية المتكررة.

شكلت عملية تحرير مدينة منبج صيف عام 2016، انتصارًا استراتيجيًّا، في قطع أهم طرق داعش بين معقله مدينة الرقة والخارج السوري مرورًا بالأراضي التركية، ومنعطفًا كبيرًا في الحرب ضد الخطر العالمي بتشاركٍ دولي؛ أفضى إلى تدمير "خلافة" داعش المزعومة في سوريا والعراق في الباغوز.

إذ تواجه المدينة خطر الاحتلال التركي الذي يسعى إلى تطبيق المخططات التي عجزت داعش عن تطبيقها، في ظل حشودٍ عسكرية للمرتزقة المدعومين من تركيا، وحربٍ استخباراتية وإعلامية تنتهجها تركيا ضد نظام الإدارة الذاتية المبنية بتكاتف المكونات.

الأهمية الاستراتيجية لمنبج

تقع مدينة منبج شمال سوريا على بعد 30 كم من الحدود التركية، وأحد أكبر المدن على الطريق الدولي المعروف باسم الـM4 بين المناطق الداخلية وأقاليم شمال وشرق سوريا، وعلى بعد 26 كم من مجرى أكبر الأنهار في البلاد "نهر الفرات".

شهدت المدينة نهضة عمرانية على نطاقٍ واسع؛ وتحولت خلال السنوات القليلة الماضية إلى مركزٍ صناعي، تجاري وزراعي هام؛ ونافذة اقتصادية تخدم مئات القرى والبلدات السورية في شمال وشرق سوريا، إذ تعرف بين السكان المحليين بـ"حلب الصغرى"، كونها البوابة التجارية لنقل البضائع من الداخل صوب مناطق شمال وشرق سوريا.

لم تخضع المدينة للإحصائيات منذ عام 2004، إذ بلغ عدد سكان منطقة منبج آنذاك ما يزيد عن 400 ألف نسمة، استقبلت المدينة والريف خلال سنوات الحرب في سوريا آلاف الأسر الفارة من هول المعارك في المناطق الداخلية، آخرها نزوح الآلاف من منطقة إدلب جراء المعارك التي كانت تشهدها تلك المناطق بين القوات الحكومية ومرتزقة تدعمهم تركيا.

فصائل تعاقبت على حكم المدينة والريف

بسبب موقعها الجغرافي المتميز وأهميتها الاستراتيجية بقيت منبج في قلب الأحداث الدائرة خلال الحرب في سوريا، إذ شارك أبناء المدينة في التظاهرات السلمية التي دعت إلى الحرية وإسقاط النظام السوري عام 2011، وكان أولها في الـ21 من نيسان/أبريل من ذلك العام.

أُسست عشرات المجموعات المسلحة في منبج عام 2012؛ تحت رايات ومسميات مختلفة، وتمكنت من طرد القوات الحكومية من المدينة والريف في تموز/يوليو من عام 2012.

وكانت أبرز تلك المجموعات "كتيبة عمر بن الخطاب، صقور الشام، ثوار منبج، علي بن أبي طالب، أحرار سوريا، مجاهدي منبج، أم العواصم، جند محمد، رماح الرافدين، أحرار الشام، أنصار السنة، صقور الشام، عباد الرحمن، الفاروق، النعمان، السلطان سليمان شاه، عائشة، فرسان الفرات، أبو أيوب الأنصاري، أجيال المستقبل، أصحاب اليمين، ثوار سوريا، حركة الأمة".

قسمت تلك المجموعات أحياء وقرى منبج فيما بينها، لتدار كل منطقة على حدة، على وقع عمليات سطو وجرائم يومية، وعمليات اقتتال داخلي، ورافق كل ذلك قصفٌ جوي للقوات الحكومية كان يستهدف المدينة بشكلٍ شبه يومي.

سيطرة داعش على منبج

تسلل مرتزقة داعش في يناير/كانون الثاني عام 2014 إلى أحياء مدينة منبج، وتمكنوا من احتلال المدينة بعد تفجير 4 سيارات مفخخة، واستهداف المدينة بعدد من قذائف الهاون من قرى قريبة.

احتلت داعش كامل المدينة والريف بالتزامن مع إحكام سيطرتها على مناطق واسعة في الرقة، الحسكة ودير الزور ومناطق بالقرب من مدينة حلب وفي العاصمة دمشق، ووسط البادية السورية.

واتخذت من المدينة المحاذية للحدود التركية، كمركز لاستقبال آلاف المرتزقة والجهاديين القادمين من مختلف دول العالم، وكمكانٍ آمن لأبرز قادة داعش في سوريا.

كما عدّت المدينة صلة ربطٍ بين مناطق سيطرة مرتزقة داعش في سوريا والعراق والمناطق الخارجية كتركيا وأوروبا، إذ أثبتت اعترافات ووثائق لأمراء داعش؛ انطلاق عشرات "الجهاديين" من منبج لتنفيذ عمليات انتحارية داخل المدن الأوروبية، بتواطؤ تركي.

وتحولت المدينة الثقافية و"موطن الشعراء" كما كانت تُعرف، إلى أحد أكثر المناطق رعبًا؛ نتيجة الأحكام والعمليات "الإرهابية" التي كانت تقوم بها داعش، وسط وجود كبار المرتزقة في المدينة.

اتحاد المكونات...وحملة تحرير منبج

أطلقت قوات مجلس منبج العسكري التي ضمت الآلاف من أبناء المنطقة من مكونات مختلفة، والمنضوية تحت راية قوات سوريا الديمقراطية، بدعمٍ جوي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في الأول من حزيران/يونيو من عام 2016، عملية عسكرية من محورين وهما جسر قره قوزاق شرق المدينة، وسد تشرين جنوبه لتطويق مدينة منبج وتحريرها من داعش بعد عامين من سيطرة الأخيرة عليها.

وأُصيب فيصل سعدون أبو ليلى أحد القياديين العسكريين للحملة في الـ3 من حزيران/يونيو بجروح بليغة، إثر قصفٍ نفذته داعش على أطراف بلدة أبو قلقل جنوب مدينة منبج بـ15 كم، وفي الـ5 من يونيو/حزيران من عام 2016 استشهد القائد العسكري فيصل سعدون أبو ليلى في إحدى المشافي في مدينة السليمانية بجنوب كردستان بعد نقله إلى هناك بمروحية للتحالف الدولي.

غيّرَ مجلس منبج العسكري اسم عملياته التي انطلقت باسم "حملة تحرير منبج"، إلى "حملة القائد الشهيد فيصل أبو ليلى لتحرير مدينة منبج" عقب أسبوعٍ من بدء الحملة العسكرية.

إنهاء وجود داعش

استمرت المعارك بعد تطويق المقاتلين للمدينة من 4 جهات، حتى أعلنت مجموعة من داعش باستخدام دروع بشرية الانسحاب من حي السرب شمال المدينة باتجاه مدينة جرابلس التي دخلتها تركيا بعد ذلك بأيام.

في الـ12 من آب/أغسطس من عام 2016، وبعد 73 يومًا من المعارك؛ رفع مقاتلو مجلس منبج العسكري رايات قوات سوريا الديمقراطية، وصور شهداء المجلس في أحياء المدينة، وأعلنوا إنهاء ما سمي بالخلافة الإسلامية المزيفة في المدينة والريف، والقضاء على آخر نقطة اتصال بين داعش والخارج عن طريق الأراضي التركية.

عُدّ المجلس العسكري لمنبج؛ الدرع الحصين لسكان المدينة والريف، لينضم الآلاف من الشبان إلى الأكاديميات العسكرية، ويشاركوا في عمليات تحرير مناطق سورية أخرى، وخاصة مدينة الرقة العاصمة السابقة لما سمي بالخلافة الإسلامية المزيفة، إذ استشهد القائد العام السابق لمجلس منبج العسكري عدنان أبو أمجد إلى جانب عشرات الشبان من منبج، في معارك تحرير مدينة الرقة من داعش صيف عام 2017.

شارك أبناء منبج ربيع عام 2019 في المعارك التاريخية حول بلدة الباغوز آخر معاقل داعش في سوريا، إذ تمكنت المجالس العسكرية تحت راية قوات سوريا الديمقراطية من إنهاء وجود داعش على الأراضي السورية، بعد 3 سنوات من تحرير منبج، المنعطف الكبير في حملة القضاء على داعش.

تجربة الإدارة الذاتية

تمتعت المدينة وريفها بمجلسٍ مدني مع بداية تحرير المدينة بشكل إسعافي، والذي تشكل في نيسان/ أبريل من عام 2016، لتطفو مشاكل إزالة أنقاض الدمار في المدينة، وتفعيل المؤسسات الخدمية والأمنية، كمسائل بدائية، والتي عمل المجلس عليها في المرحلة التي تلت التحرير.

واتخذ المجلس أولوية تشكيل المجالس المحلية في القرى والبلدات وأحياء المدينة في حملةٍ تنظيمية، وبلغ عدد المجالس ما يقارب الـ400 مجلس، بالإضافة إلى استقبال مئات النازحين الفارين من خارج المنطقة، والمساهمة في إعادتهم إلى قراهم، وتقديم الخدمات لهم.

مع بداية عام 2017 وبعد ما يقارب العام من تحرير المدينة من قبضة داعش، وفي إطار توسيع عمل المجلس وإشراك ممثلين عن جميع المكونات، أعلنت المكونات من جركس، عرب، كرد، وتركمان عن الإدارة الذاتية بمجالسها التشريعية، التنفيذية والقضائية.

 وضمت الإدارة الرئاسة المشتركة حينها، وهما زينب قنبر وابراهيم القفطان، إلى جانب لجان تابعة للهيئات في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وهي "الصحة، المرأة، الاقتصاد، الشباب والرياضة، الدفاع، الثقافة والفن، الشؤون الاجتماعية والعمل، الإدارة المحلية والبلديات، التربية، الداخلية، الخارجية، عوائل الشهداء، المالية".

يقول الرئيس المشترك الحالي للمجلس التنفيذي لمدينة منبج وريفها محمد خير شيخو "لقد استطاعت الإدارة الذاتية خلال 4 أعوام، توحيد وتمثيل أهداف المكونات التي عاشت سنوات مظلمة في ظل الحرب الدائرة في البلاد، فالقوة العسكرية والتنظيمية والإدارة الناجحة هي السبب في الهجمات الإعلامية والعسكرية المستهدفة لأبناء المنطقة".

منبج والتحولات الجيوسياسية

أعلن مجلس منبج العسكري في الـ15 من تموز/يوليو عام 2017، انسحاب آخر دفعة من المستشارين العسكريين من وحدات حماية الشعب، ليدير المجلس العسكري كامل مدينة منبج والريف، بوجود قواعد للتحالف الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على خطوط التماس مع الاحتلال التركي.

وأثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب قواته من سوريا، ردود فعلٍ شعبية غاضبة بالتزامن مع تشابك الأزمة في البلاد، ودخول لاعبين دوليين وإقليمين، وتهديد المناطق الآمنة شمال وشرق سوريا من بينهم تركيا والحكومة السورية.

في الـ15 من تشرين الأول/أكتوبر من عام 2019 أعلن التحالف الدولي رسميًّا سحب قواته من مدينة منبج والتوجه صوب المناطق الشرقية لسوريا، لـ "حراسة آبار النفط" بحسب قولهم.

وعقب يومٍ من انسحاب قوات التحالف، دخلت القوات الروسية ووحدات من القوات الحكومية إلى خطوط التماس مع الاحتلال التركي، إثر دعوةٍ من قوات سوريا الديمقراطية للوقوف في وجه الأطماع التركية، وإيقاف الغزو التركي للمناطق الشمالية في سوريا.

يقول القائد العام لمجلس منبج العسكري محمد أبو عادل إن "تنسيقًا عسكريًّا أدى إلى انتشار الجيش السوري والروسي في محيط منبج قبل أشهر، وذلك لردع الذرائع والحجج التركية لاجتياح المنطقة، أما داخل المدينة فتتولى قوى الأمن الداخلي أمنها، والأمور التنظيمية في داخلها ولا صحة للأنباء التي تحدثت عن دخول الجيش السوري إليها".

مضيفًا " أثبت أبناء منبج قدرتهم على بناء هيكلية عسكرية ذات أساسٍ متين، والتحلي بروح المقاومة للدفاع عن مناطقهم، لقد وحد المجلس العسكري مطالب المكونات وأهدافها، ضد خطر التقسيم القائم الذي تشكله تركيا شمال البلاد".

منبج والتهديدات التركية

تتواصل التهديدات التركية باجتياح منبج وضمها إلى المناطق المحتلة ضمن المساعي التركية في اقتطاع الجزء الشمالي من سوريا تحت ذريعة "المنطقة الآمنة"، وذلك ما ترفضه المكونات القاطنة للمدينة والريف من خلال تظاهرات وفعاليات يومية تدعو الاحتلال التركي إلى الخروج من سوريا.

فبحسب مصادر إعلامية تركية، حشدت الأخيرة ما يقارب لـ8 آلاف مرتزق سوري لشن عدوانٍ على المنطقة، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة بشكلٍ شبه يومي، فيما ينتظر المجلس العسكري إي هجوم للرد عليه في ثاني اختبارٍ للمجلس كان أوله داعش، والثاني حاضنة داعش الدولة التركية.

(ج)

ANHA


إقرأ أيضاً