​​​​​​​هجمات ومشاورات.. ماذا تخطّط تركيّا في العراق وجنوب كرستان؟

كثّفت الدّولة التّركيّة, خلال الأسابيع الماضية من هجماتها على جنوب كردستان, وذلك بعد زيارة قام بها رئيس الاستخبارات هاكان فيدان إلى بغداد, أعقب ذلك حديث عن لقاءات بين حكومتي بغداد وهولير, فماذا يجري هناك وإلى أين ستؤول الأمور؟

أعلنت وزارة الدفاع التركية في 15 يونيو/حزيران الماضي عن البدء بشن هجمات على مناطق في جنوب كردستان، ثم باشرت بهجمات برّية في منطقة حفتانين تسبّبت حتى الآن بفقدان ما لا يقلّ عن خمسة مدنيين لحياتهم, إلّا أنّ الجيش التركي وعلى الرغم من الزخم الذي أعطاه للهجمات لم يستطع التقدّم على الأرض.

وأتت هذه الهجمات بعد زيارة سرية لرئيس المخابرات التركية هاكان فيدان إلى بغداد، التقى خلالها مع عدد من المسؤولين العراقيين بينهم رئيس الحكومة الجديد مصطفى الكاظمي بالتزامن مع بدء الجولة الأولى من الحوار بين العراق والولايات المتحدة.

وبحسب المراقبين فإنّ هذه الهجمات التركية تكثّفت بعد تكليف رجل الاستخبارات العراقي مصطفى الكاظمي برئاسة الحكومة والذي يعتبر من أقرب الأصدقاء لرفيق المهنة هاكان فيدان.

وتحدّثت المصادر فيما بعد عن مشاورات بين حكومتي بغداد وهولير حول نشر الجيش العراقي في مناطق من جنوب كردستان.

وقالت مصادر سياسية عراقية إنّ تركيّا حصلت على مساعدة استخبارية من أطراف على صلة بحكومة جنوب كردستان، قبل أنّ تشنّ هجماتها على المنطقة.

وعلمت صحيفة العرب أن أنقرة عرضت على حكومة جنوب كردستان مساعدات في المجال الاقتصادي لقاء معلومات عن مواقع حزب العمال الكردستاني، موضحة أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحاول استغلال الضائقة المالية التي يتعرض لها العراق بسبب تدنّي أسعار النفط والتي تطال أيضاً الإقليم المرتبط مالياً ببغداد.

وترصد الأوساط السياسية والعسكرية العراقية بقلق تحوّل الخطاب التركي إلى التلويح بإقامة قواعد عسكرية على الأراضي العراقية.

وتؤكّد مصادر عراقية أنّ الحديث التركي عن “قواعد مؤقتة” هو مجرّد غطاء لوجود عسكري دائم، وتستدلّ على ذلك برفض أنقرة إزالة قاعدتها العسكرية التي أقامتها قبل سنوات في بعشيقة قرب الموصل وترفض بشكل قطعي إزالتها رغم المطالبات العراقية المتكرّرة بذلك.

"أطماع تركية لا تنحصر"

وحول هذه التطورات تحدّث لوكالتنا الباحث في العلاقات الدولية الدكتور إياد المجالي قائلاً: "لا شكّ بأنّ جُملة المتغيرات التي هندست مشاهد المنطقة خلال السنوات الأخيرة، قد سمحت بتهيئة المناخ العالمي والإقليمي لخارطة من الصراعات الجديدة، تأتي في إطار المسار السياسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان تجاه إعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية واستراتيجيته التوسعية في احتلال عدة مناطق في الدول العربية من سوريا والعراق وليبيا. ويبدو أنّها أطماع لا تنحصر في مألات الأمر الواقع بل تتعدى إلى الوصول والسيطرة على البحر الأبيض المتوسط وما يتضمنه هذا الهدف الاستراتيجي من أبعاد اقتصادية وسياسية يستمر ويستغل من أجله كافة الفرص المتاحة التي توفرها المتغيرات الإقليمية وآثار الخطر القائم لحركات التطرف والإرهاب في المنطقة".

وأضاف المجالي: "بالتأكيد تشير المعطيات نحو الواقع السياسي, بأنّ السلطة السياسية في بغداد هي الحلقة الأضعف في سلم أولويات صانع القرار التركي, خاصة ما كان في جانب التحركات العسكرية التركية وتركيز العمليات في كردستان العراق, فقد اكتفت السلطة السياسية في بغداد بالتنديد والشجب في هذه العمليات العسكرية واعتبرتها تصريحات الكاظمي رئيس مجلس الوزراء العراقي بأنها اختراق وانتهاك للسيادة العراقية, ورغم المبررات التي أوردها الأتراك حول هذه العمليات بأنها رد فعل تركي لصد الهجمات المتزايدة على تركيا من قبل قوات حزب العمال الكردستاني ومحاولاته استهداف مواقع عسكرية حدودية تركية.

بينما الخارجية العراقية قامت بدورها باستدعاء السفير التركي في بغداد للمرة الثانية على التوالي وسلّمته مذكرة احتجاج على إجراءات الجانب التركي العسكرية منها والسياسية, خاصة تلك المتعلّقة ببناء قواعد تركية في شمال العراق (كردستان العراق) رغم تقاطع المصالح بوجهات النظر في هذا المسار التركي العدواني الذي يرتبط في الميثاق الوطني التركي (الميثاق الملي) أو الدستور أو التذكار الوطني الرسمي والذي يمنح أردوغان السلطة في تحقيق حلمه لسرقة أراضٍ عربية. هذا الميثاق يشكّل خريطة يوظّفها لتوثيق مساره السياسي وفي ما يعتقد أنها تتبع للإمبراطورية العثمانية, ممّا يكشف حقيقة التحركات السياسية والعسكرية لأردوغان في العديد من الملفّات الإقليمية سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا".

"موقف هزيل لحكومة العراق"

وحول الموقف العراقي قال المجالي: "إنّ الموقف العراقي الذي اتخذته بغداد من هذه العمليات واضح أنه جاء بشكل هزيل وضعيف اكتفت به الحكومة العراقية بالشجب والاستنكار من الانتهاكات المتكررة لحرمة البلاد وسيادتها, حيث تنفيذ عمليات عسكرية برية وجوية تجاه كردستان العراق وبناء قواعد عسكرية داخل الحدود العراقية في كردستان العراق هذا الموقف الذي اكتفت به السلطة السياسية العراقية تمثل بالرفض لمخالفة أنقرة للمواثيق والقوانين الدولية, فجاءت تصريحات رسمية عراقية تشدد على المطالبة بالتزام الجانب التركي في وقف القصف وسحب القوات المعتدية من الأراضي العراقية التي توغلت وتمركزت فيها,  خاصة معسكر بعشيقة الذي يعد أحد أهم مراكز القيادة والسيطرة التركية, في مبرر عراقي بأن هذه المساعي تخلق حالة من زيادة اختلال توازن الأمن في المنطقة الحدودية المشتركة".

ولفت المجالي إلى توقيت الهجوم التركي على جنوب كردستان وقال: "إن توقيت وحجم الهجوم دفع المراقبين للتدقيق في النيات غير المعلنة لأردوغان, حيث أنّ توقيت وحجم هجوم الجيش التركي على شمال العراق, يؤكد أنّ هناك اعتبارات أخرى قد تقف وراء خطوة أنقرة, في تنفيذ استراتيجية أردوغان تجاه العراق".

"رسالة تركيّة لمساعي التّوافق الكرديّ"

ويعتقد المجالي بأنّ مساعي التوافق بين كرد سوريا، والذي ترعاه الولايات المتحدة وفرنسا، بمشاركة جنوب كردستان, هي شكل من التحالفات والمبادرات التي تنظر لها أنقرة بعين الريبة والشك. وبهذا المعنى قد تكون رسالة أردوغان أن القضية الكردية لا يمكن البثّ فيها بإقصاء تركيا.

وأضاف: "الجانب المقلق والمعطل لأطماع أردوغان في تشابك الملف الكردي, حيث تكمن في قدرة الكرد فعلاً من التوافق بينهم، دون توظيفهم من قبل مصالح خارجية متناقضة، فسيكون ذلك إنجازاً حقيقياً يحبط محاور مهمة لخطط أردوغان في المشهد السياسي, خاصة وأنّ قدرهم –الكرد- أن يكونوا أكبر قومية في العالم دون دولة أو كيان سياسي معترف به عالمياً, فمنطقة "كردستان الكبرى" موزّعة بين شمال شرق العراق وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا وإيران. كما توجد أقلّيات كردية أخرى في لبنان وأذربيجان وأرمينيا, وبالتالي فإنّ ما يقع في شمال العراق يمسّ الشرق الأوسط بكامله وأيضاً أوروبا وألمانيا بالتحديد حيث تعيش جالية كردية ضخمة".

"تمدّد تركيّ لاقتسام الثّروات وتعميق النّفوذ"

وحول التحركات التركية المكثّفة في الشرق الأوسط قال المجالي: "بات يُفهم من تمدد النفوذ التركي في سوريا والعراق وفي ليبيا، بأنّه صراع يراوح بين مفردات اقتسام الثروات والمنافع، بُغية حصد مكاسب استراتيجية، ستُتيح لأردوغان تعميق نفوذه إقليمياً. فالفوضى الليبية بتشعباتها ترفع منسوب التهديد الجيوسياسي لكافة الدول المتاخمة لها جغرافياً، والانتشار الواسع والكثيف لفصائل إرهابية تحمل أجندات تركية مؤدلجة، يُمثل هذا الأمر حالة أمنية وسياسية لابد لدول الإقليم من الإحاطة بها، وتأطير توجهاتها وإلغاء توظيفها في الصراع الليبي المُحتدم، خاصة أن طول الشواطئ الليبية الممتدة عبر البحر المتوسط، أضحت ممراً لهجرات إرهابية، وغير شرعية نحو أوروبا".

وأضاف: "أنّ ضبابية المشهد السياسي في المنطقة تتشابك في أطرافه مصالح ومنافع سياسية واقتصادية، فجاءت نمطاً مُعقداً جديداً تمارس به أنقرة تحركات سياسية وعسكرية، تُترجم رغبات تركية في الانخراط داخل المشهد الإقليمي وبكافة أشكال الصراع فيه, وتأجيج لهيب الصراع الليبي، لمزيد من القلق وازدياده بشأن الأمن الإقليمي".

"ضغط تركي لتحسين آليات التفاوض وفرض الشّروط على الدّول العربية"

واختتم الدكتور إياد المجالي حديثه بالقول: "تُعدّ العمليات العسكرية في أدبيات السياسة وسيلة ضغط لا غاية مطلقة، على اعتبار أنّ مفردات السياسة تُعد النقطة الأبرز والأقوى والأنجع من أي عملية عسكرية، بينما تأتي تهديدات العمليات العسكرية التركية في غمرة تشابك الملفات في ليبيا وسوريا والعراق، إذ أنّ الواقع وتحليل المشهد سيفاقم دون ريب من معدلات الصراع بين الأطراف المعنية في أكثر الملفات خطورة، بغرض فرض أمر واقع يُحسن من آليات التفاوض، أو يسمح بمنطق فرض الشروط, خصوصاً في أهداف أنقرة تجاه الدول العربية".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً