​​​​​​​حلب... تعود للحياة من بين الأنقاض

بعد أعوام من الحرب والدمار، تنفض مدينة حلب عنها غبار الدمار لتعود إلى الحياة من بين الأنقاض، وإلى أصالتها التاريخية، وأهميتها الاقتصادية والتجارية.

تعدّ مدينة حلب من أشهر وأقدم مدن العالم، وأهم المحافظات السورية اقتصاديًّا وصناعيًّا وزراعيًّا وتجاريًّا، كما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للثقافة (اليونيسكو) مدينة حلب القديمة جزءًا من التراث العالمي، وكانت مدينة حلب القديمة مقصًدا للسياح من أنحاء العالم قبل الحرب.

وتعاقبت على مدينة حلب عبر التاريخ الكثير من الحضارات كـ الأكادية، العمورية، الحثية، البابلية، المقدونية، الحمدانية والأيوبية والمغولية...، تاركة بصماتها في الآثار الموجودة في شوارعها وبيوتها.

كما تعدّ أسواق حلب القديمة (مدينة) في طليعة الأسواق العربية، من حيث جمالها واحتفاظها بطابعها التاريخي، إذ تمتد لأكثر من عشرة كيلو مترات وتضم 37 سوقًا، ومن أشهر هذه الأسواق "سوق القوافين، الصاغة، الصابون، القطن، العبي، البالستان، الطربيشية"، ناهيك عن المنازل ذات الطابع الشرقي الأصيل الذي يعود بعضها إلى العصور الوسطى.

الكرد في حلب....

وللكرد تاريخ قديم في مدينة حلب، يعود إلى الحقبة الأموية والأيوبية، حيث كان تقطن عدد من أسر الأمراء والضباط في حلب ودمشق، وتشارك في إدارة شؤون المدينتين، وكان لهم دور مهم من الناحية الصناعية والتجارية.

وانخرطت هذه الأسر في المجتمع الحلبي لتشكل نسيجًا فسيفسائيًّا يضمن مختلف الطوائف والأديان والأعراق، لكن السلطات المتعاقبة اتبعت سياسات قذرة لصهر ثقافة الكرد وطمس هويتهم، ألا أن الأهالي ظلوا متشبثين بهويتهم، التي ظلت راسخة حتى يومنا هذا.

بصمة تركتها المرأة الكردية في حلب

كما لا يمكن تجاهل دور المرأة الكردية التي تركت بصمتها في مدينة حلب القديمة، حيث أثبتت المرأة الكردية عبر العصور جدارتها وقدرتها على قيادة المجتمع والوقوف أمام الذهنية الذكورية.

حكمت المرأة الأيوبية "الأميرة خاتون" ابنة الملك سيف الدين الأيوبي شقيق صلاح الدين الأيوبي، والتي تنحدر من أصول كردية المنطقة لمدة 6 أعوام، بعد موت زوجها ظاهر ابن صلاح الدين الأيوبي وابنها، واستلمت الأميرة خاتون الحكم برفقة حفيدها عام 1236.

وعند استلام الأميرة خاتون الحكم كانت تناهز من العمر 52 عامًا، وأدت خلال فترة حكمها دورًا مهمًّا من الناحية الفكرية والثقافية، وعملت على إنشاء مدرسة الفردوس التي تقع ضمن أحياء حلب القديمة في جنوب باب المقام، كما أنشأت "خانقاه" الذي يعدّ مكانًا يجمع بين المسجد والمدرسة، ومكانًا لإيواء الفقراء والنساء الوحيدات وتقديم الطعام لهن، والتي تقع في باب الأربعين بمدينة حلب.

احتضار السياحة وركود الوضع الاقتصادي

وتعدّ مدينة حلب مقصدًا لآلاف السياح القادمين في كل أنحاء العالم، وذلك لما تتمتع به من أوابد أثرية ومواقع تاريخية وتراثية وسياحية، حيث كان القطاع السياحي في حلب يرفد الاقتصاد السوري بقرابة 2 مليار دولار.

ومع بداية الأزمة السورية في حلب تراجعت إيرادات السياحة بنسبة 98%، وبلغت الخسائر قرابة 3 مليارات دولار في عموم سوريا الذي يشكل 14% من الناتج المحلي الإجمالي.

حلب... من عبق الأصالة والتراث إلى مدينة للأشباح

وشهدت مدينة حلب دمارًا غير مسبوق نتيجة الحرب الطاحنة خلال السنوات الماضية بين القوات السورية ومرتزقة الاحتلال التركي، حيث تعرضت المدينة لدمار هائل نتيجة عمليات التخريب والتدمير والقصف الهمجي.

وشن مرتزقة الاحتلال التركي هجماتهم على مدينة حلب القديمة في آب/ أغسطس عام 2012، بمشاركة 18 من المجموعات المرتزقة تحت مسمى لواء التوحيد والذي يضم مرتزقة من مدن مارع وعندان واعزاز وحريتان، وطال الدمار نسبة 90% من المدينة.

الهجمات والمعارك أدت إلى انهيار جزء من السور الشرقي لقلعة حلب، كما قام المرتزقة بقصف الجامع الأموي الذي بُني في القرن الحادي عشر، مما أدى إلى إحراق قسم منه، وانهيار المآذن، وطال الدمار المواقع الأثرية في المدينة.

 واستمرت سيطرة المرتزقة على المدينة لمدة تتجاوز 4 أعوام، فقد حولوا المنطقة إلى كتلة من الأنقاض، حيث طال الدمار الأبنية التي يعود عمرها إلى سبعة آلاف عام.

أهالي حلب ينفضون غبار الحرب

 وفي كانون الأول من عام 2016 استطاعت القوات السورية وبدعم روسي من استعادة مدينة حلب، في إطار ما سمي وقتها بمعركة حلب.  

وعلى الرغم من الدمار الذي لحق بها، إلا أن ذلك لم يثنِ أهالي حلب من إعادة بناء مدينتهم، حيث عادت نسبة 65% من السكان الأصليين إليها، وعملوا على إعادة الحياة التجارية إلى بعض الأسواق في مدينة حلب وبيوتها، من خلال ترميم منازلهم دون المساس بأصالتها وطابعها التاريخي، وفضلوا العيش بين حطام المباني.

(ك)

ANHA


إقرأ أيضاً