​​​​​​​إمرالي: سياسة العزلة والإبادة- 3 – دلكيش آريان

دخلت ثورة كردستان عقب عام 2013 مرحلةً جديدة. إذ شهدت بالدور الرئيسي للقائد أوجلان. كما بدأ عقب عام 2015 مرحلةً جديدةً من العزلة والتعذيب.

آنذاك زار مسؤولو الدولة إمرالي مرةً أخرى بعد سنوات، ولم يقوموا بقتل ثلاثة ثورياتٍ كرديات في باريس فحسب، بل شنّوا أيضاً هجماتٍ جويّة عنيفة على مناطق الدفاع المشروع. وأسفر هجوم الجيش التركي على سهول أراضي لجه في آمد في الواحد والثلاثين من كانون الأول عام 2012 عن استشهاد عشرة كريلا بينهم عضو الهيئة العسكرية لقوات الدفاع الشعبي إيرتم كارا بولوت.

في السابع عشر من آذار عام 2014: تحدّث قائد القيادة المركزية لقوات الدفاع الشعبي، مراد قرايلان في برنامج خاص لمحطة Stêrk TV، وقال فيه إنّه لن يتم تسليم السلاح حتّى يتم إطلاق سراح القائد أوجلان وتابع قائلاً: "لم تتوقف العملية بالكامل، إنّها تسير من جانب واحد. يقودها القائد آبو معنا. وصلت العملية لمرحلة من الانسداد ولا يمكن أن تسير من جانب واحد حتّى النهاية. وإن لم يتم اتخاذ أي خطوات بعد أسبوعٍ أو أسبوعين من الانتخابات، حينها فليعلم الجميع أنّ العملية انتهت".

في الثامن والعشرين من شباط 2015: شارك مسؤولو الدولة التركية ووفد إمرالي في قصر دولما بهجة نص الاتفاقية المؤلفة من عشرة نقاط مع الرأي العام. وتضمنت هذه النقاط خطةٍ دمقرطةٍ شاملة. وقال أردوغان في اليوم ذاته: "كنا ننتظر هذه الدعوة بشغف" ثم قال: "تحدّث أحدهم عن اتفاقية دولما بهجة. لا وجود لمثل هذه الاتفاقية. لا يمكن لهذه السلطة أن تعقد أي اتفاقية مع المنظمات الإرهابية".

في الحادي عشر من آذار عام 2015: قال الرئيسان المشتركان لمنظومة المجتمع الكردستاني، جميل باييك وبسي هوزات خلال حديثٍ أجرياه مع محطة (IMC TV): "إن التصريحات التي تفيد بوضع حزب العمال الكردستاني للسلاح هي مجرد دعاية للانتخابات. فقرار وضع السلاح لا يمكن أن يتّخذ إلّا عبر مؤتمر يحضره القائد آبو".

في الواحد والعشرين من آذار عام 2015: تم قراءة رسالة القائد هذه في احتفالية نوروز في آمد: "حول حاجة إعلان عقد الاتفاقية أرى أنّه من الضروري والتاريخي أن يعقد حزب العمال الكردستاني مؤتمراً لإنهاء أربعين عاماً من النضال ضد الجمهورية التركية وأن يحدّد الاستراتيجيات والتكتيكات السياسية والاجتماعية بروح العصر الجديد. أتمنى أن نتوصل إلى مذكرةٍ أساسية، ونعبر إلى لجنة الحقيقة والتقابل التي تتألّف من أعضاء البرلمان ووفد الرقابة ونعقد هذا المؤتمر بنجاح.

التعذيب الذي يتجاهله العالم

اتّخذت الرئيسة المشتركة لمؤتمر المجتمع الديمقراطي (KCD) ليلى جوفن خطوةً تاريخية. إذ أعلنت السياسية الكردية المعتقلة ليلى جوفن أثناء جلسة محاكمتها في السابع من تشرين الثاني عام 2018 عن بدئها بالإضراب عن الطعام بهذه الكلمات وسُطّر هذا الإضراب في تاريخ نضال الشعب الكردي: "إنّ العزلة المفروضة على السيد أوجلان ليست عزلةً مفروضةً على شخصٍ واحد، بل هي تُفرض في الوقت ذاته على شعب كامل. إنّ العزلة هي جريمةً ضد الإنسانية. وأنا جزءٌ من هذا الشعب. ولهذا أبدأ إضراباً عن الطعام بشكلٍ متواصل ولأجل غير مسمّى للتنديد بالعزلة المفروضة على السيد أوجلان". 

آنذاك أطلقت حركة التحرر الكردستانية حملةً جديدة باسم "سننهي العزلة، نسقط الفاشية، ونحرر كردستان". عقب تصريح ليلى جوفن الذي اعتبر بمثابة’ الانطلاق ‘بدأ السياسيون، النشطاء والوطنيون الكرد بالإضراب عن الطعام تباعاً. حيث بدأ به أولاً ناصر ياكز في الواحد والعشرين من تشرين الثاني عام 2018 في هولير، ثم بدأه بعده المعتقلون السياسيون في تركيا وكردستان، وبعد ذلك بدأ به في السابع عشر من كانون الأول عام 2018 أربعة عشر سياسياً كردياً في مدينة ستراسبورغ الفرنسية. وكانت هذه الإضرابات بشكلٍ متواصل ولأجل غير مسمى.

في الثاني من أيار عام 2019 كسرت مقاومة الشعب الكردي العزلة المفروضة في إمرالي. يومها، التقى المحامون بالقائد أوجلان بعد ثمانية أعوامٍ من الانقطاع. وعادوا من إمرالي بإعلان ديمقراطي من سبع نقاط. في هذا اللقاء المعلن عنه في السادس من أيار، كُشف للرأي العام خلال مؤتمرٍ صحفي عُقد في إسطنبول إعلان’ للرأي العام ‘الذي كُتب مع المعتقلين الثلاثة الآخرين في إمرالي ويسي آكتاش، عمر خيري كونار وهاميلي يلدرم.

أظهر الإعلان الذي حدّد مسار الحل الديمقراطي ضد الحرب والعداء الشديد في تركيا والمنطقة في الوقت ذاته قوة الحل وتأثير القائد أوجلان مرةً أخرى. وزار المحامون إمرالي مرةً أخرى في الثاني والعشرين من أيار.

وانتهت فعاليات الإضراب عن الطعام وصيام الموت التي وصلت إلى يومها المئتين في السادس والعشرين من ايار عام 2019 بناءً على دعوةٍ من القائد أوجلان.

نشب حريق إمرالي’ لأسباب سياسية ‘

بعد لقاء السابع من آب ولفترة طويلة لم ترد أية معلوماتٍ عن القائد عبدالله أوجلان. وأدلى وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو في السابع والعشرين من شباط عام 2020 بتصريح غريب. إذ أُعلن فجأةً عبر برنامج تلفزيوني عن حدثٍ لم يأت له ذكرٌ مطلقاً حتّى ذلك الحين. إذ أعلن صويلو عن نشوب حريق في إمرالي والسيطرة عليه. عقب هذا التصريح أدلى الرئيس المشترك للهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكردستاني، جميل بايك في التاسع من آذار عام 2020 عبر برنامجٍ خاص لمحطة (Stêrk TV) بهذا التصريح:

"إن النهج الذي يتّبع بخصوص القائد آبو هو سياسي بكل الأشكال. لا يتم اتباع نهج يتماشى مع القانون بخصوص القائد آبو. إنّ الحريق الذي المفتعل في إمرالي ناجمٌ عن أسباب سياسية. ولم يندلع مصادفة. يعلم الجميع أنّ إمرالي يخضع لمراقبة دائمة ولأربعةٍ وعشرين ساعة. لماذا كشف سليمان صويلو هذا الأمر؟ هل يريدون اختبار موقف القائد آبو، أو حزب العمال الكردستاني أو الشعب الكردي يا ترى؟ لا نعلم هذا بعد. ولكن هناك حساباتٌ سياسية وراء هذا. ولهذا فقد تسبّبوا بالحريق ثم كشفوا عنه في محطات التلفاز".

بدأ الكرد الذين أثارت تصريحات صويلو لديهم الخوف والقلق على حياة القائد أوجلان المقاومة. وأدّى هذا إلى سماح الدولة التركية في الثالث من آذار عام 2020 بزيارة العائلة لإمرالي. وأصدر مكتب العصر الحقوقي بعد يوم بياناً بشأن لقاءات عوائل عبدالله أوجلان، عمر خيري كونار وويسي آكتاش، وأوضح:

"أعلنت العوائل أنّ الوضع العام لموكليهم جيد، وأنّهم لم يتأثّروا بالحريق".

أول وآخر اتصالٍ هاتفي جرى في عام 2020

جرى أول اتصال هاتفي للقائد عبدالله أوجلان مع عائلته في الواحد والعشرين من نيسان عام 2020. وعلّق شقيق القائد عبدالله أوجلان، محمد أوجلان على هذا الاتصال الذي استمر لحوالي 20-25 دقيقة قائلاً: "قال القائد أنّ وضعه الصحي الآن جيد. وقال’ ولكنني لا أعلم كيف سيكون مستقبلاً ‘وعلّق على الوضع في باشور قائلاً إنّه يتم انتهاج سياسة قتل الكرد على يد الكرد، وهنا لا يحقق الكرد شيئاً. وذكر أنّ الشعب التركي أيضاً غير مستفيد من هذه السياسة. وأوضح أنّه ينبغي ألّا يقول الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وأية حركة كردية أخرى’ سوف نقاتل، وفي المقابل ستمنحنا الدولة‘. وأشار إلى أنّ هذا لا يمكن أن يُقبل أو يتحقق. وذكر أنّه ينبغي اتّخاذ الوحدة الوطنية أساساً".

نتيجة تزايد الخوف والقلق بسبب انتشار وباء كورونا تم السماح للقائد بإجراء اتصالٍ هاتفي. ونشرت وكالات الأنباء في العاشر من تشرين الأول أنّ هذا الاتصال كان الأخير في عام 2020. وذلك بسبب إعلان الدولة التركية اتّخاذ قرار حظر إجراء المكالمات الهاتفية لمدة ستة أشهر على القائد عبدالله أوجلان، وعمر خيري كونار، هاميلي يلدرم وويسي آكتاش.

حملة’ حان وقت الحرية‘

قام القائد أوجلان خلال الأعوام الماضية ورغم العزلة المطلقة المفروضة عليه والتعذيب الأبيض الذي يتعرض له ورغم عزله الكامل عن العالم الخارجي، بتعميق معرفته العلمية والسياسية والفلسفية، وأعدّ التقييمات والتحليلات والنتاجات المختلفة في مواضيع مثل الديمقراطية، الثقافة، التوازنات البيئية، المرأة، الدفاع المشروع والمجالات المدنية. وقدّم مقترحاته في سبيل الحل والتي طورها كنماذج تحمل أهميةً تاريخية من أجل كردستان، تركيا والمنطقة مثل نموذج’ الحضارة الديمقراطية‘،’ الحضارة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي البيئي ‘،’ الكونفدرالية الديمقراطية ‘.

يحتاج الشرق الأوسط الآخذة فيه الفوضى بالتعمق وكردستان التي تقاوم الاحتلال التركي المحاصر بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية لفكر القائد عبدالله أوجلان وحريته. ولهذا أعلنت الهيئة القيادية لمنظومة المجتمع الكردستاني خلال بيانٍ أصدره في العاشر من أيلول عام 2020 إطلاقها في الثاني عشر من أيلول لحملةٍ تحت شعار "كفى للعزلة، الفاشية والاحتلال؛ حان وقت الحرية ‘. وقالت منظومة المجتمع الكردستاني عن ضرورة إطلاق الحملة:

"أمام الكرد والقوى الديمقراطية في الشرق الأوسط مثل هذه الفرصة. سيخرج الكرد والقوى الديمقراطية بانتصارٍ عظيم من عملية خلق الفوضى في الشرق الأوسط هذه. اجتمعت هيئتنا القيادية وممثلي التنظيم ومؤسساتنا المهمة في مثل هذه المرحلة، وقيّموا فرص الانتصار والمخاطر القائمة بشكلٍ موسّع واتّخذوا قراراتٍ مهمة. في سياق هذه القرارات ولتلافي المخاطر، وبناء الحياة الحرّة والديمقراطية نطلق في الثاني عشر من أيلول وتحت شعار " كفى للعزلة، الفاشية والاحتلال؛ حان وقت الحرية" الحملة الديمقراطية الثورية. هدف هذه الحملة هو إسقاط سلطة حزبي العدالة والتنمية- الأرغنكون، التي حوّلت نظام التعذيب الذي يعتمد على العزلة المشدّدة في إمرالي إلى حرب ٍ خاصة وحركةٍ نفسيّة ضد الشعب الكردي، وتقوم بتوسيع نطاق الاحتلال

 وتشديد الضغوط الفاشية ضد الشعب الكردي وباقي الشعوب في الخارج والداخل".

اتّخاذ قرارات حظر جديدة في عام 2022

بعد الصدى الذي أحدثته حملة حان وقت الحرية في العالم، رُفعت حدّة "العزلة" وعدم الاتصال بالعالم الخارجي أيضاً. راجع محامو مكتب العصر الحقوقي في الثاني والعشرين من تشرين الثاني عام 2021 محكمة التنفيذ في بورصا لإجراء لقاءٍ عاجلٍ بالقائد عبدالله أوجلان والمعتقلين الآخرين؛ عمر خيري كونار، هاميلي يلدرم وويسي آكتاش، وظهر أنّ هناك قراري حظر جديدين قد فُرضا على القائد أوجلان. وبحسب قرار اللجنة الجزائية في مديرية سجن إمرالي اتّخذ بحق القائد آبو في الثامن عشر من آب 2021 قراراً بـ’ حظر الزيارات ‘لثلاثة أشهر.

كما ظهر في الطلب الذي قدّمته عوائل المعتقلين في الثالث من شباط عام 2022 أنّ رئاسة اللجنة الجزائية في سجن إمرالي قد اتّخذت عقوبةً جزائية تستمر لثلاثة أشهر. ولهذا فقد حُرم القائد آبو من الالتقاء بعائلته. ومع رفض هذه الطلبات اتّخذت عشرة عقوباتٍ جزائية تفيد بحظر اللقاءات بالعائلة منذ عام 2018 وحتّى الآن.

عدا عن قرارات حظر اللقاءات بالعائلة فقد اتّخذ خلال هذين العامين قراراتٍ عديدة تحظر اللقاء بالمحامين أيضاً. فقد رفضت محكمة التنفيذ في بورصا طلب المحامين للقاء القائد بذريعة قرار حظر اللقاءات لمدة ستّة أشهر الذي كانت قد فرضته على القائد أوجلان في الثاني عشر من تشرين الأول عام 2021. وإلى جانب أنّه لا ترد أية معلوماتٍ عن القائد أوجلان منذ عام، فقد رُفض طلب اللقاء الذي قدّمه المحامون إلى محكمة التنفيذ في بورصا في التاسع والعشرين من نيسان من قبل هيئة المحكمة بلا سبب. وظهر بعد ذلك أنّه تم في الثالث عشر من نيسان اتّخاذ قرارٍ حظرٍ جديد يحظر اللقاء بالمحامين لستة أشهر أخرى. إن الوضع الذي يشهده إمرالي الآن هو عزلة مطلقة. إذ يتم انتهاك حق احترام العائلة والحياة الخاصة، حق الدفاع والخضوع لمحاكمة عادلة، حق تقرير المصير وحق الاتصال.   

حتّى الخامس عشر من شباط عام 1999 لم يكن مصاباً سوى بالتهاب الجيوب الأنفية

حتى الخامس عشر من شباط عام 1999 لم يكن القائد أوجلان يعاني من أي مرضٍ سوى التهاب الجيوب الأنفية، إلّا أنّه بسبب ظروف التعذيب والعزلة في إمرالي فقد أصيب بالعديد من الأمراض مثل الذبحة الصدرية، التهاب البلعوم، التهاب الأنف، الحساسية والربو. لأنّه تم التخطيط لأن يكون إمرالي عبارةٌ عن "موت بطيء يستمر خلال فترةٍ طويلة" للشعب الكردي والقائد أوجلان. إلّا أنّ حساباتهم لن تتحقق. يقاوم الشعب الكردي من أجل حرية قائده وصحته بلا هوادة منذ شتاء 1999 وحتّى الآن.

إمرالي: سياسة العزلة والإبادة-2 - دلكيش آريان

(ر)

ANHA


إقرأ أيضاً