​​​​​​​كارثة مرفأ بيروت... فجوة جديدة يطل منها العثمانيون الجدد

تستغل تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان أي فرصة للتمدد بالدول العربية، وهذه المرة من بوابة كارثة مرفأ بيوت التي تعرضت له العاصمة اللبنانية قبل أيام، في محاولة جديدة لتسريعِ خطةٍ كشفت عنها تقارير لبنانية الشهر الماضي، لتوسيع نفوذها في لبنان عبر استمالة التركمان و"الإخوان المسلمين" والطائفة السنية.

بالأعلام التركية استقبل مئات اللبنانيين يوم السبت الماضي، الوفد التركي الذي ضم فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركي، ووزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو، وتجمهرت أمام مقر جمعية "جيل المستقبل" في منطقة سبيرز وسط بيروت.

وأعلنت تركيا استعدادها للوقوف إلى جانب لبنان للخروج من محنته ومساعدته إثر الانفجار الذي حصل الثلاثاء الماضي، من خلال الحديث عن إعادة أعمار مرفأ بيروت وإصلاح المنازل، بالإضافة إلى الحديث التركي عن المساعدة بميناء مرسين التركي المطل على البحر المتوسط ما يطرح أسئلة حول الأطماع التركية.

ترحيب لبناني حذر ورسم تركي للمشاهد التضامنية

ويأتي عرض المساعدة هذا في ظل تخوّف دبلوماسي وانقسام شعبي حول موقف لبنان من تركيا وأهدافها المزعومة لمساعدة البلاد، وكشفت مصادر صحفية عن مظاهر التمدّد التركي التدريجي الواضحة على الساحة اللبنانية، عبر استثمار في الخلايا النائمة لتيار "الإخوان المسلمين" وتجييش الطائفة السنية الفقيرة والمحرومة لمساندة أنقرة، ونقلت وسائل إعلام تركية إبّان الانفجار الدامي لبيروت، مشاهد حية لمواطنين لبنانيين متضررين من الانفجار مؤيّدين لتركيا، فيما أكدت معلومات على استدراج تركي لرسم المشهد التضامني.

وكانت السلطات اللبنانية أعلنت الشهر الماضي توقيف أربعة أشخاص قادمين من تركيا على متن طائرة خاصة، وهم تركيان وسوريان، كانوا ينقلون مبلغ أربعة ملايين دولار، وكان تحركهم في الشمال اللبناني بشكل خاص وسط مخاوف سياسية عن سبب إحضار تلك الأموال، "وما إذا كانت للتلاعب بسعر الدولار، أم لتغذية تحركات عنيفة معينة في الشارع" كما ورد على لسان وزير الداخلية أحمد فهمي.

أنقرة تصفي حساباتها على الساحة اللبنانية

تُعدّ العروض التركية المتواصلة لمُساعدة لبنان بمنزلة تمهيد لملء الفراغ المُحتمل عن تضاؤل نفوذ طهران، وسط دعوات إقليمية ودولية مُتزايدة لتحجيم دور الحليف الإيراني "حزب الله" ومنع هيمنته على السياسة اللبنانية، الداخلية والخارجية، بينما لا يلقى النفوذ التركي المُتصاعد في المنطقة استياءً على نفس القدر من القوة من قبل الولايات المتحدة والعديد من القوى الكبرى.

ويُحذّر مراقبون سياسيون من أنّ تركيا دائمًا ما تستبق تنفيذ خططها في العديد من الدول بإرسال مساعدات وفرق تابعة لوكالة "تيكا" والهلال الأحمر التركي وغيرها من المنظمات التابعة للرئاسة التركية، تضم على الدوام عناصر من المخابرات التركية التي تقوم بالتغلغل في نسيج البلاد من بوابة الدين، والإغاثة والاقتصاد، حيث تعمل على استغلال نقاط الضعف في المجتمع والمشهد السياسي لتبدأ في رسم مُخططاتها وتوسيع نفوذها.

ويحذّر مختصون بالشأن التركي من غاية أردوغان الذي غالبًا يرسل مساعدات لاستغلال عجز الدولة لرسم مخططاته وتوسيع نفوذه والسيطرة على المرافق الحيوية في لبنان، لا سيّما المرفأ المورد الاقتصادي الأول في البلاد، والذي تمرّ من خلاله قرابة 70 في المئة من حركة التجارة الصادرة والواردة من وإلى البلاد، والذي حمّل بانفجاره أعباءً اقتصادية جديدة على لبنان الذي يتخبّط في أزماته في ظل استقطاب سياسي حاد وتداخل أطراف إقليمية ودولية.

ويؤكد المختصون أن تركيا قد تنتهز الفرصة من أجل تعزيز موقعها في لبنان كونه ساحة صراع بينها وبين السعودية ومصر والإمارات والقوى المعادية لها، فالعرض التركي أيضًا سيملأ الفراغ الذي تخلّفه السعودية ومصر، إذا ما تخلّيا عن أدوارهما في لبنان، لا سيّما في الشارع السنّي، وهذا من شأنه فتح الباب أمام تركيا ليس لتسيّد الساحة السنية، ولكن لزيادة نفوذها بشكل ملحوظ.

"أذرع الإخوان" جزء من السياسة التركية

الشارع اللبناني، خاصة السني، منقسم حول العلاقات التركية اللبنانية،  فجماعة "الإخوان المسلمين" جزء من هذا الانقسام، ليس فقط على المستوى الوطني، بل على المستوى السني أيضًا، فهي أحد ركائز النفوذ التركي في لبنان وهم شركاء مع العدالة والتنمية وفي السياسات الإقليمية، فالإخوان هم جزء لا يتجزّأ من السياسة التركية في المنطقة، ورغم الانسجام الحاصل بين الطرفين، قد تكون "الجماعة الإسلامية" الذراع الإخواني في لبنان أكثر حذرًا عند القيام بأيّ تحرك يعكس أيّ انحياز في الممارسة العملية على الساحة اللبنانية، فهي حليفة "تيار المستقبل" الذي يترأسه سعد الحريري المحسوب على السعودية.

مساوئ النظام الطائفي تخدم الدول الاستعمارية

لبنان بلد منقسم على نفسه بين أكثر من تيار، وهذا نتيجة النظام الطائفي المستمر منذ أواخر القرن التاسع عشر في العهد العثماني، وترسخ في مرحلة الانتداب بعد العام 1920، واستمر بعد الاستقلال عام 1943.

وقد نُصّ عليه في اتفاقية الطائف عام 1989 التي أصبحت دستورًا، لذلك فإن بنية لبنان التأسيسية منقسم طائفيًّا، وبالتالي هو منقسم سياسيًّا تبعًا لانتماء الطوائف، فليس غريبًا أن تتوزع أهواء اللبنانيين بحسب توزع أهواء كل طائفة، على سبيل المثال المسيحيون عامة والموارنة خاصة يميلون إلى الغرب وتحديدًا إلى فرنسا، فعند زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبنان، سمعنا بمطالبة عودة الانتداب الفرنسي، فيما السُّنّة يميلون إلى الخليج، وفي فترة مضت إلى مصر، واليوم جزء منهم إلى تركيا، دون أن يضعوا في الحسبان الغاية من هذ التمدد، فليس ما يحصل في سورية وليبيا من تدخلات تركية ببعيد.

(ي ح)


إقرأ أيضاً