​​​​​​​ليلون نَسَجَ بين الحرب والفن

تقام مهرجانات في جميع أنحاء الدول إلا أن تنظيم مهرجان دولي ضمن المخيمات التي تضم الآلاف من النازحين المُهجّرين قسرًا من ديارهم، حدث فريد من نوعه.

ففي مخيمي برخدان وسردم في مقاطعة الشهباء انطلق مهرجان ليلون الدولي للأفلام تحت شعار" زهرة بمفردها لا تشكل حديقة" بعرض أفلام دولية وكردستانية، واستطاع أن يجذب أنظار العالم إلى تلك البقعة الصغيرة التي يفرض عليها حصارًا خانقًا من قبل الحكومة السورية من جهة والاحتلال التركي من جهة أخرى.

كما أن المهرجان استطاع أن يكون بوابةً للتواصل الثقافي بين شعوب العالم، وفرصة مهمة لتلاقي المخرجين والكتاب وتلاقح الأفكار والرؤى وتعزيز التبادل الثقافي لخلق علاقات على الصعد كافة.

دام المهرجان أسبوعًا، بدأ في الـ21 من شهر أيلول الجاري والذي صادف يوم السلام العالمي، واستمر إلى يوم 27 من الشهر الجاري، وأنير المكان بشاشة عرض كبيرة للأفلام بعرض 7 أمتار وارتفاع 5,30 م.

 ليلون الشاهد على موجة النزوح

يعد ليلون من الجبال الكردية الشامخة والغنية بالآثار، وهو جزء من جبال كورداغ ويقع جنوب شرق منطقة عفرين وشمال غرب حلب، ويمتد من سهل قطمة وكفرجنة شمالًا إلى سهل زرنعيطة ويشرف من الجهة الغربية على سهول نهر عفرين قرى قيبار، ترنده، عين دارة وغزاوية.

ولأن ليلون كان شاهدًا على نزوح الآلاف من أهالي عفرين وتهجيرهم من قبل الاحتلال التركي في الـ18 من آذار 2018، أراد القائمون على مهرجان ليلون الدولي للأفلام بتسمية مهرجانهم بـ ليلون وإظهار معاناة الشعب العفريني للعالم.

مقاومة 58 يومًا وإظهارها عن طريق الفن

استطاع ليلون أن يجعل الفن في مواجهة الحرب وأن يوثق المقاومة التي أبداها أهالي مقاطعة عفرين ضد أقوى الأسلحة التي استخدمت ضدهم في عفرين من قبل الاحتلال التركي، من خلال عرض 58 فيلمًا في مخيمات الشهباء.

ليلون مهدت الطريق لتبادل الثقافات

ضم المهرجان أفلامًا من 27 دولة مختلفة من دول العالم بين أفلام عربية وأجنبيه وكردية، عرضت على أرض الشهباء، جارة عفرين المحتلة التي تعرضت في 20 من كانون الثاني/  يناير 2018 لهجوم عسكري من قبل الاحتلال التركي واحتلت المدينة في الـ 18 آذار من العام ذاته، وتسبب الاحتلال التركي بالنزوح القسري لقرابة 350 ألف مدني من المنطقة ، ويمكث حاليًّا قرابة 150 ألف نازح في مقاطعة الشهباء، لذا اراد القائمون على المهرجان أن يكون المهرجان جسرًا ثقافيًّا مهمًّا، وخطوة نحو إيصال ثقافة الشعب المستضيف إلى شعوب العالم و فرصة لتلاقي المخرجين وتلاقح الأفكار والرؤى.

أفلام عن المقاومة تبرز في المهرجان

تنوعت الأفلام التي عُرضت في المهرجان من حيث المضمون و الرسائل التي تضمنتها، فقد عُرضت خلال فترة المهرجان أفلام تتحدث عن المقاومة، حيث كان لفيلم "من أجل الحرية" للمخرج الكردي أرسين جليك، والذي عرض في اليوم الأول من المهرجان تأثيرًا خاصًّا على المتابعين والمشاهدين من حيث المقاومة في وجه الجيش التركي على مدار 100 يوم بكل إصرار وعزيمة، وفيلم "صرخة السماء"  للمخرج العراقي شهرام قادر والذي روى أحداث عام 1975 التي وقعت جنوب كردستان عندما أعلن النظام البعثي الحرب على الحركة الكردية في تلك الحقبة، مما أدى إلى مجازر إنسانية وتهجير المئات من الأسر الكردية إلى الحدود الإيرانية العراقية، وعلى الرغم من ذلك رفضوا الاستسلام والرضوخ لمتطلبات العدو، بالإضافة إلى فيلم" أنغام الطبول"  للمخرج رشو كاسان والذي عُرض في مخيم سردم وحكى عن المقاومة التي أبداها أهالي حي الشيخ مقصود في حلب، في حماية بلدهم وتعاون الأهالي بين بعضهم البعض لحماية مكتسباتهم، وفيلم الجبل الأحمر للمخرج اللبناني كامل حرب.

مخرجون كردستانيون عبروا من خلال أفلامهم عن واقع كردستان

شارك مخرجون كرد بالعديد من الأفلام السينمائية التي عرضت في مهرجان ليلون الدولي للأفلام، ومن أجزاء كردستان الأربعة، وتناولت معاناة الشعب الكردي، كفيلم العودة للمخرج سلمان دنيز وهو من باكور كردستان، إذ رأى المخرج ضرورة تسليط الضوء على الواقع المعاش في كردستان، حيث تحدث الفيلم عن شاب يدعى أيوب يستمعُ لكلامِ رجلٍ مبروك، فيحزمُ أمتعته ليسافر عبر جبلِ آرارات بحثًا عن عمته التي تسكنُ في الطرفِ الآخر من الجبل، يصل الشاب إلى عمته، ولكن لا يستطيع فهم لغتها فيقرر الرحيل وهذا حالُ معظم الناس في كردستان المقسمة إلى أربعةِ أجزاء.

وعن وضع السينما الكردية قال المخرج السينمائي باروج آكري إن "على السينما الكردستانية أن ترتقي وتطور نفسها لتصل إلى المستوى العالمي من الناحية المهنية وب أشكالها كافة، لإظهار معاناة الشعب الكردستاني، كما يجب على السينما الكردستانية أن تجذب وتلفت انتباه المرء وتتعمق في المواضيع التي تحث على إظهار واقع الشعب الكردي، ونحن على أمل بأن تصل إلى المستوى المطلوب".

قضايا المرأة في الشرق الأوسط ومشاركة المرأة في المهرجان أضفى عليه رونقًا خاصًّا

شاركت 11 مخرجة من مختلف البلدان في عرض أفلامهن بمهرجان ليلون الدولي ويحمل كل واحد منها رسالة خاصة، كما تطرق بعض المخرجين السينمائيين إلى القضايا التي تتعلق بالمرأة وتأثير المجتمع عليها وتحكمه بها.

 فقد كان فيلم "فوق الركبة" للمخرج المصري لبيب عزت خير مثال على ذلك، فمن خلال الفيلم والذي مدته 8:8 دقيقة، أراد المخرج أن يبين للمشاهدين أن المجتمعات الشرق الأوسطية تتدخل في اختيارات المرأة وتضيق الخناق عليها وتمنعها من التعبير عن إرادتها، وأن المرأة لا تتحكم بمظهرها وشكلها الخارجي، كما انتقد الفيلم نظرات المجتمع الذكوري للمرأة والتقليل من شأنها.

وفي فيلم صه! للمخرجة نورسل دوغان والذي كانت مدته 14:48 دقيقة أرادت المخرجة أن ترسل رسالتها بأن لا شيء يمنع المرأة من ممارسة حقوقها ومواهبها تحت حجة أنها امرأة أو ضعيفة، أو تحت حكم العادات والأعراف والتقاليد، فكما يحق للرجل أن يمارس حقوقه يحق للمرأة أيضًا كذلك كما شددت المخرجة في الفيلم على تعزيز حقوق المرأة في المجتمع.

كما تضمن المهرجان أفلامًا تحكي عن القضايا الاجتماعية كالانفصال – والزواج - الطلاق التي تؤثر على المرأة كفيلم "المصافحة" للمخرجة اليونانية كاترينا سيغالا .

ملتقى السياسة بالفن

استطاع المخرجون إرسال رسائل سياسية أيضًا في الأفلام التي عرضت في فعاليات المهرجان كفيلم "مهمة الماء" للمخرج الفنزويلي آلفور كاسريس، وسلط الضوء من خلال فيلمه على أن العالم سيخوض حربًا في المستقبل من أجل الماء، فأحداث الفيلم دارت حول انقطاع الماء بشكلٍ مفاجئ في إحدى المناطق مما يتسبب بأزمات ومشاكل دفعت بالأهالي إلى مظاهرات لإدراكهم بأن مصيرهم مرتبط بوجود الماء، فيكون الحل بيد مجموعة من الأطفال يبحثون عن سبب الاختفاء المفاجئ للماء فيتوصلون إلى أن النظام العالمي المهيمن هو وراء هذه الأزمة.

تفاعل كبير من قبل الأهالي

شهدت فعاليات مهرجان ليلون إقبالًا واسعًا من الأهالي، حيث كانت المقاعد تعج بالأهالي في مخيمي سردم و برخدان وهم متلهفين لمتابعة الأفلام.

زلوخ حنان التي حضرت عروض المهرجان قالت: "إن تنظيم مهرجان دولي في مخيمات النزوح هو محل فخر لنا وإثبات للعدو بأننا مثلما قاومنا العدو في عفرين 85 يومًا، فإننا سنواصل مقاومتنا في الشهباء، و من خلال هذا المهرجان نوصل رسالتنا إلى العالم بأنه على الرغم من النزوح فإننا بإرادتنا نخلق أشياء تبهر العالم".


إقرأ أيضاً